حكاوي هنيه (سلسلة قصص رمضانيه) - ليلة الرؤية - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: حكاوي هنيه (سلسلة قصص رمضانيه)
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ليلة الرؤية

ليلة الرؤية

"حكاوي هنيه" "أول خيط النور" كانت أجواء ليلة الرؤية تفرض سحرها الخاص على حواري القاهرة القديمة، شوارع الحسين تحتشد بالبشر كأنها خلية نحل لا تهدأ، والأطفال يركضون بكرات من السلك المشتعل والشرر يتطاير خلفهم في فرحة هستيرية. في شقة "الجدة هنية"، كان للوقت إيقاع هادئ ومقدس؛ رائحة البخور (الجاوي) تصعد من مبخرتها النحاسية لتملأ الأركان، وصوت المذياع العتيق ينقل بتؤدة مراسم استطلاع الهلال من دار الإفتاء، في انتظار تلك الكلمة التي تُعلن بداية "الروح" لا مجرد بداية الشهر. دخلت "سلمى" الصالة وهي تحمل هاتفها بوضعية التصوير، تدور حول نفسها وتتحدث بنبرة سريعة: هاي يا جماعة! كل سنة وإنتو طيبين.. بجد الجو بره لا يحتمل، زحمة وخنقة وعشوائية غريبة، والزينة اللي في الشارع شكلها قديم جدا ومبهدلة. أنا قررت إني مش هقف في المطبخ النهاردة خالص، طلبت دليفري (وجبات سحور جاهزة) هتوصل كمان ساعة، عشان نلحق نظبط الروتين بتاعنا. أنزلت الجدة "هنية" نظارتها الطبية ببطء شديد، وساد صمت قطعته دقات ساعة الحائط، ثم نظرت إلى حفيدتها بنظرة تحمل مزيجاً من العتاب والحنين، وقالت بصوت هادئ ولكنه حازم: دليفري يا سلمى؟ وفي ليلة الرؤية يا بنتي؟ يعني يا دوب شمّينا ريحة الهلال، تقومي تقطعي أول خيط في البركة بحته كرتونة جاية من بره؟ السحور ده مش مجرد لقمة بنسد بيها جوعنا يا حبيبتي، ده نية، وأول باب بنفتحه عشان نستقبل بيه كرم ربنا.. السحور يعني بركة اللمة، يعني زي وقفة أمك في المطبخ بتدعي وهي بتدمس الفول، مش سرعة الطلب وتقييم الطيار! توقفت سلمى عن التصوير، وشعرت بشيء من الحرج، لكنها ردت بتبرير: يا تيتا الدنيا اتغيرت، السرعة دلوقتي هي اللي بتحكمنا، وكل حاجة بقت متاحة وسهلة.. ليه نتعب نفسنا في الوقفة والتجهيز وإحنا ممكن ننجز؟ تنهدت الجدة، وأسندت ظهرها على مقعدها الوثير، وكأنها تستحضر طيف الماضي من بين طيات السنين: زمان يا سلمى، مكنش حد فينا بيشتري فرحته جاهزة في كيس بلاستيك. كنا بنقعد قبل رمضان بأسبوع، الحارة كلها تتحول لورشة عمل. نقطع الجرايد والمجلات القديمة، ونقعد نغلي (نشا) في المطبخ عشان نلزق بيه الفوانيس من الورق والمثلثات. الحارة كانت بتبقى إيد واحدة؛ جارتنا 'مدام مريت' هي اللي كانت بتمسك طرف الحبل من شباكها عشان نعديه لبيتنا، وعم 'عبده' بياع الفاكهة كان يرش الميه قدام مدخل البيت عشان النضافة و الصلاة. مكنش فيه دليفري، كان فيه (ريحة السمنة البلدي) وهي بتطش فوق طبق الفول في كل بيوت المنطقة في نفس اللحظة.. كنا بنحس إننا كلنا بناكل على طبلية واحدة كبيرة، وإن الحارة كلها بيت واحد. في تلك اللحظة، انفتح الباب فجأة ودخل "عمر" شقيق سلمى، وكان يلهث بشدة وهو يحمل صندوقاً خشبياً قديماً ممتلئاً بالأتربة. وضعه في منتصف الصالة وقال وهو يمسح العرق عن جبينه بابتسامة نصر: لقيته يا تيتا! لقيت صندوق الكنوز في ركن بعيد في المخزن تحت زينة رمضان بتاعة جدي الله يرحمه. اقتربت سلمى بفضول ممزوج بتهكم: إيه الكراكيب دي يا عمر؟ أنت بجد جايب ورق مصفر وفانوس مصدي عشان تعلقه؟ ده شكله مبهدل أوي! رد عمر بحماس: دي مش كراكيب يا سلمى، دي ذكريات. أنا اتفقت مع ولاد الجيران تحت، وشباب الشارع كلهم مستنييني. هنعلق الزينة دي وننور الفانوس الصفيح الكبير اللي بيتحط فيه شمعة ده، وهنرجّع لمدخل العمارة هيبته.. بدل اللمبات اللي بتنور وتطفي دي مبتحسسنيش بجد إنه رمضان اصلا ومش هناخد من الجيران ولا جنيه لمعت عيون الجدة ببريق دافئ، وقالت وهي تلمس طرف الفانوس القديم بيد مرتعشة: عفارم عليك يا عمر.. أنت اللي فيك ريحة الغالي. هي دي الروح اللي بتدوري عليها يا سلمى ومش هتلاقيها في الموبايل اللي شايلاه طول الوقت ده. الروح مش في لمعة الزينة ولا ثمنها، الروح في النية اللي بنتجمع عشانها، وفي التعب اللي بنتعبه عشان نفرح بعض. الرسالة المستفادة: "رمضان ليس ضيفاً يحلُّ في بيوتنا، بل هو روحٌ تحلُّ في قلوبنا لتُرمم ما أفسدته شهور السنة. إن جوهر هذا الشهر يكمن في البساطة والمشاركة؛ فاستقباله لا يكون بالاستهلاك المفرط أو الانعزال خلف الشاشات، بل بإحياء طقوس المودة وجبر الخواطر. رمضان يبدأ بكلمة طيبة، ولقمة تغمرها البركة لأنها صُنعت بحب وشاركتها عائلة اجتمعت قلوبها قبل أبدانها. الخاتمة: وضعت سلمى هاتفها جانباً فوق الطاولة، وتلاشت رغبتها في تصوير "الفلوج". نظرت إلى الصندوق القديم ثم إلى وجه جدتها الذي يفيض نوراً، وشعرت بوخز خفيف في ضميرها. اقتربت من أخيها، وأمسكت بخرزات زينة قديمة وقالت بهدوء: طب استنى يا عمر، أنا هساعدك نمسح التراب ده ونفك الخيوط، بس تفتكري يا تيتا، لو بعتنا طبق فول بالسمنة لـ طنط فوزية والجيران النهاردة زي زمان، هيفتكروا إننا بنوزع أكل ولا هيعرفوا إننا بنصالحهم بالود؟ ضحكت الجدة ضحكة صافية من القلب وقالت: جربي يا ست سلمى.. وشوفي بركة رمضان لما تدخل بين الجيران بتعمل إيه في القلوب.. دي السحر الحقيقي اللي ملوش كتالوج.