حكاوي هنيه (سلسلة قصص رمضانيه) - اليوم الأول - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: حكاوي هنيه (سلسلة قصص رمضانيه)
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: اليوم الأول

اليوم الأول

"سُفرة أول يوم.. والمقاعد الشاغرة" أشرقت شمس اليوم الأول من رمضان، ومعها تحول منزل الجدة هنية إلى ما يشبه خلية النحل التي لا تهدأ. في المطبخ، كانت الأم "زينب" تصارع الوقت، الدخان يتصاعد من الأواني، ورائحة "المحشي" بدأت تغزو البيت بأكمله، بينما كانت تتنقل بين صواني الفرن بمهارة، وعرق التعب يمتزج بابتسامة الرضا وهي تردد بعض الأذكار. في الصالة، كانت "سلمى" تعيش عالمًا آخر؛ فقد حولت سُفرة الطعام إلى ساحة قتال فنية. كانت تضع الأطباق وتزيلها، تغير مكان الشوك والملاعق، وتجرب زوايا إضاءة مختلفة بهاتفها. كانت قد اشترت مفارش "خيامية" مطرزة خصيصًا لتتماشى مع لون الأطباق، ووضعت فوانيس صغيرة بجانب كل مقعد لتظهر السفرة في "الستوري" كأنها لوحة من مجلة ديكور عالمية. دخلت الجدة "هنية" المطبخ، وتوقفت مذهولة أمام كميات الطعام التي أعدتها زينب، ثم خرجت إلى الصالة لتجد سلمى غارقة في عدسات هاتفها. تنهدت الجدة وقالت بصوت هادئ: يا ساتر يا رب.. إيه كل ده يا زينب؟ يا بنتي إحنا عيلة صغيرة، ليه كل الأكل ده؟ التبذير في أول يوم بياكل البركة. والسفرة دي يا سلمى بقت شبه فاترينة المحلات، هو إحنا هناكل ولا هنتصور جنب الأكل؟ ردت سلمى وهي تضبط زاوية التصوير بتركيز شديد: يا تيتا ده أول يوم، والناس كلها بتنزل فطارها. لازم السفرة تبقى (واو) عشان لما أصحابي يشوفوا الصور يحسوا بالأجواء. الشكل والبرستيج دلوقتي أهم من أي حاجة، وبعدين يا تيتا العلم بيقول إن العين بتاكل قبل الفم! صح ولا غلط؟ اتكأت الجدة على عصاها وجلست على طرف السفرة بحذر، وقالت بصوت يملؤه الأسى والحكمة: العين بتاكل لما تشوف المحبة والبركة يا بنتي، مش لما تشوف الفخفخة الكدابة. زمان يا سلمى، مكنش حد فينا بيجرؤ يرفع غطا الطبق قدام حد عشان ميعرفش إحنا طابخين إيه؛ بيوتنا كانت (عورة) مستورة. كان اللي بيطبخ (يغطّي) صنيته بخرقة بيضا نضيفة كده وهو باعتها لجاره عشان ميجرحش مشاعر اللي مش قادر، وعشان البيوت ليها حرمة. كانت العزومة زمان مش بالأصناف اللي ملهاش آخر، كانت بـ (اللمة) اللي بجد. تابعت الجدة وهي تتلمس مفرش الخيامية: كان جدي يقولي: يا هنية، السفرة اللي مفيش عليها غريب أو محتاج، سفرة ناقصة ملحها وكأنها بتفطر أصحابها وبس. كانت صينية الرقاق تطلع من الفرن، تتقسم نصين ببركة ربنا، نص لينا والنص التاني يلف على جيرانا، مكنش فيه فرق بين سُفرتنا وسُفرتهم، والطبق اللي يروح مليان يرجع مليان برضو بس بحب ودعاء، مش لايكات وتعليقات باردة. قبل أذان المغرب بعشر دقائق، وبينما كانت سلمى تضع اللمسات الأخيرة، رن جرس الباب بشدة. دخل "عمر" وبصحبته "إبراهيم"، حارس البيت الشاب الذي ترك أهله في أقاصي الصعيد ليأتي للعمل في القاهرة. كان إبراهيم يبدو محرجًا للغاية، ينظر إلى الأرض ويفرك يديه بتوتر. ارتبكت سلمى، ووشوشت أخيها بضيق: ايه ده يا عمر؟، أنت بتهزر؟ أنت عارف السفرة دي خدت مني وقت قد إيه عشان تطلع بالرقي ده؟ الشوكة والسكينة ليهم مكان، والمقاعد محسوبة بالظبط عشان (الكادر) يطلع مظبوط.. هتقعد عم إبراهيم وسطنا كدة ازاي يعني؟ سمعت الأم "زينب" الهمس وهي تخرج بآخر صينية، فوضعتها بحزم على الطاولة ونظرت لابنتها نظرة جعلت سلمى تصمت فورًا، وقالت زينب بصوت دافئ يملأ الأرجاء: أهلاً يا إبراهيم، نورت بيت أهلك التاني. السفرة دي مش هتكمل ولا هتحلوّ غير بيك. اقعد، ده أنت البركة اللي ربنا بعتهالنا في أول يوم. ثم التفتت لسلمى وقالت بهدوء وهمس: يا سلمى، الجمال الحقيقي اللي الناس لازم تشوفه هو "الرحمة". الصورة بتبقى حلوة لما القلوب تكون متصافيه، مش لما الأطباق تكون متلمعة. جبر خاطر إنسان مغترب في ساعة فطار، أحسن عند ربنا من ألف ديكور ومن كل صور الدنيا. سُكون الليل وبركة السحور: بعد صخب الإفطار وضجيج المسلسلات، هدأ البيت تماماً، وبدأت خيوط الليل تنسج سكينة خاصة. كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل حين بدأت سلمى تشعر بالجوع مجدداً، فأخرجت هاتفها لتطلب "سحوراً فاخراً" من أحد المطاعم الشهيرة، ظناً منها أن هذا هو "البريستيج" الذي يليق بأول سحور. دخلت المطبخ لتجد الجدة هنية تجلس أمام "قدر الفول" الصغير الذي ينضج على نار هادئة، وبجانبها طبق من الجبن القريش وزيت الزيتون، ورائحة الخبز البلدي الذي تسخنه الأم زينب تملأ الأركان. قالت الجدة بابتسامة حانية: تعالي يا سلمى.. سيبي الحديدة اللي في إيدك دي. السحور مش وجبة بناكلها عشان نصوم، السحور ده "سنة" وبركة بتغسل القلوب. زمان كان السحور هو وقت المناجاة، كنا بنحس إننا بنشحن أرواحنا قبل بطوننا. لقمة بسيطة في هدوء الليل، وصوت راديو شغال بتواشيح الفجر، أحسن من مية وجبة دليفري جاية من بره وضعت الأم زينب صحن الفول بالزيت والليمون أمام سلمى، فقالت الجدة وهي تشير للطبق: شوفي بقي .. الفول ده فيه بركة ازاي لأنه اتعمل بحب، واللمة حواليه في الوقت ده هي الونس الحقيقي. السحور هو (خيط النور) اللي بيربطنا ببيوتنا وبأهالينا. صوّري دي بقلبك يا سلمى، مش بكاميرا تليفونك. جلست سلمى، وتناولت أول لقمة في صمت عميق، ولأول مرة لم تشعر برغبة في تصوير الطبق. شعرت بالسكينة وهي ترى وجه جدتها ينير بالذكر، وبدأت تفهم أن السحور هو محطة سلام قبل مشقة الصيام. الرسالة المستفادة: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم." إن جوهر الصيام هو تهذيب النفس وكسر كبرياء المظاهر. لا تجعلوا رمضان مضماراً للاستعراض الاجتماعي، بل اجعلوه موسماً لترميم الروابط الإنسانية؛ فاللقمة التي تشاركها بحب مع من لا يملك في الفطور، واللحظة التي تقضيها بصدق في السحور، هما الروح الحقيقية لهذا الشهر الكريم الخاتمة: ارتفع صوت الأذان.. "الله أكبر، الله أكبر". جلس الجميع حول الطاولة في الفطور، وبدأ "إبراهيم" يدعو لهم بصدق وصوت متهدج ببركة الرزق وصلاح الحال، وشعرت العائلة بدفء غريب لم تمنحه لهم كل الزينة المحيطة. وانتهى اليوم بلقمة سحور هادئة جعلت سلمى تدرك أن السعادة تكمن في البساطة. نظرت سلمى إلى هاتفها الذي وضعته جانباً طوال السحور، ثم مالت على أذن جدتها وقالت وهي تبتسم: عندك حق يا تيتا.. طعم الأكل وهو فيه جبر خاطر في الفطار، وسكينة وبركة في السحور، أحلى بكتير من كل (الفلاتر) واللايكات في العالم. ضحكت الجدة وقالت: كلي يا اللي غاوية منظره على الفاضي.. كلي بالهنا والشفا، رمضان كريم يا قلب تيتا.