الفصل الثاني
لم يكن الممر الصخري ضيقًا فقط…
بل كان مظلمًا ورطبًا كأن الأرض نفسها تخفي سرًا لا تريد كشفه.
لارا كانت تتحرك بسرعة، أنفاسها متقطعة، وصوت الزوارق يقترب أكثر.
سمعت رجالًا يقفزون إلى اليابسة.
أصوات أجهزة اتصال.
أوامر قصيرة حازمة.
“انتشروا. لا تخرجوها من الجزيرة.”
الجزيرة صغيرة…
لكنها مليئة بالممرات التي لا يعرفها إلا من درس خرائطها.
وسليم… كان قد درسها.
تذكرت فجأة ملاحظاته القديمة، دفاتره المليئة بالرسومات.
كان دائمًا يقول إن المنارة ليست مجرد بناء قديم.
وصلت إلى مفترق داخل النفق.
يمين… أو يسار؟
أغمضت عينيها لحظة.
تذكرت جملة كتبها سليم على أحد دفاتره:
“المخرج الحقيقي دائمًا عكس الاتجاه المتوقع.”
اختارت اليسار.
بعد أمتار قليلة، سمعت صوت إطلاق نار خلفها.
الرصاص ارتطم بالجدران الصخرية.
ركضت.
لكن فجأة…
انهار جزء من السقف أمامها بسبب انفجار صغير.
تراجعت مذعورة.
تفجير؟
هم لا يريدونها فقط…
يريدون إغلاق أي طريق هروب.
سعلت بسبب الغبار، وبحثت عن مخرج آخر.
وهنا… سمعت صوتًا هادئًا خلفها:
“لو ركضتِ أكثر… ستقعين في الفخ.”
استدارت بسرعة، ترفع قطعة حديد صدئة وجدتها في الأرض.
رجل يقف في الظل.
ليس من رجال المنظمة.
ملابسه بسيطة، عيونه ثابتة.
قال:
“اسمي يامن. وأنا لا أعمل معهم.”
“وكيف أصدقك؟”
ابتسم بخفة:
“لو كنت معهم… لما كنتِ تتنفسين الآن.”
لم يكن لديها وقت للنقاش.
“هل تعرف طريقًا للخروج؟”
أومأ.
قادها عبر فتحة جانبية بالكاد تُرى.
خرجوا إلى حافة صخرية تطل على البحر من الجهة الخلفية للجزيرة.
الأمواج تضرب الصخور بعنف.
“القفز هنا جنون…” قالت.
رد:
“والبقاء أكثر جنونًا.”
قبل أن تجيب، دوّى انفجار آخر من جهة المنارة.
ارتفع دخان كثيف.
ترددت لثانية واحدة فقط…
ثم قفزت.
تحت الماء
الماء كان باردًا كالسكاكين.
الأمواج دفعتها بقوة نحو الصخور.
شعرت بيد تمسك ذراعها.
يامن.
سبحا معًا مبتعدين عن الجزيرة.
بعد دقائق طويلة، وصلا إلى تجويف صخري مخفي،
كان بداخله قارب صغير بمحرك قديم.
“كنت أعرف أنهم سيأتون.” قال يامن وهو يشغّل المحرك.
نظرت له بحدة:
“من أنت فعلًا؟”
“كنت عضوًا في المنظمة… مثل أخيك.”
تجمدت.
“مستحيل.”
“سليم لم يخبركِ بالحقيقة كاملة.”
شعرت بشيء ينكسر بداخلها.
“كان يحاول الخروج منهم منذ سنوات.
المفاتيح السبعة ليست للسيطرة فقط…
بل لإيقافهم.”
المحرك اشتغل أخيرًا، وانطلق القارب مبتعدًا.
خلفهم، الجزيرة تشتعل.
المدينة تشتعل
عادوا إلى نوران مع غروب الشمس.
لكن المدينة لم تكن كما تركتها.
شاشات الأخبار في الساحات تعرض خبرًا عاجلًا:
“انفجار ضخم في جزيرة النور…
مصادر تؤكد تورط شبكة تهريب دولية.”
تهريب؟
هذا ما يريدون للعالم أن يصدقه.
قال يامن:
“هم دائمًا يصنعون قصة بديلة.”
سارت لارا في الشوارع بحذر.
وفي أحد الأزقة، ظهر فجأة… كريم.
لكن هذه المرة لم يكن وحده.
خلفه أربعة رجال.
قال بصوت منخفض:
“كنت أتمنى ألا تختاري هذا الطريق.”
نظرت إليه بثبات.
“وأنا كنت أتمنى ألا تكون جزءًا منهم.”
اقترب خطوة.
“لارا… أعطيني المفتاح.
ليس من أجلي… بل من أجلك.”
“أخي مات بسببهم.”
صمت لثانية.
ثم قال:
“ليس كل ما رأيته هو الحقيقة.”
وفي اللحظة التي حاولت الرد فيها…
سمعوا صوت إطلاق نار من الجهة الأخرى من الزقاق.
فوضى.
الرجال سقطوا أرضًا.
قناص؟
أمسك كريم بيدها فجأة وسحبها خلف حاوية معدنية.
“هناك طرف ثالث الآن…” همس.
“طرف ثالث؟!”
“نعم. وهناك من يريد المفاتيح لأسباب أخطر بكثير من المنظمة.”
رصاصة اخترقت الحاوية.
الزقاق تحول إلى ساحة حرب.
يامن ظهر من الجهة الأخرى، أطلق نارًا مضادًا، وصرخ:
“تحركوا الآن!”
ركض الثلاثة معًا عبر ممرات ضيقة، يتفادون الرصاص.
دخلوا مبنى قديمًا مهجورًا.
أغلقوا الباب الحديدي خلفهم.
أنفاسهم متقطعة.
نظروا لبعضهم لأول مرة كحلفاء مؤقتين.
قال كريم بصوت منخفض:
“الآن أصبحتِ هدفًا للجميع.”
وضعت لارا يدها على جيبها، تشعر بالمفتاح المعدني.
قالت بهدوء أقوى من خوفها:
“إذن سأسبقهم جميعًا.”
في تلك اللحظة، اهتز المبنى بانفجار قريب.
والجدار خلفهم… بدأ يتشقق.