الفصل الحادي والثلاثين
أوضة رنيم.. كانت رايحة جاية زي النمر المحبوس، الموبايل في إيدها وكل شوية تبص في الشاشة لحد ما أخيراً رن. مكنتش محتاجة تبص على الاسم، فتحت الخط فوراً وصوتها طلع مخنوق بالعياط والعصبيةواللوم
"أيوة يا مروان! لسه فاكر؟ بقالي كام ساعة برن وببعت وإنت ولا إنت هنا.. إيه، مكنتش فاضي؟ ولا نسيت إن فيه حد هنا هيموت من القلق ومحتاج بس يسمع صوتك يطمن إنك جنبه؟"
مروان على الناحية التانية كان صوته تقيل ومجهد، خد نفس طويل وقال بهدوء يحاول يمتص غضبها
"رنيم.. حبيبتي اهدي، والله العظيم ما سبت الموبايل بمزاجي، أنا بس كنت.. كنت محتاج أفصل شوية، اليوم و كأنه جبل وشلته على كتافي."
رنيم قعدت على طرف السرير وصوتها هدي شوية بس لسه فيه رنة الوجع
"أنا مش عايزة خناق يا مروان، أنا بس كنت عايزة أسمع صوتك.. رزان قالت لي إنك تعبت اوي النهاردة، وإنك حاولت تتكلم مع ابيه بس هو قفل كل الأبواب وعاند تاني.. قولي إنك لسه عندك أمل، قولي إننا هنعدي ده سوا."
مروان كان قلبه بيتقطع وهو سامع نبرة الأمل والضعف في صوتها، كان نفسه يطمنها بس القرار اللي فضل يطبخه في دماغه طول اليوم كان لازم يتقال. نادى عليها بصوت واطي
"رنيم.."
هي ابتسمت غصب عنها، كأنها شايفاه قدامها
"نعم يا حبيبي؟"
مروان غمض عينيه وقال الجملة اللي هدت كل حاجة "رنيم.. إحنا مش هنكلم بعض الفترة دي خالص.. مفيش مكالمات ولا رسايل، على الأقل لحد ما الدنيا تهدا."
رنيم ابتسامتها اختفت فوراً، وملامحها اتصلبت بعدم فهم "إيه؟ إنت بتقول إيه يا مروان؟ "
وكملت
"إنت.. إنت بتسيبني؟ بتهرب؟"
مروان نفي بسرعة و صدق
"أبداً! والله ما بسيبك ولا عمري هسيبك، بس مراد طلب مني ده.. طلب إننا م نتكلمش من ورا ضهره، وأنا لازم أنفذ يا رنيم.. لازم أعمل كدة."
رنيم قامت وقفت تاني وصوتها علي
"تنفذ؟ إنت بتهزر صح؟ ابيه يطلب وإنت تنفذ؟ "
مروان حاول يكون منطقي وهادي
"افهمي يا رنيم! أنا إزاي هروح أقنع أخوكي إننا نستحق فرصة وإنا مناسبين لبعض، وأنا أصلاً بكسر كلمته وبعانده من ورا ضهره؟ لو عايز آخدك بجد وبكرامتك، لازم أثبت له إني بحترم البيت اللي هخرجك منه.. الصبر هو الحل الوحيد دلوقتي."
رنيم ضحكت بمرارة وسخرية
"صبر؟ لا يا مروان، قولي الحقيقة.. قول إنك خايف تخسر صاحبك، قول إن ابيه عندك أهم مني! إنت بتضحي بيا وبمشاعري عشان ترضي غروره وعناده.. إنت بتختار السهل!"
مروان بدأ يفقد أعصابه هو كمان
"مش بختار السهل يا رنيم! أنا بختار الطريق اللي يخلينا نتجوز وإحنا رافعين راسنا، مش مطاطيين لأخوكي.. بطلي تشوفي الموضوع من ناحيتك وبس!"
رنيم صرخت في الموبايل
"تمام يا مروان! نفذ أوامر 'الباشا'، واقفل السكة ومتكلمنيش.. بس متبقاش ترجع تندم لما تلاقي إن اللي بتعمله ده هو اللي هيهد كل حاجة بينا فعلاً!"
ورزعت السماعة في وشه، ورمت الموبايل على السرير وقعدت تعيط بقهره، وهي حاسة إن مراد نجح فعلاً في إنه يفرقهم، وبمساعدة مروان نفسه.
______
في نص الليل، السكون كان مالي الأوضة، بس رزان كانت في عالم تاني من الوجع. عمالة تتقلب يمين وشمال، تمسك المخدة وتضغط عليها بكل قوتها وبعدين تسيبها بزهق.. الألم كان فظيع، مغص في بطنها مع وجع مِسمّع في أسفل ظهرها، لدرجة إن النوم بقى حلم بعيد.
قعدت بتعب وهي بتنهج نهجان خفيف، وبدأت تدور بإيدها في درج الكومودينو بهدوء عشان متصحيهوش، كانت بتدور على أي مسكن يخفف النار دي. بصت ناحية الكنبة بطرف عينها، كان مراد متسطح ومديها ضهره، همست بغل مكتوم
"نام يا سيدي نام.. ما طبعاً تنام، وقهر القلب والوجع وكل التعب ده ملوش غيري أنا."
فضلت تخبط في الظلمة لحد ما قررت تدور على موبايلها عشان تفتح الكشاف، بس قبل ما صباعها يلمس الموبايل، النور ملى الأوضة فجأة. رزان اتنفضت بدهشة وبصت وراها لقت مراد واقف عند مفتاح النور، وشه كان خالي من التعبيرات ومطفي كأنه مكنش نايم أصلاً.
مراد متكلمش ولا نطق بحرف، فضل واقف مستنيها لما تطلع الدوا وتشربه، وعينه عليها بجمود لحد ما خلصت، وبعدها طفى النور ورجع مكانه في صمت.
رزان اتغطت وحاولت تنام، بس الوجع كان أقوى من المسكن، بدأت تطلع منها أنات مكتومة غصب عنها. فجأة، حست بحركة في الأوضة، والكنبة "زيقت".. ثواني ولقت مراد ساب مكانه وجه وقف جنب السرير. هي اتنفضت بتوتر، بس هو مال عليها وهمس بصوت دافي ورخيم خلى جسمها كله يهدى
"شششش.. اهدي خالص."
قعد على طرف السرير وسألها بهدوء
"الوجع فين بالظبط؟"
رزان شاورت بإيدها المرتعشة على بطنها من غير ما تنطق. مراد مد إيده ببطء، وبدأ يعمل لها "مساج" بحركات دائرية هادية ومنتظمة بأصابعه القوية على منطقة الوجع. وبعد دقايق سألها بصوت واطي
"كدة مريحك ؟"
رزان أومأت براسها وهي مغمضة عينيها. الحقيقة إنها من أول ما صوابعه لمستها، حست إن الوجع بدأ يهرب، ودابت تماماً في لمسته اللي كانت محتاجاها أكتر من الدوا، بس طبعاً كبريائها منعها تعترف، وحاولت تفضل ثابتة على موقفها إنها لسه زعلانة ومنشفة دماغها.
ده هي لسة قايلة انه هي مش بتاعه!
مراد كمل وهو لسه مستمر في الحركة الهادية دي
"غمضي عيونك وحاولي تنامي."
رزان سألته بصوت مجهد وغصب عنها
"إنت.. إنت هتفضل تعمل كدة لحد ما أنام؟"
رد عليها بكلمة واحدة وهو باصص لملامحها اللي بدأت ترتخي
"نامي يا رزان.. نامي وخلاص."
عدت دقايق، ورزان بدأت تحس بسلطان النوم بيمتلكها، خلاص مبقتش قادرة تقاوم لا الوجع ولا الراحة اللي حساها في إيده. همست بتعب وصوت يكاد يكون مسموع
"مراد.. تعال نام على السرير.. بلاش بهدلة الكنبة دي."
مراد رفع حاجبه بابتسامة سخرية خفية، وكأنها "أعطته الإذن" يرجع لمكانه. بس لما سمع أنفاسها انتظمت، وحس بإيدها بتضغط بتلقائية على إيده اللي لسه على بطنها وكأنها بتثبته عشان ميمشيش، وشه هدي وارتاح تماماً.
اتسحب بهدوء واتسطح جنبها، غطاها كويس وشد اللحاف عليهم هما الاتنين، وخدها في حضنه ودفن وشه في رقبتها.. استنشق ريحتها بتملك وهو بيغمض عينه بسلام، وكأنه بيقول لنفسه إنه مهما عاند أو زعل هي في الآخر اتملكته وهو اللي بقا بتاعها بجد!
______
صحيت رزان والضوء خفيف داخل من ورا الستارة، حست بدفء غريب محاوطها من كل ناحية، وكأنها مستخبية في حضن أمان حقيقي. أول ما فتحت عينيها، لقت وش مراد قدامها مباشرة.. كان نايم بملامح هادية جداً، شعره الأسود كان منكوش بجمال وعشوائية على جبهته، ورموشه الكثيفة كانت واضحة وهو مغمض عينيه. أنفاسه كانت منتظمة وهادية، وبتحس بحرارتها على وشها، وده خلاها تبتسم ابتسامة نعسانة كلها حنية.
حست في اللحظة دي بامتنان ملوش حدود؛ افتكرت إزاي سهر جنبها طول الليل، وإزاي إيده مفارقتش مكان الوجع لحد ما نامت وهي مرتاحة.
فجأة، مراد فتح عينيه ببطء.. عيونه كانت لسه غرقانة في النوم، وأول ما جات في عيونها، رزان اتوترت وحاولت تهرب بنظراتها بعيد بكسوف، لكن هو كان أسرع؛ بسحبة خفيفة وتملك، قربها منه أكتر لدرجة إن مفيش مسافة بينهم.
صوته طلع "مبحوح" ورخيم جداً، النبرة اللي بتبقى بعد الصحبان دي واللي رزان بتعشقها، وقال لها بجدية وصدق
"صباح الخير .. قوليلي، لسه في وجع؟"
رزان هزت راسها بـ "لا" وهي لسه مكسوفة، فكمل مراد وهو باصص في عينيها بعمق
"رزان.. أنا مش عايز نفضل زعلانين كدة. إحنا إمبارح سمعنا كلام لبعض يوجع، وأنا عارف إني غلطت.. حقك عليا. بوعدك إني مش هستخف بغيرتك ولا هقول كلمة 'سخيفة' دي تاني أبداً.. أنا بس مكنتش عايز أشوفك متضايقة."
رزان اتفاجئت بجديته واعترافه بالغلط، وده خلى كل حواجز العناد اللي عندها تتهد في ثانية. أومأت براسها بموافقة، فمراد قربها أكتر ودفن وشه في شعرها وهو بيمسح عليه بحنان وقال
"إنتي عارفة إنك عندي بالدنيا كلها، ومش عايز أي حاجة تعكر صفونا.. خلاص بقى؟"
رزان مكنتش قادرة تقاوم الحنية دي، همست بصوت واطي ومليان ندم
"أنا كمان آسفة يا مراد.. أنا اللي ضغطت عليك بكلمة 'بديلة' دي.. أنا بس بخاف أخسرك."
مراد باس راسها وقفل على الموضوع بحضن دافي، وكأنهم بيبدأوا صفحة جديدة، غسلوا فيها كل وجع إمبارح.
_______
رنيم صحيت الصبح ووشها كان زي الورقة، شاحب وهالات السواد تحت عينيها فضحاها إنها منامتش دقيقة واحدة. قعدت على السرير تعيط بصمت وهي بتفتكر كلام مروان.. مكنتش قادرة تقتنع بمبرراته، كانت شايفة إن "صاحبه" غلب على "حبيبته"، وإنه اختار الطريق السهل وسابها لوحدها في نص المعركة.
قامت بتقل، كانت حاسة إن جسمها متكسر وحرارتها عالية، بس قررت تروح الجامعة هرباً من البيت والخنقة. وقفت قدام المراية، غطت الهالات دي بطبقات مكياج عشان تداري الوجع، ولبست هدومها وطلعت.
تحت في الصالة، آسيا كانت حاطة الفطار، وأول ما شافت رنيم نازلة قالت لها بلوم
"تعالي يا بنتي افطري لقمة تسندك.. مش لازم تسيبي أكلك عشان خاطر خناقة مع أخوكي."
رنيم ردت بصوت مبحوح ومن غير ما تبص لها
"مش قادرة يا ماما، بجد ماليش نفس لأي حاجة." وفجأة سمعت خطوات رجلين حازمة ومألوفة جداً على السلم، عرفت إن مراد نزل. بصت لمامتها وقالت بصوت مسموع وبارد
"على فكرة يا ماما.. مفيش داعي للقلق، خلاص.. أنا ومروان سيبنا بعض، أو بالأصح 'هو' اللي قرر يسيبني."
آسيا شهقت بصدمة
"بتقولي إيه يا بنتي؟ سيبتوا بعض؟" وفي اللحظة دي انتبهت لمراد اللي وقف مكانه على السلم.
رنيم كملت وهي بتبتسم بسخرية تقطع القلب
"أيوة يا ماما.. مش هو ده اللي كان مراد باشا عايزه؟ مش ده اللي كان بيخطط له بعناده؟ أهو نجح.. مروان طلع بيخاف على زعله أكتر ما بيخاف على كسرة قلبي.. مبروك عليه الانتصار."
آسيا نغزتها في كتفها عشان تسكت لأن مراد وراها، بس رنيم متهزتش ولا خافت، لفت ببرود ووقفت قدام مراد وجهاً لوجه، وقالت له وهي بتبص في عينيه بقوة
"ارتاح بقى يا ابيه.. خلاص مفيش مروان، البيت رجع 'نضيف' من وجوده.. ارتاح في كرسيك وأنت شايفني بدبل قدامك."
مراد رد بصوت صارم ووش خالي من التعبيرات
"رنيم، احترمي نفسك وأنتي بتتكلمي معايا، وما تدخليش مروان في جملة تانية."
في اللحظة دي رزان كانت نزلت ووقفت تراقب من بعيد بخوف، حست إن الجو مكهرب. رنيم انفجرت فجأة في وش مراد
"أحترم نفسي؟ إنت اللي سرقت مني سعادتي! إنت اللي وقفت في طريقي لمجرد إنك عايز تمشي كلمتك! إنت مش أخ.. إنت سجان!"
مراد صرخ فيها
"أنا بعمل كدة عشان أحميكي! عشان أفهمك إن اللي بيبدأ بالسر مابيكملش!"
رنيم لسه كانت هتفتح بقها ترد، بس فجأة سكتت.. ملامحها اتغيرت، وبدأت ترمش بعينيها بسرعة، الدنيا بدأت تسود حواليها وصوت اخوها بدأ يبعد وكأنه جاي من نفق طويل. حست بدوار فظيع، وإيدها سابت الشنطة اللي كانت ماسكاها.
"رنيم؟ رنيم!" صرخ مراد وهو بيشوف جسمها بيترمي لورا.
مراد كان أسرع من الجاذبية، اتلقاها في حضنه قبل ما تلمس الأرض. شالها بين إيديه بخوف رعب حقيقي، ونادى بصوت زلزل البيت
"رنيم! ردي عليا!"
آسيا جريت وهي بتصوت
"بنتي! يا لهوي يا بنتي!" وبدأت تنادي على الشغالة "زهور" تطلب الدكتور فوراً، ورزان قربت وهي بتترعش وبتحط إيدها على راس رنيم
"مراد، البنت سخنة نار! جسمها بيولع!"
مراد محسبش ثواني، حمل أخته الصغيرة بين إيديه، راسها كانت ساندة على كتفه بضعف تام، وطلع بيها السلم جري لأوضتها. وهو شايلها، كان حاسس بحرارة جسمها بتخترق قميصه، وقلبه كان بيدق بعنف.. في اللحظة دي مكنش المدير الصارم ولا الأخ العنيد، كان مجرد أخ خايف يفقد حتة من روحه بسبب كلمة أو موقف.
____
الدكتور خلص كشفه وخرج من الأوضة وهو بيلم سماعته، وآسيا ومراد كانوا واقفين على أعصابهم مستنيين كلمة منه. الدكتور بص لهم بطمأنة وقال
"اطمنوا يا جماعة، هي حالة إرهاق شديدة مع ضغط عصبي وذهني واضح إنه مأثر عليها، وده اللي سبب الهبوط المفاجئ وارتفاع الحرارة. هي محتاجة راحة تامة، ومحتاجة تبعد عن أي توتر أو ضغط نفسي اليومين دول، وأنا كتبت لها على محاليل وفيتامينات وخوافض حرارة وهتبقى زي الفل."
آسيا اتنهدت براحة وهي بتمسح دموعها، ومراد هز راسه بشكر للدكتور، بس ملامحه لسه كانت شايلة هم كبير.
بعد ما الدكتور مشي، مراد قرر يدخل لأخته. فتح الباب ببطء وهدوء كأنه خايف يكسر السكون اللي في الأوضة. قرب من السرير وقعد على طرفه وبدأ يبصلها بصمت طويل.
كانت نظرات مراد مزيج غريب؛ فيها "ندم" داري، و"خوف" أخ على حتة من روحه، و"عتاب" لنفسه إنه وصلها للحالة دي. شاف وشها الشاحب، وملامحها اللي كانت دايماً بتنور بالضحك وهي دلوقتي مطفية، فقلبه وجعه. مد إيده بتردد وحنية، وبدأ يمسح على شعرها بلمسات رقيقة اوي، وكأنه بيعتذر لها بطريقته الخاصة عن كل القسوة اللي شافتها منه.
قبل ما يخرج، مال عليها وطبع قبلة خفيفة ودافية على جبهتها، وغمض عينيه ثانية كأنه بيستمد منها القوة، وبعدين قام وخرج من الأوضة من غير ولا كلمة.
أول ما الباب اتقفل، رنيم فتحت عينيها ببطء. هي كانت حاسة بكل حركة، حاسة بلمسات إيده، وحاسة ببوسته اللي رجعت لها حتة من ذكريات زمان لما كان هو أمانها الوحيد.
عينيها دمعت بشوق مرعب لأخوها الحنين، الأخ اللي كانت بتجري تترمى في حضنه لما تقع، مش الأخ اللي بقت بتتخانق معاه على كل حاجة .
اتقلبت على جنبها وتكورت على نفسها زي الجنين، وضمت اللحاف لصدرها وهي مش فاهمة إزاي الدنيا اتلخبطت كدة، وإزاي الحب اللي بينهم اتحول لحرب بتكسر فيهم هما الاتنين. نزلت دمعة سخنة من عينيها، غرقت المخدة في صمت، وهي بتهمس في سرها باسم "مراد" وباسم "مروان" بوجع ملوش آخر.
______
مراد كان واقف في الصالة، مفاتيح عربيتُه في إيده بس عينيه مش مفارقة باب أوضة رنيم اللي فوق. كان متلخبط، ولأول مرة "مراد شاكر" مش عارف ياخد قرار. للحظة قرر إنه مش هينزل، قال بصوت مخنوق
"أنا مش هنزل الشركة اليوم "
رزان قربت منه وطبطبت على كتفه بتفهم، وطلعت موبايلها
تراجع نسخة جدول أعماله
"ولا يهمك يا حبيبي، أنا راجعت الجدول، النهاردة مفيش اجتماعات مصيرية، وأنا وبشرى هندبر كل حاجة من هناك، خليك إنت جنبها."
بس "آسيا" تدخلت بحنان الأم وحزمها
"لا يا مراد، انزل شغلك يا حبيبي وشوف مصالحك. أنا هنا معاها، وزهور مش هنسيبها لحظة، والدكتور طمنا إنه مجرد شوية إرهاق. روح إنت ومتشغلش بالك، البيت في عيني."
وفي النهاية، مراد استسلم لكلام أمه، بس وهو خارج كان بيوصي ميت وصية
"يا أمي بالله عليكي، هتصل بيكو كل ساعة.. والأكل والدوا في مواعيدهم بالثانية، لو حصل أي حاجة كلموني فوراً."
وأخد رزان من إيدها وركبوا العربية. رزان كانت قاعدة جنبه بتراقبه في صمت؛ مراد كان سايق وعينيه مركزة على الطريق، بس القلق كان واكل ملامحه، وعينيه فيها "لمعة" لوم لنفسه، وكأنه شايف إنه هو اللي وصل أخته الصغيرة للسرير ده.
فجأة، رزان قالت بصوت هادي وبقوة
"مراد.. وقف العربية هنا."
مراد بصلها بدهشة وفرمل فجأة
"في إيه يا رزان؟ تعبانة؟ حاسة بمغص تاني؟"
رزان هزت راسها بـ "لا"، وأكدت عليه
"وقفها بس يا مراد."
أول ما ركن على جنب، اتفاجئ بيها بتميل عليه وبتحضنه بقوة، لفت دراعاتها حوالين رقبته ودفنت وشها في كتفه وهي بتمسح على ظهره بحنان كأنها بتهدّي طفل صغير.
مراد اتجمد لثواني، ونادى على اسمها باستغراب
"رزان؟"..
بس الاستغراب ده في ثانية اتحول لراحة تامة، وجسمه اللي كان مشدود زي الوتر بدأ يرتخي، واستسلم لحضنها وكأنه كان محتاج "الخبأة" دي عشان يتعرى من مشاعره اللي بيحاول يداريها ورا قناع القوة.
رزان همست في ودنه وصوتها كله حنية
"هدي نفسك يا مراد.. إنت مش وحش، وإنت مش سجان زي ما هي قالت.. إنت أخ، وخوفك ده طبيعي لأنك بتحبها. رنيم هتخف وهتبقوا كويسين، والوجع اللي إنت حاسس بيه دلوقتي ده دليل على إن قلبك لسه أبيض وأنضف مما إنت متخيل. متبقاش قاسي على نفسك يا حبيبي، إنت شايل شيلة جبال، ومسموح لك إنك تضعف أو تقلق.. أنا جنبك، ومش هسيبك تشيل الهم ده لوحدك."
مراد غمض عينيه وسند راسه على كتفها، وأخد نفس عميق كأنه كان غرقان وبدأ يتنفس.. كلام رزان كان زي "البلسم" اللي برد النار اللي جواه، وخلّاه يحس إن فيه حد فاهمه بجد، مش بس شايفه "المدير" أو "الأخ الكبير"، لا.. شايفه "الإنسان" اللي خايف على بيته.
______
بعدت رزان عنه وهي بتبص في عينيه بعمق، مراد مد إيده ومسك ذقنها بحنية وطبع بوسة طويلة ودافية على راسها، رزان غمضت عينيها وهي مرسومة على وشها ابتسامة هادية صفت كل اللي جواها.
سألته بصوت واطي
"بقيت كويس دلوقتي؟"
مراد ابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة من الصبح، ورد عليها وهو لسه ساند جبهته على جبهتها
"هو فيه حد ياخد حضن زي ده ويبطل يحس بوجع ويقول لأ؟ ده أنا رجعتلي روحي يا روحي"
رزان ابتسامتها وسعت، ومراد دور العربية وكمل سواقة، بس المرة دي كان ماسك إيدها بإيده التانية طول الطريق، كأنه بيستمد منها القوة اللي تخليه يواجه اليوم ده.
وصلوا الشركة، سلموا على بشرى اللي كانت ملاحظة الهدوء الغريب اللي عليهم، ودخل مراد مكتبه، ورزان راحت مكتبها.. قلعت الجاكيت وبدأت تعدل شعرها قدام المراية، بس فكرة رنيم كانت واكلة دماغها. رزان كانت عارفة إنها بتلعب بالنار، بس مقدرتش تسكت، طلعت موبايلها وبعتت رسالة لمروان
"رنيم تعبانة أوي يا مروان.. الدكتور كان عندنا في البيت الصبح."
مروان شاف الرسالة، قلبه اتنفض من مكانه، بس مردش.. مش قسوة منه، لكن لأنه كان في حالة غليان. في نفس اللحظة دي، مراد في مكتبه كان قاعد قدام اللاب توب، بس مش شايف حرف من اللي مكتوب، باله كله مع رنيم. قام مرة واحدة وسحب مفاتيحه وطلع من المكتب بسرعة البرق وبشرى بتبصله بذهول.
أما في الفيلا، رنيم كانت مرمية على السرير، الموبايل في إيدها وكل شوية مروان يتصل.. كانت بتبص لاسمه بدموع محبوسة ووجع، وكل ما يرن تكنسل عليه بمرارة. كانت بتقول لنفسها
"مش إنت اللي قولت نسيب بعض؟ مش إنت اللي قولت لازم نقنع أخويا وإحنا بعاد؟ خلاص.. اتحمل بقى البعد اللي اخترته." وفي لحظة غضب ويأس، قفلت الموبايل خالص ورمته بعيد عنها.
مروان لما لقى الموبايل اتقفل، عقله طار.. مكنش شايف قدامه غير صورة رنيم وهي تعبانة. ركب عربيته وطار بيها على الفيلا، مكنش فارق معاه مراد ولا فارق معاه الوعد اللي قطعه على نفسه.. هو بس عايز يطمن على روحه اللي بتتسحب منه.
وصل قدام الفيلا، فرمل العربية بقوة خلت الكاوتش يصرخ على الأرض، ونزل عمل "هجوم" حقيقي.. دخل من البوابة الكبيرة وهو بيجري، آسيا كانت واقفة في الصالة واتخضت من دخوله المفاجئ ووشه اللي كان لونه مخطوف.
"رنيم فين يا طنط؟ رنيم جرالها إيه؟" مروان كان بينهج وكأنه كان بيجري ماراثون.
آسيا لسه هترد وتقوله "اهدى يا ابني"، مروان مسماهاش، وطلع السلم بجرأة وتحدي لكل القواعد، ووصل لأوضة رنيم وفتح الباب مرة واحدة..
رنيم اتنفضت من مكانها وهي بتبص للباب بذهول "مروان؟!"