أَحْبَبْتُ قَاسِيًا لَا يُجِيدُ الحُبَّ - الفصل 3 - بقلم همس المشاعر | روايتك

اسم الرواية: أَحْبَبْتُ قَاسِيًا لَا يُجِيدُ الحُبَّ
المؤلف / الكاتب: همس المشاعر
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 3

الفصل 3

صحَت من نومها مَفْزُوعَة… نَفَسها متقطّع، وقلبها يدق بقوّة. نفس الحلم. نفس الوجع. قامت بهدوء، راحت تشرب شوية مويه، وغسلت وجهها. ناظرت نفسها بالمرآة لحظة… وعرفت إن النوم مستحيل يرجع لها. طلعت للحوش. الليل هادي، والجو ساكن. رفعت راسها تتأمّل النُّجُوم، تحاول تلاقي شي يهدّيها. تنهدت بعمق… ومرّ طيفه على ذاكرتها. غصب عنها. ومن غيره؟ هو اللي زلزل كيانها من أول نظرة. ابتسمت ابتسامة خفيفة، حزينة. كانت صغيرة… وأُعجبت به بدون ما تفهم معنى الإعجاب. حب طفولة بريء… بس ثقيل. هو نفسه… اللي ما عاملها يوم بلطف. دايم قاسي. دايم صعب. وما كانت وحدها. حتى إخوانه وأخواته كانوا مثلها . كأن القسوة كانت لغته. تنهدت مرة ثانية، وهمست بصوت بالكاد يُسمع: «آه… ليه أتذكرك الحين يا محمد؟» قلبها انقبض. سؤال جا فجأة، ووجع معه: «يا ترى… ارتبط؟ تزوج؟ صار لغيري؟» اسم الجود مرّ بخاطرها. وتجمّدت. شدّت على نفسها، لفّت ذراعيها حول صدرها، وكأنها تحمي قلبها من فكرة ما تبغى تكملها. النجوم فوقها كانت بعيدة… وأحلامها أبعد. وهي واقفة، بين ليلها، وذكرى شخص ما قدرت تنساه… ولا قدرت تعترف له يوم. مرّ عليها فلاش باك فجأة… كانت بعمر عَشْر سِنِين يوم قرروا أمها وأبوها يسافرون لألمانيا… بلد أمها. ما كانوا يقدرون ياخذونها معهم. ولا كانوا يقدرون يخلّونها عند أمها المرضعة. تنهدت بألم. علاقتها بأهلها… ما كانت يوم علاقة أم وأب حقيقيين. أمها ألمانية، وأبوها سعودي. تزوجوا عن حب. حب كبير… لدرجة إنهم ما كانوا يبغون أطفال أصلًا. لكن قَدَر الله… وجت هي. يوم انولدت— أمها ما حطّتها حتى على صدرها. ولا ضمّتها. ولا رضّعتها. على طول أعطتها لصديقتها… اللي كانت والدة قبلها بثلاث شهور. صديقتها أرضعتها مع ولدها. وأصبح ذاك الولد… أخوها الوحيد. رَعْد. أمها المرضعة… سارة… كانت عوض الله لها. ما فرّقت يوم بينها وبين رعد. حضنتهم بنفس الدفا، بنفس الحنان. عاشت مع رعد سبع سنين من أجمل سنين عمرها. يضحكون، يتهاوشون، ينامون جنب بعض… عائلة حقيقية. أما أهلها؟ كانوا يجون مرة في السنة. زيارة سريعة. هدايا. ابتسامات باردة. ويمشون. ولما صار عمرها سبع سنين هي ورعد… توفّى أبو رعد، زوج أمها سارة. الدنيا انقلبت. قرروا أهلها ياخذونها معهم لفرنسا. وهي تبكي، متعلقة بثوب سارة، وتصرخ باسم رعد. بس ما أحد سمعها. عاشت معهم ثلاث سنين… وحدة ثقيلة. اشتاقت لرعد لدرجة توجع صدرها. كانت كل ليلة تنام وهي تتخيل صوته. تعلمت الألمانية— صارت لغتها الثانية. وتعلّقت بأمها… رغم إنها ما كانت تعطيها الاهتمام اللي تحتاجه. كانت تحاول ترضيها بأي شي… بس دايم تحس إنها زيادة عن الحاجة. طفلة تحاول تكسب حب أمها… وأم مشغولة بحب زوجها. ولمّا صرت بعمر عَشْر سِنِين… أخذني أبوي للسعودية. قال لي بنبرة عادية كأنه يسولف عن مشوار بسيط: «بودّيك بيت صديقي.» بيت صديقه… تنهدت بحرقة وهي تتذكر. يا لهذه العائلة… كل شي عندهم أصدقاء، وأنا؟ كنت أفقد الناس واحد ورا الثاني. كنت أبكي، أتشبّث بثوب أبوي بكل قوتي. أخاف. ما أبغى أذوق طعم الفقد مرتين. كنت أقول له وأنا أرتجف: «لا تخلّيني…» بس ما كان يسمع ولا يبغى يسمع وصلنا. ما كان بيت…كان قَصْر أبوابه عالية، أسواره ضخمة، شي يخوّف طفلة صغيرة. عرفت بعدها إنهم من طبقة الأرستقراطيين. عندهم مدارس. مستشفيات. جامعات. مراكز أراضي. عمارات. ومجمّعات كاملة باسمهم. دخلنا القصر… وأنا للحين ماسكة بثوب أبوي،يدي صغيرة، ترتجف،وأملي الوحيد إنه يحنّ عليّ شوي. كنت أضغط أصابعي على ثوبه أكثر،كأني أقول بدون صوت: <خلّيني معك… لو شوي.> لكن قلبه كان بعيد بعيد مرّة. وكل خطوة داخل القصر… كانت خطوة أبعد عن الأمان، وأقرب لحياة ما اخترتها. استقبلنا صديقه أحسن استقبال ابتسامة، ترحيب، كلام دافي… بس أبوي؟ تركني على طول ولا جلس معي ولا طمّنّي. ولا قال: «برجع.» كنت طفلة…دموعي تنزل بلا توقف عيوني كانت معلّقة بظهره وهو يلفّ ويمشي. يمشي وكأني مو موجودة. ما التفت. ما وقف. ما سأل. كنت أناديه بصوتي الصغير: «بابا…» ولا كأن الصوت وصله. تشبّثت فيه، حاولت أمسك بثوبه،بس دفعني،دفعة خفيفة… بس كسرتني. راح وأنا واقفة أناديه،يمكن يلتفت…،يمكن يحنّ…،يمكن يتذكر إني بنته. بس ما صار شي. بهذاك اليوم… ما حسّيت إني يتيمة إلا وأنا وأبوي وأمي عايشين. وفجأة— ذاك الحضن. حضن شدّني بقوة،حضن دافي… صادق. رفعت وجهي،وكان أبو محمد،ضمّني بحنية أب… حنية عمري ما شفتها من أبوي. كان يمسح على راسي وهو يقول بصوت هادي: «لا تبكين يا بنتي…لا تبكين…لا تخافين يا أسيل،أبوك بيرجع.» كلماته كانت كذبة حلوة… بس الحضن؟ كان حقيقي. آه من ذاك الشعور…شعور الحنية اللي دخل قلبي فجأة،وخوفني بنفس الوقت. لأني لأول مرة… عرفت كيف يكون حضن الأب. أخذني ذاك اليوم لزوجته. ويالله… حنيتها كانت أحسن من حنية أم،ضمّتني وقالت بابتسامة دافية: «أنا رنا، عمري ستة وثلاثين… ناديني باللي تبين.» بدون تفكير قلت: «ماما.» شدّتني لصدرها، وحسّيت دموعها تنزل على كتفي. كأنها هي بعد كانت محتاجة هالحضن. أخذتني للصالة، وأشارت لهم وقالت بصوت عالي: «اسمعوا… أسيل من اليوم أختكم الجديدة.» الكل التفت لي. سوار، أربعة عشر. رغد، ثلاثة عشر. فيصل، اثنا عشر. رائد، أحد عشر. فرح وريم، توأم بعمري… عشرة. وزيد، تسع سنين. ابتسموا، عرّفوني على نفسهم،وبدأنا نلعب. ذاك اليوم نسيت بكاي شوي. استقبلوني بحب،بس بداخل قلبي… كانت فيه غصّة صغيرة. تقول بهمس: «أبغى أبوي.» صحيت اليوم اللي بعده بدري، وقلبي مليان فكرة وحدة… أبغى أبوي. كنت أحسبه تحت، ينتظرني، ندمان، جاي ياخذني. لبست جزمتي بسرعة، وطلعت أهرب بدون ما أحس. نزلت… اتجهت للحديقة... واكتشفت إن اللي قدّامي مو حديقة. ضحكت بمرارة،هذي مو حديقة… هذي غابة..أشجار طويلة، طرق متشابهة، وصمت يخوّف. مشيت وأنا أنادي: «بابا… ماما…» ولا أحد رد. تقدّمت أكثر، أركض بين الشجر، وأنا أنادي أهلي،وصوتي يرجع لي صداه بس. آه من شعور الضياع…مو بس بالجسد،بالقلب بعد. شوي شوي ضيّعت الطريق. ما عاد أعرف من وين جيت، ولا وين أروح. دموعي كثرت، وصوتي علا. صرت أصرخ من قلبي: «فيه أحد؟!» كنت طفلة…ضايعة، خائفة،وأول مرة أفهم إن أبوي ما كان تحت…ولا كان ينتظرني. ركضت وأنا أبكي، أنادي أمي أو أبوي، أركض وعيوني مغمّضة..... لين فجأة حسّيت إني اصطدمت بشي قوي. سمعت صراخ شاب بعصبية: «ما تشوفين؟» فتحت عيوني ورفعت راسي… كان طويل. شاب بعمر ثمان عشر تقريبًا. آه… محمد. يكبرني بثماني سنين. أول ما شفت بشر قدّامي، ارتميت عليه بدون تفكير. مو حضن…..كنت أحضن رجله من طوله،نزل لمستواي، مسك دقني ورفع وجهي. كان لاف على وجهه شاش، نص وجهه مخفي، والنص الثاني باين… بعين وحدة تناظرني. تنهد وقال بصوت أقل حدّة: «من انتي؟» مسحت دموعي بيديني الصغار وقلت بصوت مكسور: «أبغى ماما…» قال بعصبية: «وأنا من وين أجيبها؟» نزلت دموعي أكثر. تنهد مرة ثانية، كأنه حاول يهدأ: «طيب… لا تبكين انتي جاية من القصر؟» هزّيت راسي بنعم، وخزّيته تحت. وفجأة سمعت صوت شاب ثاني بنفس عمره، يضحك: «ههههه لازم أوثّق… محمد الحنون!» محمد لفّ عليه بحدّة وقال: «أقول اتحاشني، لا أعطيك طَراق أطيرك.» وسحبني من يدي بهدوء، وأنا للحين أبكي… بس قلبي لأول مرة من يوم وصلت حسّ بشي يشبه الأمان. رجعت للواقع وهي تحس سيل الدموع بدأ ينزل. الذكرى سحبتها بقوة، وخنقتها. مسحت خدّها بسرعة، وأخذت نفس عميق،قررت تروح تنام…يمكن النوم يرحمها شوي. الغد مليان شغل،ومكانها هنا ما يسمح لها تتعب زيادة. تمدّدت على سريرها،وعيونها تقاوم الدموع،تحاول تنام… بس قلبها كان للحين هناك، في ذكرى قديمة، مع طفلـة ضايعة… وشاب قال لها: لا تبكين.