الفصل الثلاثين
بعد ما الاجتماع خلص، مراد اتنهد وهو بيقفل ملفه، بص لرزان اللي كانت لسه بتلم الورق والدفاتر بهدوء وقال لها بنبرة حنينة شوية
"رزان ، أنا نازل أجيب قهوة أشربها تحت في الكافيه عشان أفصل شوية.. أجيب لك معايا حاجة؟"
رزان رفعت عينها وابتسمت له ابتسامة خفيفة
"لا يا حبيبي شكراً، أنا هخلص لم الحاجة دي وأراجع رؤوس الأقلام اللي كتبتها وأحصلك."
هز مراد راسه ونزل، وهو جواه ضيق مش عارف سببه، كان محتاج يهرب من ضغط المكتب. أول ما وصل الكافيه، شاف "منة" قاعدة لوحدها، وشكلها كان يوحي إنها مستنية حد يمكن بلال . مراد كان هيتجنبها، بس هي شاورت له، فقرب وقعد قدامها ببرود الشغل المعتاد.
بدأت منة الكلام بعتاب ذكي ومغلف بكبرياء
"تعرف يا مراد.. أنا النهاردة في الاجتماع كنت مستنياك تسألني، أو حتى تطلب تفسير.. إنتي بتعملي إيه هنا يا منة؟"
مراد رد وهو بيعدل قعدته
"والله يا منة إنتي شريكة بلال، وده شغل.. وأنا بحترم الكفاءة، فمستغربتش وجودك."
منة ضحكت بسخرية مريرة
"لا يا مراد.. أنا قصدي ليلة الحفلة! الليلة اللي دخلت فيها ومعاك رزان وأعلنت جوازك قدام الكل.. أنا قولت مراد هيجي يكلمني، يبرر لي، أو حتى يسألني بتهكم أنا لسه قاعدة ليه.. بس إنت فجأة اختفيت! سيبت الحفلة كلها لمروان وسامر واختفيت كأنك هربت."
مراد اتنهد بصدق
"يومها رزان تعبت ونعست.. وماهانتش عليا أسيبها، فوصيت مروان وسامر يكملوا الليلة وروحتها.. مكنش هروب يا منة، كان تقدير لمراتي.. وبعدين بصراحة، أنا قولت إنتي حرة تعملي اللي إنتي عايزاه، مكنش عندي وقت أسأل عن وجودك."
منة سكتت لحظة، وملامحها اتغيرت للشك
"يعني إنت مشيت عشان رزان نعست؟ بس إنت مرجعتش كلمت الشركة الا بعدها بيومين.. "
مراد ملامحه اتصلبت وصوته بقى أجمد
"فعلاً.. عملنا حادثة بالعربية وإحنا مروحين، والفرامل خانتني في الطريق.. وربنا سترها إننا لسه بنتنفس."
في اللحظة دي، وش منة شحب تماماً، لونها خطف وبقت زي الورقة البيضا. سابت المعلقة من إيدها وبصت لمراد بصدمة حقيقية، وبدأت تربط الخيوط في دماغها بسرعة البرق
"بتقول إيه؟ حادثة؟ والفرامل اتقطعت؟"
مراد استغرب رد فعلها العنيف
"أيوة.. والميكانيكي قالي إنها مقطوعة بفعل فاعل، بس قولت يمكن عين وصابتنا.. ليه وشك اتقلب كدة؟"
منة صوتها بدأ يترعش وهي بتفتكر مشهد شافته بعينها ومكنتش مدركة خطورته
"مراد.. أنا ليلة الحفلة، لما خرجت الجنينة أشم هوا عشان أهرب من نظرات الناس، شفت مستر بلال! كان واقف جنب عربيتك في الركن البعيد في الجراج.. كان موطي ومركز جداً، وأول ما لمح خيالي اتعدل بسرعة وبان عليه التوتر، ومشي من قدامي وهو بيحاول يداري إيده في جيبه.. أنا وقتها قولت يمكن بتخيل أو بشوف حاجة في العربية بصفته صاحبك.. عمري ما اتخيلت إنها توصل للموت!"
مراد قام وقف فجأة، الكرسي اتهبد وراه وصوته طلع مكتوم بس مليان غضب مرعب
"بلال؟ إنتي متأكدة يا منة؟"
منة قامت وقفت هي كمان، وبصت له بمرارة وقالت
"ايوه! أنا مكنتش هقولك، وكنت جاية الشركة النهاردة عشان أثبتلك إن 'منة' اللي إنت سيبتها وجبت واحدة تانية مكانها، هي الوحيدة اللي كفاءة وشاطرة وتقدر تكسر مناخيرك بشغلها.. أنا مكنتش بحبك يا مراد، ده كان جواز عيلة، وإنت رجل محترم وابن خالتي، بس اللي عملته يومها في بيتكم قلل من احترامي جداً.. كنا نقدر نحل الموضوع مع الكبار بهدوء.. بس لولا إني عرفت موضوع الحادثة دلوقتي، عمري ما كنت هربط وجوده عند العربية باللي حصل."
مراد مسمعش باقي كلامها، شكرها بسرعة و ساب الكافيه وطلع لفوق لمكتبه الغضب كان عامي عينه.. بلال مش بس خاين، ده كان هيموت "رزان" اللي مالهاش ذنب في صراعاتهم.
________
دخل مكتبه وقفل الباب وراه بالمفتاح، مش عايز حد يدخل عليه، ولا حتى رزان. كان محتاج يواجه الحقيقة اللي "منة" رمتها في وشه. قعد على كرسيه وغمض عينيه، وصورة بلال وهو واقف جنب العربية ليلة الحفلة مش راضية تفارق خياله.
بدأ يكلم نفسه بصوت واطي ومليان شك
"ليه يا بلال؟ ليه توصل للقتل؟"
كان عارف إن بلال شخص أناني، وصولي، وبيركض ورا مصلحته، وممكن يبيع أي حد عشان الفلوس.. بس "القتل"؟ دي خطوة وسيعة اوي على واحد زي بلال، إلا لو كان وراها حاجة أكبر من مجرد غيرة أو طمع في مشروع.
بدأ يسترجع شريط الذكريات.. يوم الحادثة، لما قعد هو وسامر يحللوا اللي حصل، سامر قاله وقتها
"يا مراد، دي مش حادثة عادية، دي محاولة اغتيال احترافية، دي قرصة ودن من (الرجل الكبير) عشان يبعدك عن السكة." وقتها مراد صدق، عشان كان بدا يقرب من قصة مهدي
فجأة، مراد فتح عينيه وبرق.. وكأن كهربا مشيت في جسمه:
"لو بلال هو اللي نفذ.. يبقى هو مش مجرد منافس زعلان.. بلال "إيد" للرجل الكبير
حس بقرف رهيب.. الشخص اللي كان بيشرب معاهم قهوة الصبح ويضحك في وشهم، هو نفسه اللي كان مستني جثته تطلع من بين حطام العربية.
______
رزان كانت واقفة قدام الطابعة، عينيها مركزة على الورق اللي بيطلع بس عقلها كان في مكان تاني خالص.. وفجأة، سحبها من شرودها صوت همسات ضحك مكتوم جاي من ورا المكتب اللي جنبها.
اتنين موظفات كانوا واقفين، وحاطين إيديهم على بوقهم وهما بيتبادلوا نظرات فيها "نميمة" واضحة. رزان في الأول حاولت تتجاهلهم، بس لما سمعت اسم "المدير" ودنها انتبهت غصب عنها.
واحدة منهم قالت وهي بتضحك بخبث
"شوفتي يا بنتي؟ مستر مراد كان قاعد في الكافيه تحت مع ست.. يا لهوي على الشياكة! راقية وكلاس بشكل مش طبيعي، باين عليها فعلًا سكرتيرة الشركة الشريكة اللي لسه واصلة."
التانية ردت عليها وهي بتعدل طرحتها
"أيوة شوفتهم، بصراحة لايقين على بعض أوي.. والضحكة كانت من القلب، واضح إن فيه "سابقة معرفة" كبيرة بينهم، الطريقة اللي كانوا باصين بيها لبعض مش نظرات شغل خالص!"
الأولى خبطتها في كتفها وقالت بتصنع المثالية
"بس عيب يا بنتي، الراجل لسه متجوز.. والبشمهندسة رزان مالية مكانها."
ردت التانية بضحكة صفرا
"يا حبيبتي الرجالة مالهمش أمان، وبعدين شوفتي الفرق؟ الست دي جاية من بره، لغة وشياكة وبرستيج.. واضح إن الماضي لسه فيه خيوط متقطعتش."
في اللحظة دي، رزان حست كأن حد رمى مية نار على قلبها. الدم غلى في عروقها، وإيدها اللي كانت ماسكة طرف الورقة اتشنجت لدرجة إنها كرمشتها. الكلمات كانت بتضرب في دماغها زي المطارق.. "لايقين على بعض"، "سابقة معرفة"، "ماضي".
من غير ما تفكر، سابت الورق زي ما هو في الطابعة، ولفّت وشها وهي مش شايفه قدامها. الغضب كان عاميها، غيرة الأنثى جواها اشتعلت نار .
طلعت الدور اللي فيه مكتب مراد، كانت بتمشي بصوت كعب عالي ومسموع، كل خطوة بتضرب على الأرض كأنها بتفرغ شحنة الغضب اللي جواها. وصلت قدام مكتبه، وبشرى بصتلها بدهشة واستغراب ، وفتحت الباب بقوة ودخلت زي الإعصار.
مراد كان لسه قاعد ورا مكتبه، غرقان في تفكيره وفي "الصدمة" اللي عرفها من منة، وأول ما سمع رقعة الباب ورفع عينه، شاف رزان واقفة قدامه، وشها أحمر من كتر الغضب، وعينيها بتلمع بدموع غيرة محبوسة.
_______
رزان دخلت المكتب وعينيها بتطق شرار، قفلت الباب وراها بقوة خلت "بشرى" السكرتيرة برا تقفز من مكانها وهي حاطة ايدها على ابنها بحماية . مراد كان لسه بيحاول يستوعب كلام منة وصدمة خيانة بلال، رفع عينه وشاف رزان واقفة قدامه بتنهج، ووشها أحمر من كتر الغضب.
بدأت رزان بوابل من الأسئلة المستفزة
"ها يا مستر مراد؟ القهوة كانت طعمها إيه؟ والست 'الكلاس' أوي اللي كنت قاعد تضحك معاها تحت في الكافيه أخبارها إيه؟ الشركة كلها مفيش وراها سيرة غيركم!"
مراد قام وقف بذهول، مش فاهم هي جابت الكلام ده منين
"رزان؟ إنتي بتقولي إيه؟ قهوة إيه وضحك إيه؟"
رزان قربت منه وخطواتها بتهز الأرض
"بقول اللي الموظفات بيتسايروا بيه تحت! شافوا حضرة المدير وهو قاعد مع 'منة' السكرتيرة الجديدة.. يا محاسن الصدف يا مراد! لحقت تندم أوي كدة فنزلتلها مخصوص؟"
مراد حاول يحافظ على هدوئه وقرب منها، مد إيده عشان يلمس كتفها ويهديها بصوته الحنين
"يا رزان اهدي بس واسمعيني، كل اللي في بالك ده مالوش علاقة بالواقع . "
وكمل
"إنتي أكتر واحدة عارفة قلبي فين ومع مين.. قصة منة دي إنتي عارفاها من الأول، ده كان تخطيط أهالي، أمي وأمها، جوازة صالونات أنا مكنتش عايزها ولا اخترتها، وإنتي اللي في قلبي من زمان."
رزان نفضت إيده بعنف
"برضه بتقول أهالي؟ يعني لو مكنتش أنا ظهرت كنت هتكمل معاها؟ كنت هتتجوز 'قريبتك' اللي من توبك وشبهك؟"
مراد بدأ يضيق ذرعاً بالخناقة في التوقيت ده بالذات، اتنهد وقال
"يا رزان بطلي نكد، إنتي عايزة تفتعلي مشكلة من الفراغ وخلاص؟ الموضوع بجد سخيف وميستاهلش كل ده!"
رزان برقت بعينيها وحطت إيدها في وسطها وشهقت بصدمة وهي تؤشر بايدها التانية على نفسها
"أنا اللي سخيفة يا مراد؟ يعني غيرتي عليك ووجعي من كلام الناس بقى سخافة؟"
مراد حاول يوضح
"قصدي إن 'الموقف' هو اللي سخيف ياحبيبي مش انت.. منة مجرد قريبة، بنت خالتي ...حكاية بتحصل في اغلب البيوت إن الأهل يشوفوا القرايب أولى ببعض، بس ده مغيرش حقيقة إني مشفتش ولا هشوف غيرك!"
رزان ردت بسخرية ومرارة
"يا عيني.. يعني أنا اللي جيت وأفسدت صلة القرابة السعيدة دي؟ أنا اللي وقفت في طريق العيلة المثالية؟"
مراد كان هيتكلم وسكت وكأنه شايف انه مهما قال مافيش حاجة هتقنعها دلوقتي .
فضل باصص لها وهي عاقدة دراعاتها لصدرها بضيق، وصدرها بيطلع وينزل بسرعة من العصبية، ومنظرها ده "ماهنش عليه" أبداً. غضبها ده خلاه يحس برغبة مجنونة إنه يسكتها بطريقته، غيرة رزان كانت بتشعل ناره هو كمان.
قرب منها فجأة وسحبها ليه بقوة، رزان بدأت تقاوم وتزق في صدره بضعف، بس هو كان ملك الغابة في اللحظة دي.
نزل ببطء طرف رقبة القميص الصوفي اللي كانت لابساه، وبدأ يطبع قبلات حارة وعميقة على رقبتها ببطء جننه وجننها.
"مراد.. ابعد.. قولتلك ابعد.." كانت بتحاول تطلع الكلمات بس صوتها كان بيتهدج، وقبلاته اللي بتتحرك بتملك على رقبتها خلت عينيها تغمض غصب عنها.
بين كل بوسة والتانية كان بيهمس بصوت مبحوح
"محدش ملى عيني غيرك.." (بوسة) "إنتي قلبي وحبيبتي.." (بوسة تانية) "بطلي جنان وشك فيا.."
كل مقاومة رزان تلاشت، واتحولت ضربات إيدها على صدره لتعلق بقميصه، وبدأت تطلع منها تنهيدات مكتومة باسمه. مراد فقد السيطرة تماماً، سحبها ولزقها في "الجدار" بقوة وهو بيقبلها بشغف وحرارة كأنه بيعتذر لها بدمه عن أي وجع حسته.
وفي لحظة جنون وانفعال، شالها وحطها فوق "المكتب" العريض، وبإيده زاح كل حاجة كانت قدامه؛ الأقلام، الدفاتر، والملفات اللي تعب فيها الصبح، كلهم وقعوا على الأرض بصوت رزع عنيف، بس هما كانوا في عالم تاني.
مراد حط رزان فوق المكتب وحاوط وسطها وهو بيبوسها بشوق وكأنه ملقاش الفرصة دي من سنين، مشاعره كانت في قمة انفجارها، مكنش قادر يبعد عنها مليمتر واحد.
لما بدأوا ياخدوا أنفاسهم بصعوبة، رزان كانت في حالة تانية خالص؛ شعرها كان مبهدل ومنكوش بجمال على وشها، وشفايفها كانت ورمانه وأحمرت جداً من أثر قبلاته، ووشها كان متوهج من الكسوف والحرارة. بصت حواليها للمكتب اللي "اتدمر" وبصت للأرض، وحست بإحراج رهيب من الوضع.
مراد فضل محاوطها، ساند جبهته على جبهتها وهو بينهج، بص في عينيها بصدق وقال بنبرة كلها حب
"حقك عليا.. والله ما في واحدة في الدنيا تقدر تخليني أبص لها وإنتي موجودة او مش موجودة . منة دي ولا حاجة غير انها بنت خالتي . إنتي اللي عملتي مني راجل، وإنتي اللي خلتيني أعرف يعني إيه حب بجد. خلاص بقى.. صفي يا قلبي"
رزان دفنت وشها في كتفه وهي بتحاول تداري كسوفها من شكلها ومن "كركبة" المكتب، وهمست بصوت مبحوح
"ما تقعدش معاها تاني لوحدكم.. أنا قلبي بيوجعني يا مراد."
ضحك مراد من قلبه وضمها أكتر لصدره
"من عينيا دي قبل دي.. المكتب فداكي، والشركة فداكي، وأنا كلي فداكي."
______
مراد كان واقف قدامها، وهي قاعدة على سطح المكتب ورجليها متدلية خفيف، فمد إيده يعدل خصلات شعر هربانة على جنب وشها.
"استني بس… شعرك بايظ خالص كده،" قالها وهو بيرفع الخُصلة ورا ودنها، وبص في ملامحها وهو بيرتب ياقة بلوزتها بحركة هادية.
رزان كانت ساكتة، قلبها بيدق بسرعة، بس بتحاول تبان طبيعية. ولما مد إيده عشان يساعدها تنزل من على المكتب، فجأة وشها اتحمر مرة واحدة، وحست بتوتر ضرب جسمها كله… وماقامتش.
مراد رفع حاجبه وضحك بخفة وهو بيلاعبها
"إيه؟ شكلك عجبتك القعدة كده ومش عايزة تقومي!"
كانت بتبلع ريقها وبتبص في الأرض، ومش عارفة تقول إيه. أول مرة تتحط في موقف زي ده، ومش فاهمة تتصرف إزاي.
مراد لاحظ. الضحكة خفت من على وشه، وقرب خطوة. بقى بينهم مسافة صغيرة قوي. رفع إيده حطها على المكتب جنبها، وبص في عينيها اللي كانت بتهرب منه.
"في إيه يا حبيبي؟"
صوته كان واطي وحنين، وده خلاها تتلخبط أكتر.
سكتت ثواني، تايهة بين إنها تقول ولا تسكت. هو فضل باصلها، مستني… من غير ما يضغط عليها.
أخدت نفس عميق، وبصت حواليها كأنها خايفة الهوا نفسه يسمع. وبصوابعها الصغيرة شاورِت له يقرب.
مراد تنهد بخفة، وقرب أكتر. انحنى شوية بطوله عشان ودنُه تبقى قدام شفايفها. فرق الطول كان واضح، خلاه يميل لقدامه شوية عشان يوصل.
همست بخجل شديد
"أنا… جاتلي دورتي… وخايفة على هدومي."
أول ما بعدت وشها كان أحمر بالكامل، لدرجة إن ودانها نفسها احمرت. حست إنها عايزة الأرض تنشق وتبلعها. ولسه قاعدة، مش عارفة حتى تنزل من على المكتب.
مراد ماقالش حاجة في الأول. بص لها لحظة، وبعدين لف بهدوء وراح ناحية المعلاق اللي جنب الباب. إيده مدت وأخد جاكيت بدلته الأسود.
رجع وقف قدامها من غير كلام، وفرده قدامها.
"بصيلي."
رفعت عينيها بتوتر.
قرب الجاكيت منها، ودخل دراعها الأول في الكم، بحرص شديد كأنه بيتعامل مع حاجة غالية قوي. بعدين لفه حواليها ودخل دراعها التاني. الجاكيت كان واسع عليها، وطويل لدرجة إنه نزل لحد نص فخدها تقريبًا. الكمام مغطيين إيديها نصهم، فمسك أطرافهم ولفهم خفيف عشان يظبطهم.
بعدين سحب الجاكيت لقدام، وساب إيده لحظة على كتفها يطمنها.
"كده تمام."
مد إيده يساعدها تنزل. حط إيده على خصرها بخفة عشان توازنها، والتانية ماسكة إيدها. لما نزلت، كانت قريبة منه قوي، راسها تقريبًا عند صدره بسبب فرق الطول.
حاولت تبعد خطوة، وقالت بسرعة وبصوت مهزوز
"أنا… هتصرف… هروح لبشرى."
ومستنتش رد. لفت وجريت ناحية الباب، الجاكيت الأسود الطويل بيترف وراها، وريحة عطره حواليها.
دخلت على المكتب تدور على بشرى، واللي أول ما شافتها بالجاكيت ضحكت
"إيه ده؟ بقينا بنتدلع جوا الشركة"
رزان همست لها بالمشكلة، وبشرى ساعدتها بسرعة، جابتلها اللي تحتاجه واطمنت عليها.
لكن رزان ماخدتش بالها إن وهي خارجة من المكتب لحد الحمام، الجاكيت الرجالي الواضح جدًا إنه بتاع جوزها، شد انتباه كام حد في المكان. نظرات خفيفة، وابتسامات جانبية وتعليقات ...
في نفس الوقت، مراد كان واقف بعيد شوية، طلب كوباية تيزانة دافية. مسكها بإيده وهو باصص ناحية الممر اللي راحت منه.
لما رجعت، كانت أهدى شوية… بس لسه خجلانة.
قرب منها ومد الكوباية
"خدي… هتريحك شوية."
رفعت عينيها تبص له، نظرة ممتنة ومكسوفة في نفس الوقت.
هو ابتسم بخفة وقال واطي
"المرة الجاية تقوليلي على طول… بدل ما تفضلي قاعدة على المكتب كده وتوتريني معاكي."
______
أول ما دخلوا من باب البيت، مراد كان ساند رزان بإيده وهي لسه متلفحة بجاكيت البدلة بتاعه، والاتنين كان باين عليهم الإرهاق. بس المفاجأة كانت في "آسيا" مامت مراد، اللي كانت قاعدة في الصالة ووشها منور بابتسامة عريضة وسعادة مش طبيعية، عكس المتوقع تماماً بعد العاصفة اللي حصلت بسبب رنيم.
رنيم كانت واقفة بعيد في المطبخ، بتملا إبريق المية بجمود، وعينيها في الأرض كأنها ناوية تطلع أوضتها وتتحبس فيها ومش عايزة تشوف حد. حتى نظراتها كانت بتهرب من مراد، وكان باين عليها الضيق لأن مروان طول اليوم مبردش على مكالماتها، واكتفى برسالة ناشفة: "أخلص شغلي وهكلمك"، وطبعاً ده بالنسبة لرنيم كان قمة التهميش، لأنها شايفة إن مش ده وقت شغل خالص و علاقتهم بايظة ومستقبلها مش واضح
مراد استغرب حالة والدته وسألها بدهشة
"خير يا أمي؟ يا رب دايماً الضحكة دي.. إيه اللي حصل؟"
آسيا قامت وقربت منهم وهي بتبشرهم بفرحة
"الخبر بمليون جنيه يا مراد! أنا وأختي اتصالحنا.. خلاص، الغمة انزاحت والمياه رجعت لمجاريها."
رزان أول ما سمعت الجملة دي، بصت لمراد فوراً بنظرة فيها "ألف سؤال"، ومراد بادلها النظرة بدهشة. آسيا كملت شرح وهي مش سايعة الأرض من الفرحة
"أختي كلمتني وصالحنا بعض، وقالت لي إن مفيش حاجة تستاهل إننا نخسر بعض عشانها، وخلاص مفيش أي مشاكل بين العيلتين تاني...وهتبقى ترجع تجي عندي وتدخل البيت "
رزان في اللحظة دي فهمت اللعبة "وهي طايرة"؛ منة أكيد بعد كلامها مع مراد في الكافيه شكلهم اتصالحوا و راحت قنعت مامتها إن الموضوع انتهى وإن مراد مش نصيبها، وبكده مهدت الطريق للصلح.
رزان حاولت تتماسك وتبتسم، صلح آسيا وأختها أكيد حاجة تفرح، بس "منة" لسه شبح بيطارد هدوء حياتها.
مراد هز راسه بقلة حيلة؛ هو عارف والدته كويس، علاقتها بأختها عندها شيء مقدس وفوق أي اعتبار، ورغم إنه شايف إن الحب ده مش متبادل بنفس القوة من ناحية خالته، بس مقدرش يكسر فرحتها، فاكتفى بإنه بص لرزان وقال بنبرة هادية
"يلا يا رزان.. نطلع نرتاح."
رزان لمحت رنيم وهي لسه واقفة بعيد وبصتها توجع، فهمست لمراد بصوت واطي
"مراد.. مش هتروح تسلم على أختك وتطيب خاطرها بكلمتين؟"
مراد كشر ووشه اتخشب ورد بجمود
"هي اللي مجاتش تسلم ولا اعتذرت عن اللي عملته.. لما تعرف غلطها أبقى أكلمها."
رزان اتنهدت وقالت له برفق
"دي أختك الصغيرة يا مراد، واليوم كان تقيل على الكل.."
لكن مراد كان قفل الموضوع في دماغه، وأصر على رأيه وسابها وطلع السلم لوحده. رنيم لما شافته طلع من غير ما يكلمها كشرت أكتر، وحست بكسرة نفس، ورزان وقفت في النص تنهدت بأسى على حال الأخوات اللي العند فرق بينهم.
وبعدها طلعت وراه الأوضة، كانت محتاجة تغير هدومها وتتخلص من تعب اليوم، وترتاح من الوجع اللي بدأ يزيد عليها.
______
رزان بعد ما غيرت هدومها ولبست بيجامتها المريحة، حست إن قلبها مش مطاوعها تسيب رنيم لوحدها وهي في الحالة دي. قررت تروح تخبط عليها، وأول ما دخلت لقتها قاعدة على السرير، ماسكة الموبايل بضيق وعمالة تبص فيه كل دقيقة بتوتر.
رزان قربت منها وسألتها بهدوء
"مالك يا رنيم؟ لسه مكلمتوش بعض؟"
رنيم ردت بضيق واضح، بس المرة دي مكنش من رزان، كان من مروان
"تخيلي ! من الصبح باعتلي رسالة بيقول هكلمك لما أخلص، ودلوقتي مبيتردش عليا خالص.. "
رزان حاولت تهدي اللعب وتبرر لمروان
"يا بنتي اهدي، إنتي مش متخيلة النهاردة كان يوم تقيل إزاي في الشركة. مروان بذل مجهود كبير النهاردة مع مراد، وأكيد محتاج وقت يفكر أو يرتب حساباته.. الشغل النهاردة كان ضاغط على الكل."
رنيم اتنهدت بمرارة وبصت للسقف
"وابيه؟ ابيه لسه على عناده؟ بجد أنا مش فاهمة دماغه دي.. يعني إيه؟ يا إما نستنى سنتين يا إما نفضل في الحرب دي؟ لو فاكر إنه بأسلوبه ده بيكسرني يبقى غلطان، أنا مصممة على رأيي ومش هتراجع."
رزان اتنهدت وقعدت جنبها على طرف السرير وسكتت، ورنيم بصتلها لحظات في صمت، وكأنها بتراجع نفسها، وفجأة قالت بنبرة واطية
"رزان.. أنا آسفة."
رزان بصتلها باستغراب، فرعت رنيم عينيها وقالت بصدق "بجد بعتذر لك على كل الكلام اللي قولته امبارح في لحظة غضب.. مكنش ينفع أتكلم معاكي كدة ولا أدخل علاقتكم بمشاكلي أنا ومروان، إنتي ملكيش ذنب." وكملت بمزاح خفيف " على الاقل المرة دي"
رزان ابتسمت لها بتفهم وطبطبت على إيدها
"ولا يهمك يا رنيم، أنا عارفة إنك كنتي مضغوطة."
رنيم بصت لوش رزان ودققت فيه وقالت بشك وهي ترمي نفسها على السرير.
"بس قوليلي.. مالك تعبانة ومخطوفة كدة ليه؟ هو أخويا اللي حارم عليا أعيش حياتي، بقى بيحرم عليكي تعيشي إنتي كمان؟"
رزان ضحكت غصب عنها وأنكرت
"لا والله أبداً، ده إرهاق شغل مش أكتر."
رنيم كملت وهي بتلعب في مفرش السرير
"عموماً، مفيش حد سعيد في البيت ده النهاردة قد ماما.. واصلة لقمة السعادة."
رزان ردت بابتسامة باهتة
"فعلاً، باين عليها جداً."
رنيم تابعت بفضفضة
"ماما من وإحنا صغيرين وهي كدة، أختها دي عندها في كفة والكون كله في كفة ثانية.. لدرجة إنهم من كتر حبهم في بعض، اتفقوا وهما لسه شباب إنهم يخلوا مراد ومنة لبعض."
رزان انتبهت وسألت بفضول
"يعني الحكاية دي قديمة اوي؟"
رنيم ردت بعفوية
"أيوة طبعاً، ده من وأنا في المدرسة وتقريباً ابيه كان لسه في ثانوي.. بس ابيه عمره ما أخد الموضوع ده جد، ولا حتى فكر فيه. إنتي عارفة أخويا، عنده قاعدة إن مفيش مخلوق يدخل في قراراته الشخصية، والحكاية فضلت مجرد كلام "ستات" كل سنة بين ماما وخالتي مش أكتر.. وبصراحة أنا عمري ما شوفت ابيه ومنة ينفعوا لبعض أبداً، دول لو اتفاهموا بيبقى في الشغل والذكاء وبس، كأنهم اتنين زمايل."
رزان حست براحة كبيرة وبدأت تطمن إن الموضوع كان مجرد أوهام فعلا . بس اطمئنانها ده اتبخر فجأة لما رنيم كملت كلامها بعفوية
"تعرفي.. اللي خلى الموضوع يكبر فجأة ويتحول لفكرة خطوبة رسمية، هو اليوم اللي إنتي ومراد سبتوا فيه بعض زمان.. مراد في لحظة وجع وعناد، وافق وقال خلاص هتجوز منة!"
رزان اتصدمت والدم هرب من عروقها
"مراد اللي قال كدة؟"
رنيم كملت وهي مش واخدة بالها من ملامح رزان
"أيوة، بس الموضوع مكملش عشان منة بعدها سافرت برا البلد ومن وقتها والسيرة اتقفلت.. لحد ما إنتي رجعتي ومراد اتجنن ورجعلك تاني. ...ده غير اني بصراحة لسة شاكة في قراره بالجواز ده...هو ممكن يعمل اي حاجة عند وخلاص"
رزان فضلت باصة للفراغ، وتعابير وشها اتغيرت تماماً.. يعني مراد كان هيتجوزها "بديلة" عنها؟ كان هيستخدم منة عشان يهرب من وجعه؟ الفكرة خلت قلبها يتقبض من جديد.
_____
دخلت الأوضة وقلبها بيتعصر، كان مراد لسه طالع من الحمام، لابس بيجامته الرمادية وبينشف شعره بالفوطة. أول ما شافها قرب منها بلهفة، وعلامات القلق باينة في عينيه وهو بيسألها بصوت واطي
"رزان.. لسه حاسة بتعب؟ في حاجة وجعاكي ياحبيبتي؟"
بصتله بدموع محبوسة، سؤال واحد كان بياكل عقلها من ساعة ما عرفت الحكاية، سألته بصوت مهزوز
"هو أنت فعلاً كنت هتتجوز منة يا مراد؟ كنت هتخليها بديلة عني؟ كنت عايز تستخدمها عشان تهرب من وجعك وتنسى؟"
مراد اتسمر مكانه وبلع ريقه بصعوبة، ملامحه اتغيرت وبان عليه التعب وهو بيقول
"رزان.. إحنا مش قفلنا الموضوع ده الصبح واتفقنا؟"
قاطعته بغضب وصوتها بدأ يعلى
"اتفقنا؟ أنت كذبت عليا يا مراد! "
شهق بدهشة
" كذبت ؟!"
وهي كملت
"قولتلي إنك ما فكرتش في غيري، لكن الحقيقة إنك خبيت.. خبيت إنك كنت موافق! دلوقت بس فهمت خالتك كانت متضايقة ليه، وفهمت منة كانت لازقة طول الوقت ليه.. عشان أنت كنت مدي كلمة!"
حاول يوضح بهدوء مصطنع
"يا رزان الأمور ما كانتش كدة، أنا كنت في حالة ضياع، والضغوط عليا كانت..."
رزان ما ادتلوش فرصة، وكملت بقهر وهي بتبني سيناريوهات في خيالها
"يعني لو مكنتش رجعت.. لو مكنتش جيت في الوقت ده، كان زمانك دلوقت معاها؟ كان زمانها هي اللي مكاني في البيت ده؟"
" لا أبدا ..." حاول يمسك ايديها وهي دفعته" كذاب!"
هنا مراد انفجر، رمى الفوطة من إيده وعيونه برقت بغضب
"انتي اللي بتقولي كدة؟ انتي اللي سيبتيني ومشيتي يا رزان! نسيتي مين اللي هجر التاني؟ أنا على الأقل ما فكرتش أرتبط غير بعد سنتين من العذاب، مش زيك.. انتي ارتبطي بعد أسبوع واحد من انفصالنا!"
ضحكت رزان بسخرية ووجع
"ألف شكر يا مراد.. شكراً إنك استنيت سنتين كاملين، كتر خيرك والله!"
مراد كمل بحدة وهو مش شايف قدامه
"يعني أنا لما قررت أشوف حياتي بقيت غلطان وخاين؟ وانتي لما قررتي تشوفي حياتك وتتخطبي وتخرجي كان عادي؟ ده أنتي اتقدم لك كتير وكنتي بتتعاملي ولا كأن في حاجة.. إيه المشكلة دلوقت؟ ليه الحسابات دي كلها؟"
رزان اتصدمت من رده، حست إن الكلام ملوش فايدة، وإنهم بيلفوا في دائرة مفرغة. وبدون كلمة، راحت ناحية السرير سحبت الغطا والمخدة واتجهت للكنبة اللي في ركن الأوضة.
مراد وقف قدامها ومنعها
"انتي بتعملي إيه؟"
حاولت تشد الغطا من إيده
"سيبني يا مراد.. هنام هنا."
مراد بصرامة
"مش هتنامي هنا، انتي تعبانة وجسمك واجعك، والكنبة دي هتكسر ضهرك، مش ناقصين وجع زيادة."
رزان زعقت بانهيار
"سيبني أبعد عنك! "
علق بضيق
" وقفي هرب!"
هي زعقت
"أنا مش بهرب، أنا بس بتفادى نقاشات عقيمة مالهاش آخر!"
مراد استنكر كلمتها
"نقاشات عقيمة؟ كلامي معاكي بقى عقيم يا رزان؟"
ردت عليه وهي بتمسح دموعها بظهر إيدها
"أيوه عقيم.. لما أحاول أفهمك وجعي وأعبر عن اللي جوايا وأنت تستهيفه وتقول 'المهم الحاضر' يبقى عقيم.. زي الصبح كدة لما قولت إن غيرتي 'سخيفة'!"
مراد نفخ بضيق
"انتي لسه عالقة في كلمة سخيفة؟"
رزان صرخت فيه
"أيوه! مش على أساس إنك ليا؟ مش على أساس إنك مش هتقدر تشوف غيري سواء أنا موجودة أو مش موجودة؟ ولا هو كان كلام وخلاص بتضحك بيه عليا؟"
مراد بصوت هادي ومستفز
"انتي بتبالغي يا رزان.. بتبالغي جداً."
الكلمة كانت زي البنزين على النار، رزان ملامحها اتغيرت لبرود مخيف وقالت وهي تسيب المخدة والغطا باهمال
"تمام.. أنا ببالغ؟ وغيرتي سخيفة؟ طيب بما إن الموضوع بسيط كدة، يبقى مفيش داعي للغيرة خالص.. عادي بقا لو أنا رحت قعدت مع بلال مثلا في الكافيه وشربنا قهوة وتكلمنا.. موضوع بسيط وسخيف لو أنت غرت، صح؟"
في لحظة، كان مراد قابض على دراعها بقوة، ملامح وجهه اتحولت لشرر، عروق رقبته برزت وعينيه اسودت من الغضب بمجرد فكرة إنها تقعد مع غيره.
رزان بلعت ريقها بتوتر، لكنها قررت تكمّل وتواجهه
"إيه؟ مالك؟ بتغير؟ ما الموضوع سخيف ومبالغ فيه.. بتغير ليه يا مراد؟"
مراد قرب وشه منها جداً، وأنفاسه كانت حارقة، وبصوت فحيح مليان تملك
"انتي بتاعي.. فاهمة يعني إيه بتاعي؟ رزان.. ما تختبريش صبري في الحتة دي، وما تنطقيش اسم راجل غيري على لسانك!"
رزان بصت في عينيه بتحدي مخلوط بخوف، وحاولت تنكر سيطرته عليها
"أنا مش بتاع حد يا مراد.." وكملت بعناد واضح
" خصوصا انت! مش بتاعك أبدا!"
مراد خد نفس عميق ونزل براسه لعند ودنها، وهمس بصوت خطير هز كيانها
"اشكري ربنا إنك تعبانة دلوقت وما أقدرش أقربلك.. وإلا كنت عرفتك عملي يعني إيه انتي مش ملك حد.. كنت عرفتك مقامي عندك إيه."
رزان اتنفست بصعوبة، وخدودها بقوا جمر من الكسوف والخضة. و مراد ساب دراعها فجأة، وبحركة سريعة خد مخدته وغطاه واتجه هو للكنبة، وسابها واقفة مكانها قلبها بيدق زي الطبول.