الفصل 192
احجز اقرب رحله للعوده ، افزعني اتصال والدي بي ، فهو قاطعني منذ عامين ، تحديداً منذ ان غادرت الوطن ، وحملني لعنات وشتائم ودعوات مازالت تلتصق بي حتى الان ..
اخبرني ان جدتي متعبه جداً ، وانه يجب علي ان اعود على وجه السرعه .
حجزت بعد غد ، كان هذا اقرب موعد متوفر ..
اجهز اغراضي من الان ، لا اجمع الكثير ، فقط ما احتاجه ..
فانا لا انوي ان اطيل البقاء ، فجامعتي على وشك البدأ ..
قبلت في برنامج دراسي ، على نفقات الدوله ، برنامج جاء كالمعجزه ليواكب احلامي وتطلعاتي ..
وانخرطت في الدراسه بجد واجتهاد ، كنت اسعئ لأثبت لنفسي اولاً قبل اي احد انني قادر ..
فادراً على تحقيق الكثير لنفسي ، والسعي وراء احلامي ..
وتجاوزت الكثير بفضل اصراري وتيسير الله..
كانت اشد امنياتي هي ان اتخلص من العكاز ، وبالفعل مشيت بدونه ، مازلت اعرج قليلاً لكنني على الاقل مشيت بدونه ..
لكنني احمله فقط تحسباً لأي طارئ يحل بقدمي ..
اخبرني الطبيب انني مازلت في مرحله العلاج ، وانه سيلزمني اعوام قادمه لأتأقلم على المشي بدونه ، لكن يجب علي ان احمله معي ، وان لا اجهدها واحملها مالا طاقه لها به ..
لكنني قررت ان لا اصحبه معي في رحله العوده ، اردت ان يشاهدني والدي امامه ، واقفاً بلا اي عكاز ليسندني ، ويدرك انني لم اكن هنا للهو
، وانني طوال المده السابقه كنت اعمل بأجتهاد واصنع ميثم اخر ..
انا مشتاق للجميع هناك ، اتواصل معهم دائماً لكن الرسائل لا تطفئ الشوق ..
مضئ وقت طويل حتئ على لقائي بدرع ،كان قد زارني هو هتان العام الفائت ، استرجعنا بزيارته ايام الجيران القديمه ..
سألتقي به هناك ،بعد ان اطمئن على جدتي ..
.....
ازيح ستاره غرفتي ، اتأمل الشارع ، انه احد تلك الايام القليله التي يكون فيها الجو صحو ..
يوم كهذا كنت سأقضيه اتسكع في المدينه لوحدي ، اتنقل بين رفوف المكتبات ، وطاولات المقاهي والمطاعم ..
لكنني لا املك مزاجاً لكل هذا ، فبرغم انني لم اكن مقرباً لجدتي ، لكنني اشعر بالقلق عليها ..
ولا املك القدره لأتجاوز شعور القلق هذا ..
..
اجزم ان لو احد اطلع على حياتي لاشفق علي من من شده وحدتي ..
لكنني في الحقيقه مرتاح جداً وسعيد بها ..
ربما لأنني اعتدت عليها ، فباتت امر عادياً ..
واكتفيت بنفسي ، وكنت لها الصديق ادللها واشد عليها واشجعها ..
.........
...
تأملت تجاعيد يدها ، النمش الذي يغطي كفها ، والحناء الذي وضعته قبل يومين من الان ..
انزلت رأسي لأقبل كفها ، فتحتها وقبلت باطنها ، استنشقت رائحه الحناء التي لم تستطع رائحه المعقمات ان تنتصر عليها ...
هذه الكف ذاتها هي من مسحت على رأسي ، واطعمتني ، ومدتني بالنقود والحلوئ لمئات المرات او يزيد..
كنت المفضل عندها ، من بين كل احفادها ، كنت اقضي الكثير من الوقت معها ، احب تدليلها لي ..
انه منظر يفجع قلبي ، انا ازورك هنا ..
بعد زحام الفرح الذي عشناه مع بعضنا البارحه ..
تنام بين الإسلام والابر ،و تتنفس من خلال انبوب ..
اعجز عن كبح غصتي ، كان المكان خالياً لذا اسمح لدموعي ان تخرج ..
..
تسقط على كفها المخضبه بالحناء ، تسيل كما لو انه تغسل بهتانه ، ترسم خطاً بالغ الأحمرار في كفها ..
الحمد لله انها بخير ، املي بالله كبير ، سيبعثها الله. مجدداً لتقف بيننا ، وتخلع عنها كل هذه الأسلاك والاجهزه ...
امسح دموعي ، تردني رساله من ملاذ ، للتو تذكرتها ..
اخرج واتصل بها ، اجابت بلهفه ، وبدأت بسؤالي عن جدتي ..
اخبرتها انها ستكون بخير ، الاطباء يطمنونا ، ونحن نملك ثقه كبيره في عطف الله ..
تدعوا لها ، فأسئلها عن محمد ، تخبرني انه بخير ، ومنشغل الان باللعب مع عبق ..
ابتسمت وانا اتخيله راكضاً ، او يقفز ، او يضحك فتظهر اسنانه الأماميه بشكل لطيف ..
ودعتني وتركت تخيلات هذا الصغير في معي
..
اشتقت له ، برغم اني لم امضي الكثير من الوقت بعيداً عنه ..
لكنني ادمنته ، اصبح هرمون سعاده لي ..
ادمنت صخبه ، ورائحته ، ومراقبه حركاته ..
هو محبوب العائله ، الكل يسأل ويبحث عنه ، لذلك هو لا يخاف او يستنكر من اي احد ، اعتاد على ان يتلقى الحب من الجميع ..
كانت جدتي هي اكبر معجباته ، انها تحبه كثيراً ، تتصل علي يومياً توصيني ان أتي به في اقرب فرصه لها ..
اريد ان يكبر محمد معها كما كبرت انا ، ادعوا الله ان يطيل بعمرها حتئ تدلل اولاده ايضاً ..
انا اجد نفسي دائما انتمي لكبار السن ، احب احاديثهم وقصصهم واسلوبهم في التحدث ، اشعر انني اشبه لهم ولا انفك اتمنئ لو انني ولدت في وقتهم وعاصرت كل احداث زمنهم.....
.....
كنت قد ذهبت في الصباح لتناول الافطار مع ملاذ في الخارج ، حين ما وصلني اتصال من فلاح ..
يخبرني عن ماحدث لجدتي ..
تملكني الخوف ، توقعت انه يكذب علي حين طمنني عليها ، وان هنالك شئ أسوأ يخبئه عني لحين وصولي فأنا قد واجهت كذبه في حادثي القديم ..
كان وجود الجميع مزعج ، ويبعث بالقلق ، لذا شجعتهم على الذهاب حتي يسمح لها الطبيب بالزياره وان هذا فقط سيكون ضغط عليها ..
اعود لأجلس واتأمل منظرها وهي تغوص بجسدها في هذا السرير ، بوجه مكشوف مافتئت ان تغطيها ببرقعها ، برغم مناوشاتي لها وطلبي ان تخلعه لتريني جمالها، لكنها كانت تكره ان تخلع برقعها ، تتمسك فيه بقوه لأنها نشأت معه منذ القدم ، واصبحت تعامله كجزء من جسدها ...
بقيت انا ، ورفضت ان اسمح لاي احد ان يبقئ معها غيري ..
كنت اريد ان اتحدث معها في كل شئ ..
تحدثت معها عن حياتي ، من البدايه ، اخبرتها بقصه كفاحي مع ملاذ وسعيي لأحصل على حبها ، لسعادتي الحاليه التي اعيشها مع ملاذ وابني ، عن مشاعري نحو فلاح والبعد الذي بدأ ينشئ بيننا ، عن علاقتي بأعمامي ، وعن ذكرياتي مع جدي ..
مازلت اشتاق لجدي ، لا املك قدره لأشتاق لها ايضاً ..
اطلب منها ان تستيقظ بسرعه وان نغادر هذا المكان بسرعه ...
يدخل الطبيب اقف وأسأله عن حالها ، يتفقدها بروتينيه ويتحدث : تمام الحمد لله كانت الجلطه خفيفه واسرعنا في علاجها ، هي الان تحت تأثير البنج ، اسبوع كذا وتكون تمام التمام ان شاء الله ..
.....
يتصل بي هتان يخبرني انه سيأتي لأصطحابي ، يتذمر من طول الساعات التي قضيتها في بيت عائلتي ..
....: ارجعي وبكره روحي اذا مشيت لدوامي ..
اعتذر منه : مااقدر ياهتان اترك ابوي في هالوضع ، حزين مره وتعبان ..
....: خلاص بس بكره بعد دوامي راح اجيك ..
اوافق على عرضه ..
فيتحدث بهمس ساحر : اشتقت لك مرمر..
اعاود ارتداء انوثتي واهمس له : وانا بعد اشتقت لك ..
...: طيب لا تتأخرين ، والله مااقدر انام بدونك ..
يرق قلبي لرومنسيته المعتاده ، لكن قلبي يرق اكثر حال ماتذكرت والدي
..
يسألني : فلاح يضايقك ؟
اجد فرصه للشكوئ : ايه يقول "دبه ..
يقهقه ساخراً : ماعليك اهم شئ عاجبتني ، وهو اشوف شغلي معه ..
كنت اعلم انه لا يحب الالتقاء بفلاح فمابالك بمناقشته ، فبينهما تنافر عجيب ..
اعلم ان شخصيه هتان يصعب تفهمها ، وانه يبدو معتداً بنفسه ومتكبر ، ولكنه في الحقيقه يملك شخصيه طفل ..
ما ان عرفته حتى تبين لي انه مفرط في كل شئ ..
في الحب والرومنسيه ، في العطاء ، في العمل ، في كل جانب من جوانب حياته..
ولأنني اب ل قصارئ جهدي في كل شئ ، شعرت انه كان مطابقاً لي تماماً ..