الفصل الأول – ظل المدينة
في أزقة المدينة العتيقة، حيث كانت الحجارة الرطبة تحت أقدامها تصدر صدى خفيفًا مع كل خطوة، تقدمت فيكتوريا بخطى متأنية. الستينات كانت حاضرة في كل شيء حولها: العربات القديمة تصدح بأصوات محركاتها البطيئة، والمصابيح التي تضيء الشوارع بخيوط صفراء باهتة، تضيف للمدينة هالة من الغموض.
لم تكن فيكتوريا متجهة إلى مكان محدد، لكنها شعرت بأن المدينة تقودها، وكأن كل زاوية وكل نافذة تحمل رسالة لم تصل إليها بعد. الريح كانت تعصف بخفة، تحمل معها روائح الخبز الطازج من المخابز المجاورة، وأوراق الأشجار المتساقطة من الشجر العاري تتراقص في الهواء كأنها تحاول لفت انتباهها إلى شيء مخفي.
على الرصيف المقابل، لاحظت رجلًا واقفًا بجوار نافذة مظللة، يتأملها بعيون غامضة قبل أن يختفي بسرعة بين الزقاق. قلبها خفق بقوة، لكنها حاولت أن تتجاهل الشعور الغريب الذي دبّ في صدرها. لم يكن مجرد خوف؛ كان إحساسًا بأن شيئًا ما يراقبها منذ زمن، شيئًا مرتبطًا بالمدينة أكثر مما يمكن أن تتخيل.
عادت فيكتوريا لتسير، واضعة يديها في جيوب معطفها الثقيل، متخذة زاوية ضيقة تقودها إلى شارع جانبي لم تكن تزوره من قبل. هناك، بين مبانٍ مهجورة، لمحت بابًا نصف مفتوح، وفتحة صغيرة في الجدار كانت تسمح برؤية جزء من الداخل: غرفة مظلمة مملوءة بالظلال، وكأنها تحتضن أسرارًا قديمة.
ترددت لوهلة، ثم اقتربت بحذر، يدها ترتجف قليلاً وهي تلمس الباب الخشبي البارد. كان شيء ما يدفعها إلى الداخل، رغبة غريبة لا يمكن تفسيرها، وكأن المدينة نفسها تطلب منها أن تكتشف ما أخفته لعقود.
عندما دخلت الغرفة، لاحظت دفء خفيف يتسلل من فتحة صغيرة في السقف، وأصوات خافتة تشبه همسات بعيدة تتلاشى بسرعة. جلست على أحد الصناديق القديمة، وأغلقت عينيها للحظة، محاولة فهم الشعور الذي يعتريها. كان إحساسًا بالحنين إلى شيء لم تعشه، وحيرة تجاه سرّ لم يعرفه أحد، شعور بأن حياتها ستتغير من هذه اللحظة، وأن الظلال حولها ليست مجرد ظلال، بل رسائل تنتظر أن تُقرأ.
خارج الغرفة، بدأت أصوات المدينة تختلط مع صمت الغرفة، وكانت فيكتوريا تدرك شيئًا واحدًا: هناك أسرار مخفية في هذه المدينة، وأحداث قادمة ستجبرها على مواجهة ما لم تتخيله من قبل. شيئًا في أعماقها كان يعرف أن هذه البداية ليست سوى جزء صغير من رحلة طويلة، رحلة ستكشف لها أن الماضي لا يختفي، وأنه يمكنه أن يظهر في أي لحظة ليضعها وجهاً لوجه مع الحقيقة.
في اللحظة التي وضعت فيها فيكتوريا قدميها خارج الغرفة القديمة، لاحظت أن الشارع كان أكثر هدوءًا من أي وقت مضى. حتى أصوات العربات البطيئة خفتت، وكأن المدينة كلها كانت تراقب خطواتها، تصغي إليها.
ترددت دقيقة، ثم شعرت بحاجة إلى الحركة، إلى البحث عن شيء ملموس، أي شيء يعطيها شعورًا بالسيطرة على هذا المكان الغامض. اقتربت من مقهى صغير على زاوية الشارع، مضاء بمصباح أصفر خافت، وفتحت الباب الخشبي الذي صدر منه صوت صرير خفيف.
داخل المقهى، كان الجو دافئًا، ورائحة القهوة الطازجة ملأت المكان. جلست في ركن بعيد، ووضعت كفها على فمها وهي تتأمل الزبائن الذين لم يبدوا أن لهم أي صلة بالعالم الخارجي؛ كانوا مشغولين بحديثهم أو بكتاباتهم على الأوراق القديمة. شعرت فيكتوريا بأن هذا المكان يختلف عن باقي المدينة: كان ملاذًا للقصص غير المروية، وللأسرار المخبأة بعناية.
بينما كانت تتفقد المكان بعينيها، لمحت شابًا يجلس وحيدًا على الطاولة المجاورة، يحمل دفترًا صغيرًا ويكتب بخط متردد. التقت عيونهما للحظة قصيرة، ثم عاد إلى كتاباته. لم تستطع تفسير شعور غريب دبّ في صدرها؛ كأنه يعرف شيئًا عن المدينة، أو ربما عن نفسها، لكنها لم تستطع تحديد السبب بعد.
خرجت فيكتوريا بعد قليل، ومع كل خطوة كانت تشعر بأن الزقاق أصبح أطول وأكثر عمقًا، وأن المدينة القديمة تخفي وراء أبوابها المغلقة أكثر مما يمكن أن تُرى بالعين المجردة. شعرت أنها بدأت رحلة لم تتوقعها، رحلة ستكشف لها أسرارًا عن المكان، عن الناس، وربما عن نفسها أيضًا.
وبينما كانت تعود إلى المنزل، لم تستطع أن تتخلص من شعور مزعج: أن شيئًا ما، شيئًا مظلم، يراقبها، ينتظر اللحظة المناسبة للظهور. كانت تلك بداية أسئلة ستلاحقها في كل زاوية، في كل شارع، في كل وجه يمرّ بجانبها.