على مقعد الانتظار
الفصل الثاني: على مقعد الانتظار
كان صوت الإعلانات يتردد في أرجاء المطار، والوجوه تمرّ أمامها مسرعة، بين مودّعٍ ومتلهفٍ للرحيل. جلست علا على أحد المقاعد المعدنية، وضعت حقيبتها بجانبها، وشبكت يديها في صمت.
لم تكن تنظر إلى الناس…
كانت تنظر إلى الداخل.
إلى خمسة أشهر مضت.
---
في البداية، كان الأمر مجرد تسلية.
حسابٌ مزيف… اسمٌ مستعار… وصورة لفتاة أصغر منها بسنوات.
كانت تدخل، ترد، تضحك، وتخرج دون أن تترك أثرًا في قلبها.
حتى ظهر سعد.
كان عمره خمسًا وعشرين سنة. شابًا بسيطًا في حديثه، خفيف الظل، لا يتصنّع الكلمات ولا يبالغ في المجاملات.
كتب لها أول مرة:
— السلام عليكم، أظن أنك جديدة هنا؟
ترددت قليلًا، ثم كتبت:
— نعم، دخلت بالصدفة فقط.
— كم عمرك؟
توقفت لحظة… ثم كتبت العمر الذي اختلقته:
— عشرون سنة.
— جميل… أنا سعد، عمري خمسة وعشرون. يبدو أني أكبر منك بخمس سنوات.
ابتسمت يومها… ابتسامة لم تفهم سببها.
كانت المحادثات قصيرة في البداية.
— هل تدرسين؟
— نعم.
— ما تحبين؟
— الهدوء.
ثم صارت أطول…
— أشعر أنك مختلفة عن باقي الفتيات.
— كيف؟
— كلامك هادئ… وكأنك تفكرين قبل كل كلمة.
كانت تقرأ رسائله مرات عديدة قبل أن ترد.
ومع الأيام، صار ينتظرها.
— لماذا تأخرتِ اليوم؟
— انشغلت قليلًا.
— لا تتأخري… وجودك يريحني.
لم يخبرها بحب… ولم تطلب منه شيئًا.
لكن شيئًا دافئًا كان ينمو بين الكلمات.
كان يسأل عن يومها، يرسل لها دعاءً، يضحكها بنكت بسيطة، ويغضب إن اختفت فجأة.
وذات ليلة، كتب لها:
— تعلمين؟ أحيانًا أشعر أني أعرفك منذ زمن.
نظرت إلى الشاشة طويلًا…
ثم أغلقت الهاتف دون رد.
لكنها عادت إليه في اليوم التالي.
وهكذا…
تطورت العلاقة بينهما.
لم تعد مجرد تسلية.
صارت انتظارًا… واهتمامًا… واعتيادًا.
---
ارتفع صوت الإعلان مرة أخرى في المطار.
عادت علا إلى الحاضر.
تنهدت، ثم وقفت ومشت ببطء بين المسافرين.
فجأة، تسلل إلى قلبها شعور ثقيل.
تذكرت زوجها…
ذلك البيت الذي تركته دون أن تلتفت خلفها.
لم يكن يحبها… لكنها، رغم كل شيء، اعتادت وجوده.
وتذكرت ياسمين…
الفتاة التي ربّتها، والتي أصبحت الآن في حياتها الجديدة، منشغلة بعالمها، نادرًا ما تسأل عنها.
غصّ قلبها.
— هل تخلّيتُ عنهم… أم أنهم تخلّوا عني أولًا؟
ثم توقفَت فجأة.
الخوف.
بدأ يتسلل إليها ببطء.
ماذا تفعل؟
إلى أين تذهب؟
وماذا لو كانت تخطئ؟
كانت غارقة في أفكارها، حين مرّ رجلٌ مسرعًا أمامها، يركض بقوة.
وفي لحظة، صرخت فتاة قريبة منها:
— حقيبتي! سرق حقيبتي!
التفت الجميع… لكن اللص كان قد ابتعد واختفى بين الناس.
وقفت الفتاة تبكي وتستغيث، تنظر حولها في ذعر، لكن لم يركض أحد خلفه. اكتفى الناس بالمشاهدة… ثم عاد كلٌّ إلى طريقه.
شعرت علا بقشعريرة تسري في جسدها.
ليس خوفًا من السرقة…
بل من فكرةٍ واحدةٍ فقط:
لو سقطت الآن…
لو حدث لها شيء…
لو أوقفتها الشرطة وسألتها…
من أنتِ؟
إلى أين تسافرين؟
ولماذا؟
لن تجد جوابًا يبرر كل ما فعلته.
شدّت حقيبتها بقوة إلى صدرها.
وفجأة أدركت…
أنها لا تهرب فقط من ماضيها…
بل تسير نحو طريقٍ
لو انكشف…
فلن يسامحها أحد.