الفصل 1
" the writer Aridj "
.
.
.
اتكأت على جسد أمها المكفن الموضوع في وسط الصالة كقمر أبيض أطفئت أنواره فجأة، وانحنت فوقه كما تنحني شجرة كسرتها الريح. كانت تضمّها بذراعيها المرتجفتين، كأنها تخشى أن تمتد يد خفية فتنتزعها منها .
ارتفع صوتها بالنحيب... حادًا ممزقًا، يخرق سكون البيت وقلوب من فيه /علاااه خليتيني ورحتي علااااه يايمه، وش درتلك حتى خليتيني يا ماما ؟ اسمحيلي، منحب والو... نوضي يا ماما نوضي... آآآربي يا ربي ردهالي يا ربي!
الترجمة إلى العربية /لماذا تركتني ورحلت، لماذا يا أمي؟ ماذا فعلت لك حتى تركتني يا أمي؟ سامحيني، لا أريد شيئًا ... انهضي يا أمي، انهضي... يا رب يا ربّ، أعدها إلي يا ربّ!
كان صوتها يعلو وينخفض كمد حزين، يختلط بنحيب النساء الذي ملأ أرجاء البيت، حتى بدا المكان كله كصدر واحد يختنق. حداد ثقيل يخيم على الجدران، وعزاء تنكسر فيه القلوب كما تنكسر الأمواج على صخور عتيقة.
كل الوجوه شاحبة، وكل العيون دامعة، لكن عينيها وحدهما كانتا بحرًا لا قرار له. تقدمت نحوها امرأة تبدو في العقد السادس من عمرها، في وجهها تجاعيد رحمة، وفي عينيها حزن هادئ يشبه استسلام العارفين بقضاء الله. انحنت إليها، وضعت يدًا دافئة على كتفها المرتجف، وقالت بحنان مشوب بشفقة/ ها بنتي يهديك ربي نوضي متعذبيهاش، دموعك ما يردوهاش... نوضي.
الترجمة الى العربية/يا ابنتي هداك الله، انهضي ولا تعذبيها، دموعك لن تعيدها ... انهضي.
حرکت رأسها بسرعة، نافيةً، رافضة النهوض، كطفلة ترفض أن ينتزع منها آخر أمان في الدنيا. شدّت على الغطاء الذي لفت به أمها، تشبثت به بأصابعها حتى ابيضت مفاصلها، وكأنها تقول لن يأخذها أحد... لن يأخذها أحد ما دمت أتنفس.
وفي تلك اللحظة دخلت عمتها، نظرت حولها بنظرة ضجر واشمئزاز، ثم قالت بصوت جاف قاس، لا أثر فيه لخشوع الموت /واشي هذا؟ النداب تاعك واصل لآخر رود نوضي، يزيك من البوليتك، خلينا نهزو هاذي علينا.
الترجمة الى العربية/ ما هذا النحيب الذي وصل إلى آخر الحي؟انهضي، كفاك تمثيلا، دعينا نحمل هذه عنا.
رفعت الفتاة رأسها ببطء مثقل بالألم، وحدقت فيها بنظرة صامتة، لكنها كانت أبلغ من كل الكلمات نظرة تقول حتى اليوم... حتى في هذا اليوم... لم ترحمينا من بلائك.
ثم أخفضت رأسها مجددًا، واستسلمت لدفء صدر أمها المسجى. وضعت خدها عليه، واستنشقت رائحتها بعمق، كما لو أنها تخزنها في صدرها لسنوات قادمة. لم تكن رائحة موت مألوفة، لم تكن تلك البرودة الغريبة التي يخلفها الغياب .....كانت رائحة طيبة زكية، رائحة حضن طالما احتمت به من قسوة العالم.
كيف يمكن لرائحة كهذه أن تكون رائحة فراق ؟ لكنها، رغم كل ذلك، لم تكن تصدق أن بعد دقائق قليلة سيبعدونها عنها. أن أيديا كثيرة ستجتمع لتفصل بين قلبين عاشا عمرًا كاملًا في جسد واحد.
شدت على اللحاف بأظافرها حتى كادت تغرسها فيه، كأنها تغرسها في الزمن نفسه، تحاول أن توقفه عند هذه اللحظة.
خمارها كان ملقى على كتفيها بإهمال، وقد ارتسمت خدوش التراب على حجابها الأسود فبدا كليل خدشته عاصفة.
نطقت امرأة من المعزّيات، وقد التفتت إلى العمة بنظرة استنكار صريحة، وقالت /ربي يهديك بنت خوك، ومرحمتيهاش حتى في نهار كيما هك.
الترجمة الى العربية/ هداك الله، إنها ابنة أخيك، ولم ترحميها حتى في يوم كهذا.
ردت العمة بصوت مرتفع، اشتدت فيه حدّة الدفاع والتعجرف /وانت واش دخلك؟ كيما قلتي بنت خويا، وأنا حرة فيها.
الترجمة الى العربية/ وأنت ما شأنك؟ كما قلت، هي ابنة أخي، وأنا حرة في أفعالي معھا.
مسحت امرأة أخرى دموعها بطرف خمارها، وقالت بصوت مخنوق/ حرام عليك... ربي وكيلك.
الترجمة الى العربية/ حرام عليك ... حسبي الله ونعم الوكيل .
في تلك اللحظة، نهضت الفتاة من جانب أمها، كان قيامها أشبه بانكسار مفاجئ، وصرخت بصوت باك مقهور تمزقه الحسرة /خلاااص بزاااید خلااااص ماما ميتة وانتوما تتقابضو! خلااااص !
الترجمة الى العربية/كفى، كفى! أمي ماتت وأنتم تتشاجرون کفی!
وسقطت على ركبتيها باكية، ورأسها مخفوض إلى الأمام، كأنها تحمل على عنقها جبال الدنيا. تقدمت إليها بعض النساء، كل منهن تحاول أن تضع يدا، أو كلمةً، أو دمعةً على كتفها، لعلها تخفف شيئًا من ذلك الثقل لكنهن كن يعرفن في أعماقهن أن فراق الأم ليس جرحًا يضمد، ولا غيابًا يُعوّض هو فراغ يتسع كلما حاولت أن تملأه.
رمقتها عمتها بنظرة اشمئزاز بارد، ثم استدارت وغادرت الصالة. كانت خطواتها سريعةً، نافرة
كأنها تهرب من مشهد لا يليق بمقامھا المزعوم. اتجهت إلى باب الغرفة التي وضعت فيها أغراضها، حملت خمارها، وغطت به شعرها ورمته على كتفيها بعشوائية توحي بضيقها، ثم خرجت من المنزل إلى الخيمة المنصوبة للرجال... خيمة العزاء(باللھجة الجزائرية تسمى القيطون)
الريح تحرّك أطراف القماش، والرجال يجلسون في صفوف صامتة، يتبادلون نظرات العزاء والكلمات المقتضبة.
اتجهت نحو أخيها، وقالت بانزعاج واضح، دون أن تعبأ بحرمة المكان /وقتاش يخرجو جيفة هاذيك؟ بنتها صرعتنا بنداب.
الترجمة الى العربية/متى يخرجونھا؟ ابنتها أزعجتنا بنحيبها.
نظر إليها أخوها نظرةً طويلة، فيها شفقة وعتاب، وفيها أيضًا دهشة مريرة. كيف يمكن للمرأ أن يبلغ هذا الحد من البغض؟ كيف يمكن للغيرة والحقد أن يطمسا حتى احترام الجنازة وحرمة الميت؟
ولما لم تجد في صمته جوابًا، قالت بحدة أشد /متقوليش راك حازن عليها تهنينا منها، الله لا يرحم فيها عظم.
الترجمة الى العربية /لا تقل لي إنك حزين عليها! لقد ارتحنا منها، لا رحم الله فيها عظمًا.
تغيّرت ملامحه في لحظة، وتقدم نحوها بخطوة ثابتة، وقال بنبرة عتاب صارمة، خافتة لكن حاسمة /وكان عطاك ربي عقل، تكوني مع بنت خوك تواسي فيها، موش خارجة تسقسي وقتاش الدفينة.
الترجمة الى العربية /لو أعطاك الله عقلا، لكنت مع ابنة أخيك تواسينها، لا خارجة تسألين متى موعد الدفن .
أصدرت صوت انزعاج بفمها، ثم استدارت وغادرت المكان، تعود إلى داخل البيت.
أما في الداخل، فكانت الفتاة ما تزال هناك.... عند صدر أمها ... كأنھا آخر حارس لقلب توقف عن النبض...... وكأنها تعلم، في مكان عميق داخلها، أن العالم بعد هذه اللحظة لن يكون كما كان أبدا......