موت على الأسوار
كانت نينوى في القرن السابع عشر مدينةً تتنفس القلق.
الريح القادمة من سهول الموصل كانت تحمل رائحة البارود، وصوت الطبول العثمانية يرتجّ فوق الأسوار القديمة.
في تلك الأيام، كانت نينوى تحت حكم الدولة العثمانية، أيام السلطان مراد الرابع، حيث اشتعل الصراع بين العثمانيين والفرس الصفويين بقيادة الشاه عباس الأول، وكانت أرض العراق ساحةً مفتوحة للدم.
كان "سالم بن عُبيد" جنديًا في حامية نينوى. لم يكن فارسًا أسطوريًا، بل فلاحًا حمل سلاحه دفاعًا عن بيته وأمه وأخته الصغيرة.
في إحدى الليالي، وصل رسولٌ يلهث:
الصفويون يعبرون من جهة الشرق… والقرى تحترق.
اشتعلت المدينة كقنديلٍ في مهب العاصفة.
صليل السيوف، صرخات النساء، خيول تعدو بلا فرسان.
وقف سالم فوق السور، يحدّق في السهول التي تحولت إلى بحرٍ من المشاعل. لم يكن يخاف الموت… بل كان يخاف أن يرى نينوى تسقط.
مع الفجر، بدأ الهجوم.
تقدمت المدافع، اهتزت الأسوار، وتطاير الحجر القديم الذي شهد حضاراتٍ أقدم من كل الجيوش.
قاتل سالم كمن يقاتل الزمن نفسه. أصيب في كتفه، لكنه ظل واقفًا.
وعندما اخترق الصفويون البوابة الشرقية، اندفع سالم نحو بيته.
كان الدخان يملأ الأزقة، والبيوت تتهاوى.
وصل…
لكن بيته كان رمادًا.
ركع بين الحجارة المحترقة، يبحث بيديه المرتجفتين عن أي أثر. وجد خرزة زرقاء كانت أخته تضعها في عنقها.
في تلك اللحظة، سمع وقع خطوات خلفه.
التفت…
جندي صفوي يرفع سيفه.
نهض سالم، جريحًا، متعبًا، فارغًا من كل شيء.
لم يعد يقاتل من أجل المدينة… بل من أجل الذكرى.
تبارزا بين اللهب.
ضربة… ضربة أخرى… حتى اخترق السيفان الجسدين معًا.
سقطا متعانقين في الدم.
ومع حلول المساء، كانت نينوى صامتة.
النار تهمس فوق الخراب، ودجلة يجري كأنه لم ير شيئًا.
لم يُذكر اسم سالم في كتب التاريخ،
ولم تُخلّد قصته في سجلات السلاطين،
لكن الأرض التي ابتلعت دمه احتفظت بحرارته.
وفي كل ربيع، حين يهبّ نسيمٌ خفيف فوق أطلال نينوى،
يقول العجائز إنهم يسمعون صدى سيفين يتقاطعان…
ثم صمتًا طويلاً.
صمتًا يشبه الوطن حين يُهزم.