الفصل 178
توقف امام طاولتي ، لمس نظارتي بأصابعه القذره، فتكون علئ سطحها اثار بصمات ، واه كم كنت اكره رؤيه اثار البصمات عليها ، فمابالك ببصماته القذره ..
اقشعر جسدي ، صرخت عليه وانا اخرج منديلا
من جيبي لأمسحها ، لكنه قهقه ساخراً ..
التقتط علبه الماء الموضوعه علئ طاولتي ، وسكبها علي فجأه ، ليغطي الماء شعري ويتسرب بسرعه لداخل ثيابي ، ارتعشت من وقع الصدمه ، كنت اكره البلل ، اكرهه جداً ، لا احب شعور التصاق الملابس المبلله ببشرتي ، لا احب شعور تسلل قطرات الماء لداخل ثيابي ..
لا احد يتفهم هذا الشعور ، كدت ان اتقيئ ،وكدت ان ابكي ايضاً ، نعم كان الموضوع كبيراً بالنسبه لي لهذه الدرجه ..
لكن ارتطام هذا الفتئ بالطاوله وسقوطه على الارض ، اعادني للواقع ، فارقني شعور القرف هذا ، وانبهرت برؤيه درع وهو ممسك به علئ الارض ..
كان يناديني وهو يشير لطاولته : هتان جيب المويه ..
ذهبت مسرعاً لألتقط علبه الماء ، واتوجه له لأسكبها عليه ببطء ..
كنت اتلذذ وانا اراه يحاول التخلص من يدي درع ومن يدي التي تسكب الماء علئ وجهه : هه شرايك ، شئ حلو صح ؟
يطلب منه درع الأعتذار فيعتذر مرغماً لي..
اطلب منه ان يغرب عن وجهي فقط وان لا يقترب مني مجدداً ..
حسناً بالتأكيد كنت قادراً على الدفاع عن نفسي بأكثر من ذلك لكنني في الحقيقه لا احب العنف ، اضعه دائماً في اخر قائمه خياراتي ..
كنت متورطاً بكل هذا البلل الذي يغطي ملابسي ، لم اكن علئ استعداد لأتقبل هذا الوضع لذا بادر درع واخبرني ان نتسلل هاربين لمنزلي ..
كان درع فاشلاً في المدرسه علئ عكسي ، كنت نابغه اجيد حل المسائل الرياضيه بسهوله ، وكنت ايضاً لاعب كره قدم موهوب ..
اجتمعت في كل الصفات الجيده ،
حتئ انني كنت متواضعاً جداً لذلك رافقت درع ..
برغم انه كان يثير المشاكل ، يتعارك حتئ مع رباط حذائه ..
لكنه في الحقيقه كان يهتم بي، كان كأخ لي ، لم يتوانا في تقديم العون لي متئ مااحتجته ..
كان ذلك مايجعلني اتجاوز دائماً عن سيئاته ..
.....
اصل لمنزله ، اتصل به ، فيخرج مرحباً كما لو انه كان ينتظرني عند الباب ..
اترجل من السياره امده بكفي ، لكنه يسحبني لحظنه ، يقشعر جسدي احاول ان ابعده لكنه يشد في احتظانه لي اكثر ،
اه كم هي حياتي صعبه ..
اعانقه بسرعه اطبطب على ظهره ، ابادله التحيه عله يطلق سراحي ، فيفعل ..
تبعته للداخل فيما كان هو مستمراً في الترحيب بي ..
حسناً اظن انني رضيت ، اجاد درع استقبالي ...
_________
الحمد لله علئ نعمه النسيان ، تخيل لو ان الأنسان لا ينسئ ؟!
كيف سيكون حاله ؟
لو انه يتذكر كل المواقف الصعبه التي يمر بها منذ ولادته حتئ لحظته الأخيره ، لابد انه سيجن !
فكل موقف يحمل شعوراً ، والشعور يكبر معه ،
لأنه عاجز عن نسيانه وتجاوزه ..
وكل ماطال به العمر طال عذابه ، لأن الحياه لا تتوقف عن وضع تلك العراقيل امامنا ،
فتخيل انه لن يكون سعيداً بأعوامه القادمه ، لأنها بالتأكيد لن تأتي خاليه بل ستكون حملاً جديداً عليه ..
وستأتيه محمله بالمواقف الصعبه وتلقيها علئ عاتقه ليحملها لعام جديد يحمل صعوبات اخرئ ..
يدور في دائره من عذاب لا يتخلص منها الا بموته ..
لذلك يجب ان نشكر الله علئ نعمه النسيان ،
لأننا ومهما تحدثنا عن صلابه ذاكرتنا وتمسكها بكل المواقف التي نمر بها الا اننا لا ندرك ان تلك المواقف التي علقت بنا كانت فقط منتقاه منا، نحن من تمسك بها .
وان ذاكرتنا سخرها الله للنسيان الا اننا نتمسك بما نريد التمسك له من مواقف ، ونحاول ان نحتفظ بذكرياتنا عنها ..
ولو ان الله لم يكتب النسيان لكنا في عذاب مستمر ، تحت وطئت المشاعر التي لا تفقد هالتها الناضجه ، ستبقئ دائماً متجدده لا تفقد اوجها ابداً .
بت استشعر الكثير من النعم حينما بدأت في التأمل ..
كان التأمل في كل شئ دواء لروحي ، فيه وجدت ملجئ لي ..
كان يتطلب الهدوء، الانعزال ، وخلع كل مايشغلك ويقلقك قبل ان تبدأه ، وهذا كان متوفر عندي ..
حين ما اتأمل الناس من حولي ، اشعر انني في زمن آخر ، انني في كثير من الأحيان لا افهمهم ولا افهم حتئ نفسي في السابق ..
كان طبيبي يحثني عليه ، لم القي لذلك بال ابداً ..
لكنني وفي يوم كنت في المسجد ، وبعد ان انهيت صلاتي وجلست ادعوا بصمت ، انتبهت ل رجل وهو يستلقي بجانبي بعد ان انهئ صلاته هو الأخر ، يتأمل السقف بصمت ، بدأ مرتاحاً غير مبالي بما يحيط به ...
كنت اراقبه ، لا اعرف مالذي جعلني اطيل في تأمله ، بدأ كما لو انه يملك شئ ما ينقصني ..
لم يكن اول شخص اشعر انه يملك ماينقصني بالتأكيد ، لكنه كان يملك شئ احتاجه الأن ، هذا الأطمئنان الذي يغرق فيه ، الراحه التي تلونه وجهه، اكتفائه التام و انشغاله بنفسه عن العالم ..
وكما لو انه قرأ افكاري ، التفت نحوي بسرعه وابتسم ، واخبرني من غير ان اسأله : قاعد اتأمل ..
ابتسمت بسخريه ، بدأ ان ابتسامتي ازعجته ليسأل : شكلك ماتصدق بالتأمل ؟!
لا اجد ما اقوله ، فألتزم الصمت ، يخبرني ان استلقي واتأمل السقف ، فأفعل لأنني اريد الأستلقاء من الاساس ولأنني اريده ان يشغلني عن التفكير في كل افكاري البائسه المعتاده ..
اتأمل السقف ، لا اجد شئ مهماً ، شئ يرسم علئ وجهي تلك التعابير التي ارتسمت علئ وجهه قبل قليل ...
يتحدث فأنصت له : تأمل صنع الأنسان ، جمال نحته ، العلم الي وهبه الله اياه ، بناء ونحت وصنع للجمال ، انا وبعد فتره تعودت علئ تأمل اصغر الأشياء واقلها ، التأمل يريح النفس من كل شئ يعلق فيها ، الرسول صلى الله عليه وسلم كان متأمل ، كان يتأمل في كل مافي هذا الكون ، عشان كذا كان مختلف عن قومه ، وترفع عن جهلهم وعبادتهم للأصنام ..
التأمل هو اساس كل شئ...
يلتفت نحوي ، اظن انه وجد الأقتناع مرسوماً علئ وجهي ، يمدني بكفه : بدر ..
فاصافحه : فلاح ..
......
كان لقائي به قد غير الكثير من الافكار التي كنت احملها ..
التقيته بعد ذلك اكثر من مره ، في المسجد ، في ذات الصف دائماً ، يصلي بجانبي ، يتبع صلاته بركعتين ، ويستلقي لبضع دقائق ..
لم نتعرف جيداً ، لم نتبادل الأرقام او وصف المنازل ، كل مااعرفه عنه هو اسمه ،
في الحقيقه لا نتحدث كثيراً ايضاً ، هو فقط يطلعني علئ الاماكن الجيده التي يذهب لها دائما ليمارس هوايته التأمليه ، مما خلق لدي فضولاً لأذهب لها ..
ساعدتني نصيحته المقنعه ، فبت اتأمل كل شئ ، كل النعم التي املكها والتي كنت اجهلها ..
انه لشئ غريب ان تتغير نظرتك للحياه بهذه السرعه ، ان تصطدم بشخص ليقنعك بما كنت تضن انه لا فائده منه ..
لكن تلك الجالسه هناك ، تعبث بهاتفها ، دائماً ما تقاطع تأملي ، هنالك قصه لتطلعني عليها دائماً ، وسؤال تستفسر عنه ، مهما نهرتها ان لا تفعل ، هي مستمره في ذلك ..
لكنني اعلم انها فقط تحاول المساعده ، تحاول ان تسليني وتخطفني وتشغلني عن صمتي ، حتئ ولو كان هذا يزعجني ، هذه طريقتها في المساعده ..
ان غريب الاطوار ذاك لا يستحقها ، هو خساره لا اريد لها ان تخوضها لكني لا املك مااقوله..
لانني لا املك ان اقرر عنها ، او امنعها من المضي في شئ تريده ..
وهي قد قررت العوده ، بعد ايام طويله من التفكير والقلق والتوتر ..