ظل الماضي - الفصل الخامس – خيوط الظل - بقلم هند الصالحي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: ظل الماضي
المؤلف / الكاتب: هند الصالحي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس – خيوط الظل

الفصل الخامس – خيوط الظل

الليل حلّ على المدينة، وأزقتها القديمة تكتسي بعباءة من الظلال. فيكتوريا لم تغادر غرفتها طوال النهار، كانت تراجع دفاترها، كل دفتر يحمل تلميحات غريبة عن الماضي، عن أشخاص لم تعد تتذكرهم بوضوح، وعن خيوط سرية تنتظر من يفك شيفرتها. قررت فيكتوريا أن تخرج في ساعة متأخرة، رغبة منها في مواجهة ما يختبئ في الظلام، أو على الأقل معرفة من يراقبها منذ أيام. كانت الحجارة تحت أقدامها باردة، والرياح تعصف بخفة، تحمل معها أصوات خافتة لا تستطيع تفسيرها. بين الأزقة، لمحت الشخص الغامض يقف في الظل، يراقبها بصمت. هذه المرة لم تشعر بالخوف فقط، بل بشعور غريب من الفضول؛ شعور بأن هذه المرة لن يهرب. اقتربت منه خطوة خطوة، ثم قالت بصوت متردد: – من أنت؟ ولماذا تلاحقني؟ ابتسم الشاب ابتسامة قصيرة، وقال: – هناك أشياء يجب أن تعرفيها، أشياء مرتبطة بماضيك أكثر مما تتصورين. ترددت فيكتوريا للحظة، ثم ضغطت على يدها لتثبت شجاعتها، وقالت: – حسناً… سأعرف الحقيقة مهما كانت صعبة. أخذها إلى زقاق مهجور، حيث كانت هناك أبواب خشبية مغلقة، وجدران مغطاة بالغبار، لكن في الداخل، كان هناك دفتر قديم وعلب صغيرة تحمل وثائق وأوراقًا بالية. – كل شيء هنا مرتبط بمن تحاولين العثور عليه… الجاني، همس الشاب، كل شيء في المدينة له صلة بماضيك. بدأت فيكتوريا تقلب الأوراق، وكل صفحة كانت تكشف جزءًا من الأسرار: أسماء، تواريخ، أماكن، وجوه يعرفها أحدهم أو تلمح إليها ذكرياتها البعيدة. شعرت بالقشعريرة تتسرب إلى عمقها، لكنها لم تتوقف. كل شيء كان يشير إلى أن الجاني لم يكن غريبًا عن المدينة، بل كان جزءًا من حياتها، جزءًا مخفيًا تحت طبقات الزمن والصمت. ثم، لاحظت صورة صغيرة مخفية بين الأوراق: وجه شخص بدا مألوفًا، لكنها لم تستطع تحديده مباشرة. قلبها خفق بشدة؛ شعرت بأن هذا هو مفتاح كل اللغز، مفتاح يربط بين الظلال والماضي، بين المدينة والليالي التي حاولت نسيانها. – الآن تعرفين، قالت، همس الشاب، لكنه لم يكمل، كأن هناك شيئًا أخفى عنه. في تلك اللحظة، بدأت أصوات من الخارج، خطوات تقترب بسرعة. ظلّ يطل من الزقاق، ثم اختفى، تاركًا فيكتوريا في صمت خافت، ينبعث منه إحساس بالخطورة. شعرت أن المدينة نفسها تعاقبها على فضولها، لكنها لم تتراجع، بل شعرت بقوة غريبة تنبع من داخلها: قوة مواجهة الحقيقة مهما بلغت مرارتها. جلست على الأرض، دفاترها أمامها، الصور والأوراق تنتظر أن تُحل شفراتها. أدركت أن الأسرار ليست فقط عن المدينة، بل عن حياتها، عن من حولها، عن شخصيات ظنّت أنها تعرفها. كل شيء أصبح متشابكًا: الماضي، الحاضر، وأشباح الأسرار التي كانت مدفونة منذ عقود. في تلك الليلة، عرفت فيكتوريا شيئًا واحدًا: رحلة كشف الأسرار لم تعد مجرد فضول، بل أصبحت مصيرًا، وأن الظلال التي لاحقتها طوال الأسابيع لم تكن مجرد خيال، بل رسائل من الماضي، تنتظر من يجرؤ على مواجهتها، لتكشف له عن الجاني، عن المدينة، وعن نفسها في الوقت ذاته.