عبور بلا عودة - الفصل 1 : بداية السقوط - بقلم عبور بلا عودة | روايتك

اسم الرواية: عبور بلا عودة
المؤلف / الكاتب: عبور بلا عودة
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 1 : بداية السقوط

الفصل 1 : بداية السقوط

لم تكن دجى تخاف الظلام...بل كانت تخاف الأحلام. في كل مرة كانت ترى نفس القصر ، بجدرانه السوداء توحي بعمقه ، نوافذ شامخة كأنها تراقبها بصمت. في كل مرة كان هناك صوت ، صوت شاب يناديها باسم لم تعرفه قط . "عودي..." كانت تستيقظ و قلبها ينبض بقوة كأنه سيخترق قفصها الصدري ، يداها ممدودة في الهواء كمن يريد أن يمسك بشيئ يبتعد . في ذلك اليوم لم تكن تبحث عن شيئ، فقط أرادت الهروب من الضجيج ، من المدرسة، من العالم الذي تشعر فيه انها غريبة. دخلت البيت المهجور، كانت قد رأته مئات المرات في طريقها للمدرسة، لكن هذه المرة شعرت انه يناديها . الغبار يملأ الهواء ، الأرضية تصدر صريرا خافتا تحت خطواتها، رفعت رأسها حتى رأتها ، مرآة طويلة منحوته بشكل دقيق و كأنها لوحة هاربة من متحف عتيق ، نظيفة و كأنه لم يمسسها الزمن . اقتربت منها ببطء ، لكن....لم يكن انعكاسها هناك. بدلاً من وجهها، رأت ممراً طويلاً مضاءً بشموع ، و سقفاً عالياً يختفي في الظلام. تراجعت خطوة. المشهد لم يختفِ. مدّت يدها نحو الزجاج…و كان بارد اكثر مما ينبغي ، ثم سمعت الهمسة..."تأخرتِ" سحبت يدها بسرعة، لكن الزجاج لم يكن صلباً. كان مثل سطح ماء ساكن. اهتزت أنفاسها. "هذا مستحيل…" لكن الممر في الداخل بدأ يقترب، كأن المراية لم تعد إطاراً… بل بوابة. في اللحظة التي لامست فيها أطراف أصابعها السطح مرة أخرى، انطفأ الضوء في الغرفة كلها. وشعرت بشيء يجذبها. لم تصرخ. لم تستطع. العالم انقلب. والأرض اختفت من تحت قدميها. — عندما فتحت عينيها، لم يكن هناك غبار… ولا بيت مهجور. كانت مستلقية على أرضية باردة من الرخام الأسود. شموع طويلة تحيط بها. وسقف شاهق يعلوها. لقد كان قصرا..... وفي نهاية القاعة ، كان يقف شاب بملابس داكنة، ينظر إليها كأنه رأى شبحاً. عينيه… كانتا مألوفتين بطريقة مخيفة. همس بصوت بالكاد سمعته: "لقد عادت." وقبل أن تتمكن من الوقوف، دخل الحراس . امسكوها من ياقتها و هي تستنجد و تصرخ على غير العادة . أُغلِق الباب الحديدي خلفها بصوتٍ دوّى في صدرها أكثر مما دوّى في الممر. تردّد الصدى داخل الزنزانة الباردة، ثم سقط الصمت ثقيلاً، كأن الجدران نفسها تراقبها. لم تكن الزنزانة واسعة. حجرٌ رطب، هواء ثقيل، وضوء قمرٍ يتسلّل من نافذة صغيرة عالية، يرسم خطاً باهتاً فوق الأرض. تقدّمت ببطء، تحاول أن تستوعب ما حدث. منذ ساعات فقط كانت في عالمها… والآن هي سجينة في قصر لا تعرفه، بين أناس ينظرون إليها كأنها لعنة. جلست على الأرض، وظهرها إلى الجدار. وحين أغمضت عينيها، شعرت بشيء تحت أصابعها. نقش. فتحت عينيها بسرعة. مرّرت يدها فوق الحجر، لتكتشف رمزاً محفوراً بعمق. قلبها تسارع. لقد رأت هذا الرمز من قبل… في المرآة التي قادتها إلى هنا. وضعت كفّها عليه بتردد. وفجأة، بدأ الرمز يضيء… نفس الضوء الخافت الذي خرج من المرآة. ارتجفت وسحبت يدها، لكن الضوء لم ينطفئ. بل امتدّ كخيطٍ رفيع نحو الباب الحديدي، كأنه يدلّها على شيء. في تلك اللحظة، توقفت خطوات خلف الباب. صوت مفاتيح… ثم سكون. انفتح شقّ صغير في الباب، وظهر ظلّ حارس. لم تستطع رؤية وجهه جيداً، لكن صوته كان منخفضاً وغريباً: "لم تُسجني لأنك مذنبة… بل لأنك المفتاح." قبل أن تسأله، أُغلق الشقّ مجدداً. لكن… المفتاح بقي في القفل. تقدّمت ببطء، قلبها يخفق بعنف. أمسكت المفتاح… وأدارته. صوت القفل كان أشبه بتحرّر روح. خرجت إلى الممر، الذي كان خالياً على غير العادة. أمامها، في نهاية الرواق، بابان متقابلان. الأول من حديدٍ أسود، تعلوه سلاسل صدئة، وكأن شيئاً داخله لا يجب أن يُطلَق. الثاني من خشب داكن، محفور عليه نفس الرمز المتوهّج في زنزانتها. وقفت بينهما، أنفاسها متسارعة. من خلف الباب الحديدي، تسلّل صوت خافت… كأنه أنين بعيد. أما من الباب الخشبي… فجاء همس. همس باسمها. ارتجفت. لكن قدميها تحرّكتا نحو الباب الخشبي، كأن قوة غير مرئية تدفعها. لمّا وضعَت يدها على المقبض، انفتح من تلقاء نفسه. لم تجد قاعة خلفه… بل ممراً ضيقاً داخل الجدار، تضيئه شموع مشتعلة رغم عدم وجود أحد. كان الهواء داخله أدفأ، كأنه يعرفها. مشت فيه دون أن تفكّر، حتى انتهى فجأة. وخرجت إلى مكانٍ شاسع. مكتبة. سقفها مرتفع حتى الظلام، ورفوفها تمتد بلا نهاية. كتبٌ قديمة، جلدٌ أسود، أوراق صفراء. الغبار يرقص في الضوء الخافت. ثم… تحرّك شيء. كتاب سقط من أعلى رف، كأنه دُفع بيدٍ خفية، وارتطم بالأرض أمامها. تقدّمت بخطوات مرتجفة. انحنت… ورفعته. تجمّد الدم في عروقها. العنوان… لم يكن اسماً لمملكة، ولا تاريخاً قديماً. كان اسمها. وفي آخر صفحة… جملة واحدة تنتظرها. "إنك سوف تموتين… لكن قبل ذلك، ستعرفين الحقيقة." ارتعشت يداها، لكنها كانت تعرف في أعماقها شيئاً واحداً فقط— لم تكن هذه صدفة...بل كانت البداية.