أَحْبَبْتُ قَاسِيًا لَا يُجِيدُ الحُبَّ - الفصل 5 - بقلم همس المشاعر | روايتك

اسم الرواية: أَحْبَبْتُ قَاسِيًا لَا يُجِيدُ الحُبَّ
المؤلف / الكاتب: همس المشاعر
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 5

الفصل 5

فتح الملف وهو واقف. ما كان ناوي يطوّل. اسم… عمر… حالة… وعند السطر هذا توقّف. أسيل… مرّ الاسم قدّامه كأنه عادي. سكّر الملف. فتحـه مرّة ثانية. نفس الاسم. نفس العمر. شدّ نفسـه، وحاول يضحك بس ما قدر. مستحيل. مو هي. أسيل بالنسبة له؟ طفلة. أخت. بنت البيت اللي ضاعت. قال لنفسه: «كثير بنات اسمهم أسيل…» لكن شي داخله ما اقتنع. مشى للممر، خطواته سريعة، عقله سابقه. وقف قدّام الغرفة، ناظر من الزجاج. بنت نايمة. ملامحها شاحبة. شعرها مبعثر. قلبه ضرب بقوّة. دخل. قرّب خطوة… خطوتين. شاف خدّها. أنفها. الجرح الخفيف عند جبينها. انقبض صدره. جلس على الكرسي جنب السرير، بدون ما يحس. مدّ يده… وقف. همس بصوت بالكاد يطلع: «أسيل…؟» الصوت رجع له فاضي. لا رد. ولا حركة. شدّ يده على طرف السرير. عيونه احمرّت، بس دموع؟ لا. هو ما يبكي. هو يحمي. طلع بسرعة، صوته صار حاد: «ياسر.» لفّ ياسر: «ها؟» «من اليوم… هالحالة أنا مسؤول عنها.» استغرب: «تعرفها؟» رد بدون ما يشرح: «هي من أهلي.» وكان يقصدها بكل معنى الكلمة. أخت، مو أكثر. وقف شوي، وكمل بنبرة أخف: «لا أحد يقرب منها بدون إذني.» سأل : < من سوا فيها كذا> «أتوقع كانت تتعذّب بالميتم اللي كانت فيه… واضح عليها.» انلجم فيصل من الصدمة، كأن أحد سحب الهواء من صدره. ميتم؟ تعذيب؟ مرّت صورتها قدّامه… وهو يهمس بينه وبين نفسه: «يا الله… وش اللي وصلّك لهالحال يا أسيل؟» ما قدر يستوعب أكثر. ما عنده رفاهية ينهار. طلع جواله. اتصل. رنّ مرّة… مرتين… رد الصوت البارد: «نعم.» قال فيصل بسرعة مكبوته: «محمد… تعال المستشفى.» سكت محمد ثانيتين، ثم قال بنفس البرود: «في شي؟» رد فيصل: «لا… بس أبيك. ضروري.» صمت قصير.«تم.» وقفل،ما سأل زيادة،ما استفسر،ما عطى مساحة للكلام. بس بعد ما قفل… قام فورًا. لبس جاكيته، أخذ مفاتيحه،وطلع. خطواته سريعة، ملامحه جامدة،بس عيونه؟ كانت أغمق من العادة. لأنه يعرف فيصل. وإذا قال ضروري… فالموضوع مو بسيط. دخل المستشفى بخطوات ثابتة،أول ما شافوه الموظفين سكت المكان لحظة. مو لأنه صرخ…ولا لأنه تكلم،بس لأنه دخل،بملابسه العسكرية،وسلاحه يحتل خصره بثقل واضح،ونظرته ما تعطي مجال لأحد يسأله. الممر صار أضيق وهو يمشي فيه. كل واحد يبعد له طريق. وقف قدّام فيصل وياسر. ناظرهم بنظرة استفهام باردة. «وش فيه؟» ما كان صوته عالي…بس حاد. فيصل ما رد. بس مسك ذراعه بخفة، ومشاه للزجاج اللي يطل على الغرفة. وقفوا قدّامها محمد رفع عينه،شاف السرير. الجسم الشاحب. الأجهزة حولها. ملامحه ما تغيّرت،ولا جزء من وجهه تحرّك. بس يده…شدّت بدون ما يحس. قال بهدوء مخيف: «مين هذي؟» والهواء بينهم صار ثقيل كانت تحتل السرير بشعرها الأسود… كسواد الليل، ناعم ومنتشر حولها، واصل لنص فخذها. نايمة بهدوء موجع، حواجبها مقوّسة، وبشرتها بيضاء شاحبة، متعبّة، وعلى أطرافها آثار جروح ما تحتاج شرح. شفايفها باهتة. جسمها صغير… هزيل. واضح عليه إنها ما كانت تعيش… كانت تتحمّل. عروق محمد شدّت. تمنى لحظة — بس لحظة — إنها ما تكون هي. تمنى يكون تأخر…تمنى يكون الخبر غلط…تمنى يكون فات الأوان قبل ما يشوفها بهالشكل. بس لا،عرفها،عرفها من أول نظرة. حتى وهي ضعيفة،حتى وهي مكسورة. قال بصوت بارد… أهدأ من اللازم: «مين هذي؟» ما كان يسأل لأنه يجهل. كان يسأل لأنه يبغى يكذّب. يبغى أحد يقول: مو هي. لكن قلبه كان أسرع من أي إجابة.قال فيصل بهدوء ثقيل: «أسيل.» الاسم نزل بينهم مثل حجر. محمد ما رمش. ولا تغيّرت ملامحه. أخرج أبرد ما عنده وقال: «ليش تناديني؟ قول لأمك… مو لي.» زفر فيصل بضيق. يعرفه. يعرف إن البرود هذا مو طبيعي. كمل بصوت ثابت: «تعرضت لانهيار عصبي… ضغطها نازل، واضح تتعرض للشمس كثير، ما تتغذى زين، عندها نزول دم…» سكت لحظة، ثم قال بوضوح أقسى: «وفي آثار تعذيب.» عروق محمد برزت برقبتـه،فكه انشد. سأل بصوت منخفض خطير: «من مين؟» رد فيصل: «ميتم.» ما قال شي بعدها. لفّ ومشى. خطواته سريعة، ثقيلة، كأن الأرض ما تكفيه. طلع خلف المستشفى، سحب علبة سجائر، أشعل وحدة بيد ثابتة أكثر من اللازم. أول نفس دخان كان عنيف،عيونه صارت أغمق،صدره يعلو وينزل بقوة. طلع جواله. اتصال. ثاني. ثالث. صوته ما كان عالي… كان مخيف. «أبي كل شي عن الميتم الفلاني.» «أسماء. إداريين. كاميرات. كل شي.» «واللي له يد بالموضوع… جيبوه لي.» قفل. ورمى السيجارة وداسها برجله،همس بينه وبين نفسه، وصدره يغلي: «اللي لمسها…» سكت. عينه لمعت بشي ما هو رحمة. «يتمنى الموت… وأنا ما أعطيه هالراحة.»