الفصل 1
صحَت مفزوعة من دفعة ماي بارد انكبّ فوق وجهها، شهقتها طلعت مخنوقة وهي تجلس فجأة، صدرها يعلو وينخفض كأنها كانت غرقانة،
عيونها ارتفعت ببطء، محمّرة، الدموع متجمعة فيها، وكل شي قدّامها ضباب.
المديرة واقفة فوق راسها، ماسكة الإبريق بيدها، ونظرتها مليانة احتقار.
صرخت بصوت يجرح الأذن:
"أسيلووه! يا بنت الكلب! يا حمارة! للحين نايمة؟!"
أسيل جمدت مكانها، الدموع نزلت بدون إذن، دمعة ورا دمعة، حاولت تكتمها بس ما قدرت.
كانت تحس نفسها صغيرة، ولا شي.
المديرة قربت منها أكثر، نزلت لمستواها، وصوتها صار أخطر من الصراخ:
"إيش تحسبين نفسك؟ نايمة وأنا أدورك؟! قامت قيامتك اليوم، تفهمين؟!"
دفعتها بيدها وهي تكمل:
"تتأخرين بالنوم، تتأخرين بالشغل، وبالآخر تجين تبكين؟! لا تبكين! البكاء ما ينفعك هنا!"
أسيل قامت بسرعة وهي تترنح، رجولها مو ثابتة، راسها مطأطأ كأنها تبغى تختفي.
حاولت تمسح دموعها بكمّها، بس القهر كان أثقل من يدها.
المديرة رفعت صوتها مرة ثانية:
"آخر مرة أشوفك بهالحالة! مرة ثانية بتطيرين من هنا، سامعة؟!"
أسيل هزّت راسها بخفة، صوتها ما طلع.
كل اللي كانت تحس فيه إن كرامتها تنسحب منها حبة حبة…وهي واقفة، ساكتة، تنكسر.
ركضت للحمّام وسكّرت الباب وراها بسرعة، كأنها تهرب من الدنيا كلهاوقفت لحظة، تتنفس بصعوبة… وبمجرد ما استوعبت إنها لحالها، اِنْهَارَت.
سندت ظهرها على الباب، وانزلقت لين جلست على الأرض الباردة.
شهقاتها تعالت، بكاها كان مو بس دموع… كان وَجَع متراكم سنين.
رفعت راسها ببطء، وناظرت انعكاسها في المِرآة.
وجه شاحب، عيون منتفخة، نظرة ضايعة ما تشبهها.
همست بصوت مكسور:
«مو هذي حياتي… مو أنا اللي كنت أحلم أكون كذا.»
دموعها زادت، وصار صدرها يعورها من كثر ما تبكي.
تذكّرت كل شي فجأة… وكل الذكريات هجمت عليها بدون رحمة.
الكل تخلى عنها.
الكل راح.
ارتجف صوتها وهي تهمس:
«ليش تركتوني…؟»
أمّي… أبوي…
أخوها رعد أخوها الوحيد أخوها من الرضاعة…
وأمّها المرضعة اللي كانت الحضن الأخير لها…
كلهم راحوا، وكلهم خلّوها تواجه هالدنيا لحالها.
ضغطت يدها على صدرها كأنها تحاول تمسك قلبها قبل لا ينكسر زيادة.
«أنا ما أستحق اللي يصير لي… فقدتكم كلكم… ليه أنا؟»
سرحت بخيالها، تتخيل ضحكاتهم، أصواتهم، دفء وجودهم…
تحس للحظة إنهم قريبين، كأنهم وراها.
وفجأة—
دقّ قوي على الباب.
انتفضت.
الصوت كان عنيف، كأن الباب شوي ويِنْكَسِر من قوته.
صراخ المديرة من برا:
«أَسِيل! افتحي الباب! لا تخلّيني أكسره فوق راسك!»
قلبها رجع يدق بسرعة، دموعها ما وقفت، بس مسحتها بسرعة.
الواقع رجع يصفعها من جديد.فتحت الباب بسرعة، وطلعت وهي منزّلة راسها.
عيونها للحين محمّرة، وأنفاسها مو منتظمة.
بداخلها كانت تقول:
آهٍ منها… هالمديرة بالذات.
ما أحد تعاملت معه كذا غيري أنا.
صحيح إنها تقسى على كل بنات الميتم، تصرخ عليهم، تعاقبهم…
بس معي أنا الموضوع مختلف.
كأنها تتعمّد تكسّرني.
كأن وجودي يضايقها.
ما تدري ليه.
ولا تدري إيش سوت عشان تستاهل كل هالقسوة.
خرجت لأشغالها اليومية، تشتغل بدون ما ترفع عينها على أحد.
تنظف، ترتب، تغسل، تمسح…
تسوي كل شي لوحدها.
ولولا صديقاتها أحيانًا يسرقون لحظة ويساعدونها خفية،
كان انهلكت من التعب.
حتى وقت الغداء…
ما تجلس معهم.
دايم تآكل لوحدها بالمطبخ، أو أحيانًا ما تاكل أصلًا.
لقمتين بالكثير… وإذا أحد سألها تقول: «شبعت.» هذا اذا سألوها أصلا
مرّ على وجودها في هالميتم تِسْعَة أَشْهُر.
تسعة شهور طويلة…
بس عليها كانت كأنها سنين.
كل يوم تصحى وهي تحاول تكون أقوى.
وكل ليلة تنام وهي تحس إنها أضعف من قبل.
تحس نفسها غريبة بينهم…
كأنها مو بس يتيمة،
كأنها مختلفة عنهم بطريقة ما تعرف تفسرها.
وأكثر شي يوجعها؟
إنها بدأت تتعوّد على الألم.
بمكانٍ ثاني…
كانت جالسة لحالها، تبكي بقوّة، بكاء أمٍ انكسر قلبها بكاء أم مربية تفتقد من ربتها.
دموعها تنزل بدون توقف، وصدرها يطلع صوت أنين خافت.
مسحت وجهها وهي تقول بصوت متقطع:
«آه يا أسيل… ما كنت أدري إن كل هذا صار لك.»
قلبها يعورها، تأنيب ضمير، خوف، وحسرة.
كيف ضاعت منها؟
وكيف عاشت كل هالقسوة لحالها؟ كيف عايشة دحين؟
انفتح الباب بهدوء، ودخل ولدها.
وقف شوي عند الباب لما شافها بهالحالة.
تنهد، وقرب منها:
«يمّا… إن شاء الله بنلقاها، لا تسوين كذا بنفسك.»
لكن كلامه ما وقف دموعها.
رفعت وجهها له، عيونها حمرا، وصوتها مبحوح وهي بين بكاها تقول:
«أخاف يا فيصل… أخاف تكون بالشارع،
تكون ما لاقية مأوى، ولا لقمة تاكلها…
وتبغاني أتصرف طبيعي؟»
صوتها انكسر عند آخر كلمة.
حطّت يدها على صدرها كأن الخوف بيخنقها.
فيصل سكت.
ما عرف إيش يقول.
هو بنفسه كان محتاج أحد يواسيه.
محتاج أحد يقول له إن أسيل بخير…
إنها ما ضاعت للأبد.
جلس جنب أمه، ما تكلّم،
بس وجوده كان محاولة يواسيها…
حتى وهو مكسور مثلها.