الفصل 183
اجلس علئ كرسي الحديقه ، اطيل النظر في ارجائها بتأمل ، الجو جميل هذا اليوم ، اصوات العصافير وحفيف الأشجار ، كلها تنعشني ..
الحمد لله تجاوزت اشهر الحمل الصعبه ، غاب عني الغثيان والدوار والمزاج السيئ ..
امسح علئ بطني الذي بات تكوره واضحاً ، تعذبت طوال الاشهر السابقه ، كرهت ان أكل ، نعم كرهت الطعام ومضغه ، كنت اعيش علئ العصائر والشوربه ، وبات انفي اكثر حساسيه للروائح ،كرهت كل رائحه كنت احبها في الماضي ،فطلبت من صقر ان يجمع كل الروائح التي في منزلنا ويخزنها بعيداً عني ، حتئ اتعافئ من هذا الغثيان الشديد ..
الحمد لله تجاوزت هذه المرحله الان ، يقال انني الان اعيش افضل مراحل الحمل ، وان المنتصف هو دائما الأفضل ..
لكن تورم قدمي يجعلني لا اصدق ذلك ، لم اكن اعلم ان تجربه الحمل متعبه هكذا ..
في تجربتي الاولئ لم يكن الوضع هكذا ..
كان الوضع عادياً للدرجه التي لم اشعر به فيها الا حينما لفضه جسدي ..
الحمد لله علئ كل اقدار الله ، فقد جاء العوض سريعاً ، وشملتني رحمته ..
.....
للتو قرر صقر انه سيعيد ترتيب الغرفه في الاسفل من الان ، استعداداً لولادتي ..
مازال الوقت مبكراً لكنه متحمس ، يخطط ان نذهب غداً لشراء السرير وكل مايحتاجه الطفل ..
فيما امنعه انا ، وارفض لأن الوقت مازال مبكراً ..
اراقب صقر من بعيد وهو يتجول في داخل المنزل ، اتتبعه وهو يمر بالنافذه المفتوحه ، والباب الموارب ، كان يجري تعديلات علئ غرفه عبق ، فقد غادرتنا لمنزل امي نهائياً ، قررت امي ان تأخذها لتسكن معها ، اخبرتني انها لا تنوي الزواج ابداً ، وان كل رجل ارتبطت به بعد والدي كان خطأ فادح..
تفاجأت حين ما وافقت عبق ، وغادرتني وهي تحمل ارنبها لترافق امي ..
كنت حزينه لأنها تجاوزتني بهذه السرعه ، خلت انها ستتشبث بي وترفض الذهاب معها ..
بالحديث عن امي ،زارتني امي بالامس ايضاً، احضرت معها شوربه خضار ، اخبرتني ان اتناولها وغادرت سريعاً لمنزلها ..
كانت سعيده ببيتها لدرجه انها ماعادت تخرج منه بكثره ، عادت لجاراتها ، صنعت لها رفقه جديده ، من النساء في عمرها ، كانت هي بالطبع رئيسه مجموعتهن ، المسؤوله عن تنظيم اجتماعاتهن ..
اصبحت تزورني كل اسبوع مره ، ربما هي تحاول اصلاح ما كسرته الحياه بيننا ..
لكن هل هو قابل للأصلاح ؟!
كل ماتذكرت تهورها وانعدام مسؤليتها اشعر بأنني لن اسامحها ماحييت ..
لكن كلام صقر الذي يحشوه في رأسي قبل ان انام يجعلني اشعر بالضيق من ردات فعلي نحوها ومن تصرفاتي ..
ذلك انه يختار كلماته بعنايه لتأثر فيني ..
....
يستلقي بجانبي يفرد ذراعيه ويضمني ، ويحرك اصابعه في شعري ، يجلب لي النوم بحركته هذه ..
يتحدث عن شتئ الامور ، بات طقس نوم اساسي بالنسبه لي ، انا يحدثني وهو يعبث بشعري حتئ اغط في النوم ..
وفي غياهب النعاس ، انتبه لحديثه ، لا اعرف متئ بدأ في التطرق لأمي لكنه يتحدث بصدق واضح : امك ياملاذ مهما صار لا تعاملينها بسوء ابداً ، هي امك في النهايه ، يكفيها من التعب حملها فيك ورعايتك في طفولتك ،بيجينا طفل ان شاء الله وابي الله يكتب له ان يبر فينا مثل ما نبر في والديننا ، لذلك انا انصحك من كل قلبي ، عامليها بالاحسان ، وابداً لا تقطعينها ، او تتذمرين منها ..
كان حديثه صادقاً جداً ، لامس قلبي القاسي ..
كنت اعلم انني قاسيه جداً ، لكن هذه كانت رده فعلي علئ كل سنين النبذ والتجاهل منها ، انا لا املك قلباً مثل قلب صقر ، هو طيب للغايه ، قلبه نظيف ويسامح بسرعه ..
انا املك قلباً قاسياً شكلته الحياه علئ يديها ، قلباً لا يسامح ، ولا ينفك يشعر بالكره لكل من أذاه وخذله ..
لم يعش احد الخذلان اكثر مني ، خذلت اكثر من مره وكان لأمي النصيب الاكبر في ذلك ..
لكنه ايضاً كان محقاً ، حتئ ولو انني لن اكرر أخطاء امي ابداً ، لكنني لا اريد ان يعاقبني الله في طفلي بسبب سوء تعاملي معها ..
لا اريد ابنه تعاملني مثل مااعامل امي ..
كنت قد تقبلت فكره مسامحه امي ، وتهذيب نفسي معها ، لكنه جلب موضوع عمي للسطح ..
فقاطعته مباشره ، لا اريد ان اسامحه ، ابداً ..
اريده ان يموت محملاً بذنبي ، اريد ان يعذبه الله اكثر ، فهو حتئ الان لم يأخذ جزائه الذي يستحقه ..
لكنه يتجاهل عدم رغبتي في الأستماع ويكمل : فكري في الموضوع ، من عفا ساد ومن حلم عظم ..
كررت هذه المقوله حتئ غلبني النوم ، ثم زارتني في احلامي ، كنت ارددها علئ نفسي في الحلم حتئ..
كان صقر متحدثاً بارع ، لذلك كنت حذره من لسانه ، سيجبلني علئ التسامح مرغمه ..
سيردد على مسامعي شتئ عبارات التسامح ، سيخبرني انني سأرتاح بصدق متئ ماسامحت واطلقت سراح كل مشاعري السلبيه ..
يتحدث كما يتحدث طبيبي النفسي ، ذات افكار التسامح الغبيه ..
.....
يمكنني ان اخلق اعذار لأمي من الا شئ ، يمكنني ان اكذب على نفسي واعذرها ، واسامحها ..
لكن ذلك الرجل هو الذي لن اسامحه ماحييت ، صنع عقده في نفسي ، لن تفك ابداً ..
لم تكن صفعاته ، لم تكن شتائمه ، لم يكن ظلمه ..
كان ضعفي ، ضعفي الذي عرفني هو عليه ..
الذي لم اكن اعلم انني املكه ، كنت قويه حتئ انتهئ بي الامر معه ..
نبذني الجميع لمنزله ، لأتعرف هنالك علئ ماكنت اجهله عن نفسي ..
وحين ماتعرفت علئ هذا الضعف ، كسرت ..
..
لذلك وان سامحته ، لن اسامح نفسي ابداً ..
وسأوجه الكره لنفسي عوضاً عنه ..
......
————-
...
تطلب امي مني ان ازودها ببطاقات دعوئ جديده ، فبطاقاتها السابقه لم تكفي ..
انه زواج الموسم ، الكل يريد الحضور ، لذلك تسعئ لدعوه الكل ..
منذ تحديد الزواج ونحن نركض ، الجميع علئ حد سوا ..
الكثير من الحجوزات والتحضيرات ، حجزت امي مغنيه لأحياء الحفل ، لكن سمر ارادت اخرئ ،
لذلك جلبتهن الأثنتين ..
طلبت مني سمر ان تجهز هي قاعه زواجنا ، وان تصمم بنفسها زفاف احلامها ، لذلك حققت لها ماتمنته ، واعطيتها ميزانيه مفتوحه .
خشيت ان اجلب منسقه لا تواكب تطلعات سمر ، لذلك اراحني تحملها مسوؤليه ذلك ..
تفرغت انا بالكامل لحفل الرجال ، كان يجب ان يليق بمكانه عائلتي وجدي بالتحديد ..
وفي خضم انشغالنا في التجهيزات ، ابلغتني انها ستقطع تواصلها بي لحين زواجنا ..
تعذرت بأنني يجب ان نشتاق لبعضنا البعض ، وكنت غاضباً منها ، كيف لها ان تقرر بنفسها قراراً يخصنا نحن الاثنان ، سبب الانقطاع الذي تتعذر به لا يعد مبرراً له، فأنا اصبحت مدمناً علئ مكالمات الليل معها ، وامضي طول نهاري متشوقاً لها ..
لكنها استمرت بأقناعي حتئ انتهئ بي الامر موافقاً علئ مضض ، لم يبقئ الكثير ..
اووه انا متشوق لرؤيتها بفستانها اكثر من اي شئ اخر ..
في الماضي حضرت زفاف لزميل لي اجنبي ، كان منظر عروسه وهي ترتدي الابيض يبعث بالسرور ..
وكان اكثر ماشد انتباهي هو نظراته لها ..
بدأ مشدوهاً تماماً عند رؤيتها ، كما لو انه لأول مره يراها ..
لذلك كنت متحمساً لأعيش هذه اللحظات معها ، ومتحمس للسفر معها ايضاً ..