الضلال تتجمع -1-
المدينة لم تعد كما كانت، الأنقاض كانت تتنفس، والجدران المتهالكة كأنها تهمس بأصوات المفقودين.
إميرابث تمشي بين الشوارع، عيونها تتوهج باللون الأخضر الزمردي، يديها لا تلمس سوى الهواء، لكنها تشعر بالحرارة التي تتدفق في جسدها، سحرها الذي أصبح أكثر قوة بعد سقوط المعتصم.
لم يعد قلبها مجرد مكان للحب، بل ساحة حرب بين الغضب واللوعة، بين الحزن والرغبة في الانتقام.
كل زاوية من المدينة كانت تحمل ذكرى، كل شارع يعكس صورة من ماضيها، وكل نافذة تذكرها بما فقدت.
"لن أعطي أحداً فرصة للتحكم بي بعد الآن…" همست لإيميرابث نفسها، صوتها صار كالجلد الممزق على الرخام،
كل كلمة خرجت من فمها كانت كتعويذة، كأن الهواء نفسه يستجيب لإرادتها.
لكن العالم لم يرحم أحداً، والظلال بدأت تتحرك.
من بعيد، كان هناك من يراقبها، عيون غير مألوفة، قلبها شعر بها قبل أن تراها.
ابن السيد بلاند… الرجل الذي ستتزوج به يوماً، لم يكن مجرد ولي أمر أو حليف للطبقة الغنية…
كان يمتلك القوة التي يمكن أن تضيفها إلى سحرها، القوة التي تجعلها أكثر سيطرة وأكثر رعباً.
اقترب منها ببطء، خطوة بعد خطوة، حتى كانت على بعد أمتار قليلة،
أحسّت بإشعاع غامض حوله، لم يكن مجرد بشر… كانت قوته تتنفس، تتحدى أي قوة في المدينة.
"إيميرابث…" قال بصوت هادئ، لكنه يحمل قوة تجعل الهواء يثقل من حولهما.
هي توقفت، قلبها ينبض، لكن ليس خوفاً… بل توقعاً لما ستصبح عليه الأمور.
"لقد علمت بما حدث…" قالت، صوتها مزيج بين الغضب والبرد والندم.
ابتسم هو ابتسامة باردة، عابرة، لكنه كان يعرف أنه بإمكانه السيطرة على عقلها إن لم تتحكم في قوتها.
"وأنا أستطيع مساعدتك…" قال بصوت منخفض، "لكن الثمن… الثمن سيكون غالياً."
إيميرابث شعرت بالجرس الداخلي، بالتحذير… لكنها لم تهرب.
لم يعد لديها شيء لتخسره، وكل شيء يمكن أن يكون سلاحاً.
في تلك اللحظة، بدأت المدينة تتغير.
ظلال تتحرك في الأزقة، أصوات مكتومة من تحت الأرض، وجماجم ضحايا الماضي تظهر على الأسطح المتهالكة، كأنها تحذر من القادم.
إيميرابث رفعت يدها، سحرها يتدفق، كأن كل الألم، كل الخيانة، كل الحب المفقود، أصبح وقوداً للقدرة التي تمتلكها.
ابن السيد بلاند ابتسم، وعيونه تتوهج باللون الرمادي القاتم، كما لو أنه يقرأ كل فكرة، كل رغبة، كل خوف داخل عقلها.
"ستحتاجين إليّ… ولن يكون هناك مجال للعودة."
إيميرابث شعرت بانقباض قلبها، لكنها أدركت شيئاً وحيداً:
في عالم خيانة المعتصم، وحبها المدمر له، وحرب المدينة التي بدأت تتحرك تحت الأقدام،
لن يكون هناك مكان للأمان… ولن يكون هناك حلفاء إلا من تضع حياتها في أيديهم،
لكن حتى الحلفاء… يمكن أن يصبحوا أعداء في لحظة.
المدينة تنهض في الظلام، وبدأت أصوات الحرب الأولى تصل من الأطراف،
إيميرابث تعلم أن القادم أكثر دمراً من أي شيء واجهته،
وأن ابن السيد بلاند، بالقوة التي يحملها، سيكون مفتاح حياتها… أو مفتاح هلاكها.
الظلال كانت تتجمع حولها، والليل لم يكن سوى بداية لعالم لم يعرف الرحمة،
عالم حيث الحب أصبح خيانة، والخيانة أصبحت سلاحاً،
والسحر… أصبح كل شيء.