أَحْبَبْتُ قَاسِيًا لَا يُجِيدُ الحُبَّ - الفصل 2 - بقلم همس المشاعر | روايتك

اسم الرواية: أَحْبَبْتُ قَاسِيًا لَا يُجِيدُ الحُبَّ
المؤلف / الكاتب: همس المشاعر
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 2

الفصل 2

وأخيرًا خلصت كل مهامها لليوم. مسحت جبينها بظهر يدها، وجلست جنب بنات الميتم. كانت تراقبهم وهم يضحكون، يتهاوشون على أشياء تافهة، يتصالحون بسرعة… وبدون ما تحس، بدأت تتعلّق فيهم. كانوا لطيفات. بسيطات. وقلبها يحاول يقنعها إنهم صاروا مثل أخواتها. سرحت… كيف وصلت لهنا أصلًا؟ تنهدت بعمق، وصدرها ضاق وهي تتذكّر. فلاش باك كانت تبكي بحرقة… فقدت آخر شخص بقى لها. آخر حضن. آخر أمان. وقفت قدّام نفسها وهي تقول: «ما عاد فيه سبب أعيش…» الدنيا صارت فاضية. ما عندها أهل. ما عندها بيت. ما عندها أحد. مشت للميتم وهي ترجف، أملها الوحيد إنهم يعيلونها، يحتوونها، يعطونها سقف بس… بس مكان تنام فيه بدون خوف. دخلت وشافت امرأة جالسة تكتب خلف مكتبها. عرفت إنها المديرة. حكت لها كل شيء. دموعها نازلة، صوتها يتقطع، قلبها مكشوف قدّام غريبة. وكانت تظن… إنها بتكون العِوض. ابتسمت بسخرية خفيفة وهي تتذكر. «العوض…» المديرة دخلتها فعلًا. لكن مو كيتيمة. قالت لها ببرود: «تدخلين هنا… بس كعاملة. تخدمين البنات، تنظفين، تشتغلين. هذا الشرط.» كانت بعمر سِتَّة عَشَر سنة. طفلة. لكن ما كان عندها خيار. يا تقبل… يا الشارع. ومن يومها بدأ جَحِيم ثاني. مو صراخ بس. مو تعب بس. إهانة يومية. تذكير مستمر إنها مو مثلهم. رجعت من سرحانها على يد صغيرة تلوّح قدّام وجهها. رفعت عيونها. نورة. تكلمت بصعوبة، بحروف متكسّرة ببراءة: «أثيل… شيني؟» ابتسمت أسيل رغم التعب اللي بداخلها. انحنت، شالتها من الأرض، ورفعتها للهواء. ضحكة نورة الصغيرة خففت عنها شوي. هي تحب الأطفال كثير… يمكن لأنهم الوحيدين اللي يشوفونها بقلبهم، مو بمكانتها.ضحكات نُورَة رجّعتها سنين لورا… ذكّرتها بضحكتك يا سعود. تنهدت بحرقة وهمست: آه… المفروض أن يكون الحين أكبر من نورة بخمس شهور. يعني تقريبًا ثلاث سنين. وينهم الحين؟ إيش يسوّون؟ كيف صارت حياتهم بدونها؟ اشتاقت لهم… لِفَرَح، لِفَيصَل، لِرَائِد، لِزَيْد، لسُوَار، لِرَغَد، ولِرِيم. وحتى… الأم اللي احتوتها كأنها بنتها، والأب اللي حضنها بدون سؤال. تنهدت مرة ثانية، ووجعها كبر: «يا ترى… يتذكروني؟» اشتاقت لفيصل أكثر. كان لها مثل الأخ… السند اللي ما يتخلّى.. وجا على بالها اسم فجأة… محمد. حتى هو اشتاقت له. رغم إنها عمرها ما قدرت تطالع بعينه من هيبته. وكان معه دايمًا خالد، صديقه. مرّت أربع سنين من يوم راحت عنهم. أربع سنين ثقيلة… كأنها دهر. فجأة— حسّت ضربة قويّة على ظهرها. انكسر ظهرها. لفّت بسرعة. سهى كانت تضحك وتقول بطقطقة: «صرتِ تسرحين كثير… يِتْهَنّى اللي ماخذ تفكيرك.» ابتسمت أسيل ابتسامة خفيفة، باهتة. هالبنت مو طبيعيه لازم اتعلم منها عدم اليأس رغم انها لا تعرف حتى من هم اهلها الا انها تملأ الميتم بضحكاتها تدري انها من جواتها مكسورة وحاسة فيها … لازم تعرف تخبّي وجعها. نزّلت نورة بهدوء، وانحنت، تمسك حذاءها، تلحقها… وكأن شي ما صار. وكأن قلبها ما كان قبل لحظة مليان أسماء… وحنين… وكسرة. وقفت مكانها، تناظر المديرة بعيون متوسّعة… ولا لحقت تستوعب— كَفّ قوي نزل على وجهها. راسها لفّ من الضربة، وحرارة صفعتها حرقت خدّها قبل قلبها. سهى ركضت بسرعة، وقفت قدّامها وهي تصرخ: «كِسْر اللي تِكْسَر يدك! لا تمدّين يدك عليها!» المديرة دفعت سهى بقسوة، ومدّت يدها تشد شعر أسيل بقوّة، وصوتها مليان غضب: «أنا مو جايبتك وأطعميك ببلاش عشان تلعبين !» أسيل تأوّهت، يدها تشد على معصم المديرة بلا فايدة. سهى صرخت بسرعة، تحاول تنقذها: «أنا ضربتها! أنا! وهي لحقتني!» لفّت المديرة على سهى بنظرة مخيفة، وصاحت: «ولا كلمة يا سهى! لا أعطيك طَراق يِعَدِّلِك! اِنْقَلِعِي لغرفتك… بِسُرْعَة!» سهى تراجعت، عيونها على أسيل، تبغى تقول شي… بس ما قدرت. أسيل وقفت، ماسكة دمعتها بقوّة. تحس صدرها ينهار من الداخل، شي يتكسّر وما له صوت. كانت مبسوطة… رغم كل شي. مبسوطة إن أحد وقف معها. إن أحد دافع عنها. بس الفرحة كانت صغيرة… والقهر كان أكبر. نزلت راسها، وسكتت. لأنها تعلّمت إن البكاء هنا ضعف…وإن أقسى الوجع هو اللي ينبلع بصمت. صرخت بوجهها المديرة، صوتها يجلجل بالمكان: «اِنْقَلِعِي على شُغْلِك!» رفعت أسيل عيونها شوي، صوتها طالع مكسور وهي تقول: «خَلَّصْتُه…» ولا كملت— طَراق ثاني نزل على وجهها. أقسى من الأول. صرخت المديرة بجنون: «قلت اِنْقَلِعِي! نَظِّفِي الحَوْش… الحين!» أسيل انصدمت. مو من الضربة… من الوقت. الدنيا عزّ الظهر. الشمس واقفة فوق راسهم، حارقة، الهواء ثقيل، والنفَس يطلع بصعوبة. كانت تبغى تتكلم. تبغى تقول إن الشمس قوية… إنها تعبانة… إنها إنسانة. بس بَلَعَت الكلام. كتمته مع دمعتها، ومشت. رايحة تنظف الحوش بقِلّة حيلة، خطواتها بطيئة، وظهرها محني، تحس كل خطوة تسحب منها شي. الحرّ يحرق جلدها، والقهر يحرق قلبها أكثر. كانت تنظف… وكل ضربة شمس، كانت تحسها عقاب على شي ما تعرفه. ولا أحد سأل. ولا أحد وقف. غير صمتها…. اللي صار أثقل من أي صراخ.. بمكان ثاني خصوصا بغرفته ... صحى من نومه على صوت جواله اللي يرن بإلحاح. فتح عيونه بضيق، مد يده بدون ما يرفع راسه، وردّ بنبرة ناعسة لكنها ثقيلة: «نعم.» جاه صوت خالد من الطرف الثاني: «محمد! قوم، ليش نايم للحين؟» اعتدل في جلسته، مسح على وجهه ببرود وقال: «لقيت تحاسبني على نومي؟ أقول انقلع… لا أعطيك بلوك.» خالد تنهد بضيق: «محمد، أتكلم من جد. تعال… في موضوع مهم.» سكت لحظة، صوته تغيّر شوي، صار أهدأ… أخطر: «جمّع الفريق. وانتظروني.» وسكّر الخط بدون زيادة كلمة. قام من سريره، خطواته ثابتة. دخل الحمام، والموية الباردة تنزل على جسده، تصحّيه بالكامل. وجهه رجع جامد، ملامحه مقفلة… كأن النوم ما مرّ عليه. طلع، لبس لِباسه العسكري بإتقان. رتّب ياقة بدلته، عدّل أزراره، وحط سلاحه على خصره بحركة متعوّد عليها. أخذ جواله، ونزل الدرج بهدوء. مرّ من الصالة، لمح والدته جالسة. وقف لحظة. «صباح الخير، يمّه.» رفعت رأسها بابتسامة خفيفة: «صباح النور يا محمد.» قرب منها، سلّم عليها، قبّل راسها باحترام. بروده يختفي قدامها… بس للحظة. رجع مشى للباب، وهو يرجع يلبس قناعه من جديد.وقّفه صوت أمه قبل لا يطلع: «محمد… تعرف وين أسيل؟» تغيّرت ملامحه فجأة. الفكّ تشدّد، وعيونه اِغْمَقَّت أكثر. العروق برزت في رقبته ووجهه، كأن اسمها لحاله ضغط على جرح قديم. لفّ لها بحدّة، صوته طالع بعصبية مو متحكَّم فيها: «لا تسأليني عنها.» كانت كلماته قصيرة… قاسية… لكن وراها نار. أمه حاولت تقول شي، بس هو سبقها. لفّ وطلع بسرعة، خطواته ثقيلة، الغضب واضح بكل حركة. فتح باب سيارته بعنف، ركب، وهو يسكر الباب بقوّة. مسك المقود، شدّ عليه، ونفَسه طالع حاد. تمتم بينه وبين نفسه بصوت مخنوق: «آه منك يا أسيل…» شغّل السيارة وانطلق، وكأن الطريق قدّامه هو الشي الوحيد اللي يقدر يهرب له من اسمها… ومن الذكريات اللي ما قدر يدفنها مهما حاول.