الفصل 4
صحَت وهي تعتمد على المويه اللي تنكبّ على وجهها كل صباح، قامت مفزوعة على صراخ المديرة المعتاد.
ما أعطته اهتمام، تعوّدت.
راحت تشتغل، وكالعادة… تنظيف الحوش،تحسّه عقاب أكثر من شغل.
مسحت عرق وجهها، والدوار بدأ يلعب براسها من حرارة الشمس.
خطت للداخل أول ما سمعت اسمها.
تكرهه…
تكره اسمها إذا طلع من فمها.
دخلت مكتب المديرة، واستغربت.
جلّستها.
على غير العادة.
دايم تخليها واقفة لين تخلص كلامها وترميها برا.
بدأت المديرة تتكلم............
بس عقلها كان بعيد.....ما كانت تسمع شي،كل شي وقف…
أول ما سمعت اسم عائلتهم.
آل……
آه......
احمرت عيونها بالدموع.
ليش الحين؟
ليش الاشتياق فجأة؟
هزّت راسها من داخلها:
مستحيل.
مهما اشتقت، ما برجع لناس ما سألوا عني ولا مرة.
كانت تحاول تتمالك نفسها…بس ما لحقت،الدنيا لفّت فيها،الصوت اختفى،والنور انطفأ،ووقعت…
قبل حتى ما تحس بنفسها.
بمكانٍ ثاني…
قرر اليوم يروح المستشفى، بطلب من أبوه، عشان يعتاد على أجوائها، خصوصًا إن تخصّصه في الجامعة طب.
كان يقول لنفسه إن المكان لازم يصير مألوف،
بس الحقيقة؟
كان يهرب للشغل أكثر مما يستعد له.
لبس ملابسه المخصّصة، وعلى صدره مكتوب بخط عريض اسم عائلتهم
Al …
شدّها عليه وهو يتأمل الاسم لحظة… اسم ثقيل، ومسؤولية أثقل.
نزل.
سلّم على أمه، ولقاها جالسة بالصالة مع سعود ولد أخته.
وقف وقال بابتسامة خفيفة:
«البيت منوّر.»
طلعت سوار من الغرفة،ابتسم لها، وفتح ذراعيه.
قال وهو يطالع بطنها:
«وشلون الحمل يا سوسي؟»
ابتسمت وضربت على بطنها بخفّة:
«زي الفل.»
ابتسامته كبرت شوي،الأطفال يلينونه غصب.
أمه كانت تراقب لبسه، نظرة أم تعرف ولدها زين، وقالت:
«عندك تدريب فصول؟»
رد بابتسامة جانبية:
«إيه… وبعدين أنا فيصل مو فصول.»
ضحكت،
بس ضحكتها وقفت لما قالت بهدوء مقصود:
«وش صار بموضوع أسيل؟»
سكت.
ما رد مباشرة،شدّ فكّه، ونفَسه ثقل.
تنهد…تنهدة طويلة.
كانت كافية.
أمه فهمت،للآن لا خبر،ولا أثر،ولا طمأنينة.
وهو؟
حاول يرجع يلبس بروده…
بس اسمها كان للحظة،أقوى من كل محاولاته ، شعور سئ ان تفقد من كانت في يوم من الايام أختك ...
دخل الصالة عليهم، وناظرهم باستغراب.
عرف فورًا… كانوا يتكلمون عنها.....أول ما شافوه، سكتوا.
شدّ يده بهدوء، ما يبغى غضبه يبان.
سلّم على أمه كعادته،على سوار ببروده المعروف،وعلى فيصل،وجلس.
دخل أبوه بعدها، سلّم وجلس، وقال بنبرة فخر:
«ما شاء الله يا محمد… الشغل عم يزدهر، ونحقق أرباح أكثر، كله بفضل الله ثم بفضلك يا ولدي. خليتني أرفع راسي قدّام الرجال وأقول: هذا ولدي محمد، اللي ماسك ثلاثة أرباع شركاتي وأعمالي.»
اكتفى بابتسامة خفيفة.
ما قال شي.
الأب طالع فيه شوي، وبنبرة أقل هدوء قال:
«بس يا محمد… متى بتترك هالهَبَال ذا؟ مو فاهم ليه عاجبك شغلك ذاك، وأنت عندك حلال تديره. منت محتاج لهالشغل.»
نفَسه تسارع.....يكره أحد يتدخل بشغله.
رد ببرود حاد:
« أتوقع كان شرطي يا يبى بس أمسك اشغالك تتركني أكمل بعملي وانت وافقت وكل ذا عشان ارضيك وارفع راسك لكن أني اترك عملي لا ، ولسه بكمّل بعملي. ترى كنت اقدر أعاند وما أمسك شركاتك ولا شي وانا قادر بس عشان رضاك سويت كذا ، بس سويت كذا عشان أرضيك. شغلي هذا يا يبا ما راح أتركه، وما وصلت له بالساهل. المفروض ترفع راسك بعد… ولدك معه رتبة عالية ما وصلوا لها اللي اكبر منه.»
الأب هزّ راسه بضيق:
«بس تتعب نفسك، وتعرّض روحك للخطر بهالمجال.»
رد بدون ما يطالع:
«أتوقع انتهينا من الموضوع هذا وبعدين مو هبال اللي يحمي الوطن بتسموه شغل هبال»
تدخلت أمه بصوت مكسور:
«محمد… ما لقيت إلا هالمداهمات؟ أخاف والله أفقدك.»
وقف فجأة.
قام بعصبية، من المجلس…ومن الكلام اللي طفح صدره منه.
طلع وهو يحس إن المكان صار ضيّق،وإنهم كلهم ما يشوفون غير الخطر…
وما يشوفون السبب.
ولا الوجع اللي مخليه يتمسك بشغله أكثر.
خرج هو الثاني للمستشفى، يحاول يهدّي أعصابه.
تنهد وهو يدخل… لين سمع صوت عالي:
«فصصصصصللللووووه!»
لفّ وشاف ياسر يأشر له من بعيد.
ابتسم رغمًا عنه ومشى له وهو يقول:
«ولد، إحنا بالمستشفى… وبعدين ماني أصغر عيالك عشان تقول فصول.»
ضحك ياسر وقال:
«واضح اليوم منت مروق.»
عطاه فيصل نظرة تحذير ومشى قدامه، وياسر يلحقه وهو يضحك.
يا هالصديق… صديق طفولة، يكبره بثلاث سنين، وأثبت جدارته وتوظف بدري وهو بعمر ٢٣.
وصلوا للرسبشن.
أول ما شاف ياسر اللي واقفة هناك قال:
«أعوذ بالله… هات أقولك وش صار قبل لا تجي.»
فيصل عقد حواجبه:
«وش؟»
ياسر قرّب منه وقال بصوت أخف:
«جتنا بنت، عمرها تقريبًا ١٨… جميلة مره ما شاء الله.»
فيصل لفّ له بسرعة:
«تؤ تؤ… كم مرة قلت لك غضّ البصر يا قليل الأدب؟»
ياسر رفع يده:
«خلني أكمل بس! البنت مو متغطية، ولا حتى لابسة حجاب… وجابوها مغمى عليهاةالمهم يا ولد… أنت تعرف وش نسوي للمغمى عليهم، بس طلع معنا إنها جاها انهيار عصبي.»
وقف فيصل مكانه.
ركّز.
قال ياسر وهو يمشي:
«وبعد الفحوصات شفنا… آثار تعديب»
سكت لحظة، ثم كمل:
«ولا هذا بس، البنت عندها نزول بالدم، والضغط نازل، وواضح إنها ما تاكل.»
شدّ فيصل فكه،شي ثقيل مرّ في صدره.
ياسر زفر:
«الحين الشرطة تحقق بالموضوع، والبنت داخلة بغيبوبة… احتمال تجلس من يومين لأربع أيام.»
التفت فيصل له بحدّة خفيفة:
«حالتها مستقرة؟»
هزّ ياسر راسه:
«مستقرة… بس مو مطمئنة.»
سكتوا لحظة.
صوت المستشفى حولهم، بس فيصل كان بعيد.
بنت.
انهيار.
تعديب.
غيبوبة.
١٨سنة.
شي داخله انشدّ، إحساس ما عرف له سبب.
قال أخيرًا بنبرة حازمة:
«وينها؟»
رفع ياسر حاجبه:
«ليه؟»
رد بدون ما يلتفت:
«بس… أبغى أشوف الملف.»
ومشى.
وهو ما يدري ليه قلبه يدق أسرع من اللازم…ولا ليه اسمها، اللي ما يعرفه للحين،
حاسه صار ثقيل عليه.