الفصل 166
التفت فأجدها ترتجف رعباً وجهها شاحب وعينيها تنطق خوف ، ادرك للتو انني ارعبتها ، اتقدم لأحظنها : واحد من جماعه هتان ..
....: تكفئ يادرع لاتكذب علي ..
احاول اقناعها لكنها تأبئ ان تصدق ، تمسك هاتفها لتتصل بوالدها لتطمئن عليهم ..
من بين كل الايام التي اشتقت فيها له وتمنيت اتصاله ، يتصل اليوم ، في اليوم الذي وددت لو انه لم يفعل ، تباً كنت قد قطعت صداقتي معه مالذي اعاده ..
...: خرب علينا هتان ، الله يسامحه ..
تبتسم بحزن : الله يرحم ميتهم يارب ، يالله كيف الدنيا غريبه ، نفرح هنا بينما في الطرف الثاني ناس تبكي ..
احاول ان الطف الجو ، اغمز لها وانا الف خصله شعرها حول اصبعي : اجل فرحانه هاا ..
تضرب كتفي بخفه وخجل : سخييييف ..
———
__________\
اتأمله بأعجاب بالغ ، اكمامه المطويه للخلف ، ازره ثوبه العلويه المحرره ، تركيزه في صنع قهوته ..
سمار ساعديه وانعكاس ضوء النار عليه ، بدأ لي مشعاً اكثر من اي وقت ..
رؤيه هذا الرجل امامي تنسيني كل مامر بي من شقاء وعناء ، شئ غريب ان شخص واحد فقط يمكنه ان يقلب حياتك رأس علئ عقب ..
بالتفكير في ذلك ، لم يكن صقر اول من قلب حياتي ..
هناك رحيل ابي وتسلط عمي ..
ثلاثه رجال قلبوا حياتي ، بأختلاف افعالهم ..
لكن هذا الرجل الذي يجلس امامي يطحن بالهاون حبات الهيل ويصنع به صوت يكسر هدوء هذا الليل ويتردد صداه في قلبي ، هو من احال حياتي للأجمل
انه بالتأكيد مكافئه من الله علئ صبري في الماضي ..
رجل مثله نعمه علي .لا يكتبها الا الله ..
جائني مثل العوض ، كل مافقدته استرجعته معه ..
هو يشبعني تماماً ، يشبع ذاك الجوع الذي كان يتملكني منذ وفاه والدي ..
الجوع للأهتمام ، للحب ، للطف والعطف..
يتمثل ضعف الانسان في جهله ، وانا كنت جاهله تماماً انذاك ..
كنت اكثر من الظنون ، كنت اثق بالأستنتاجات واعتمد عليها ، بدون اي ادله ، لا املك سوا مخاوفي لأتكئ عليها ..
خسرت عمراً طويلاً ، بحثاً عن السعاده ..
حتئ حين جائني كهديه من الله ، اغلقت الباب ، واوصدت النوافذ حتئ لا يدخل لي من اي منفذ ..
كنت خائفه متوجسه ومرتابه من تطور حياتي الجديد ...
قليلاً ماكنت اعرف انني سأسخر من جهلي آنذاك ..
وسيتملكني الندم علئ كل ذلك الزمن الذي خسرته وانا مستسلمه لمخاوفي ..
يشير لي وهو يربت علئ المقعد بجانبه ،فاتقدم لأجلس ..
سكب لي فنجان قهوه ومدني به ، التقطت قربته لأنفي ..
لا ادري ربما انا فقط واهمه ، لكنني اشعر ان لا رائحه قهوه تشبه رائحه القهوه التي يصنعها صقر ..
ربما لأنه متذوق للقهوه منذ نعومه اظافره ، ويصنعها بكل حب وتأني منذ البدايه حتئ النهايه ..
اسأله لأخلق حوار : كل هالمراحل عشان دله؟ ماتحس انها تعب ، يعني لو تختصر وتحط قهوه جاهزه مو احسن ..
يبتسم وهو يعقد ذراعيه ويتكئ للخلف : لا بالعكس متعه ، انا احب التأني واكره التسرع في كل شئ ..
كل شئ أبيه لازم ابدأه من الصفر ، او اقل شئ اتأنئ معه واعطيه حقه في كل شئ ..
علمت ان الاجابه سلكت محور اخر ، ابتسم وانا احثه علئ الحديث : ايه وش بعد ..!
مثلاً معك انتي يامدام ملاذ ، كان الوضع متعب ومرهق للغايه ، لكن لأن النهايه كانت تستحق كان لابد بالصبر ، الكثير من الصبر والتأني ...
عشان نوصل لهالمرحله الي وصلنا لها الحين ، كان لازم ابدأ من الصفر ، واتقدم واتراجع وادور واراقب ..
اقاطعه مبتسمه : مثل الصياد وفريسته ؟!
يمكن ، او مثل القهوه ، اي مثل القهوه ، شوفي كيف كانت حب وبعد كل هالمراحل ، تشربينها الحين بكل هذا الأعجاب واللذه ..
يقترب مني اكثر يحط وجهي بكفيه : هذا شعوري ، لما اخيراً قبلتي بي بعد كل هالعناد والبعد والصد ، وبعد كل محاولاتي الكثيره لكسب رضاك ..
وكان طعم حبك يفوق توقعاتي واستحق كل هالصبر ..
وايقنت ان كل الي يحتاجه الانسان هو الصبر ...
اتأثر بكلامه ، يلامس قلبي صدقه وبراعته في الحديث
ان الحديث معه كان له طابع مختلف دائماً كان له بعد اخر ..
قديما قبل زمن من الان كان يلفتني حديثه ، كان متحدث بارع لا يخاف او يتردد.
وبعد ان اقترنت به ، تبين لي ان كلماته كالسحر ، كان لابد لي ان انبذه اكثر حتئ لا اقع تحت سحرها ..
يلتقط الفنجان من يدي يضعه علئ الأرض ، يدنو مني ويسحب ظهر المسنده للخلف بسرعه ، يمسكني قبل ان اقع ، يحيطني بذراعه من الأسفل ويتكئ علئ الأخرئ ..
كانت الغمازاتين مشرقتين علئ خده ..
يبتسم بها حتئ ولو لم يبتسم ..
كان امامي والسماء خلفه ..
وهدوء الليل وسكونه يبعث في نفوسنا الأطمئنان ..
يقرب ابهامه من شفتيي ، يمرره عليه ..
ابتسم وانا ادرك انه يحاول ان يمسح احمر الشفاه الذي يلونها ، كان قد اخبرني انه يكره احمر الشفاه ..
ويطلب مني ان احاول الاستغناء عنه تمام ..
وبعد ان مسحه تماماً اقترب ليقبلني ، اغمض عيني
اطوقه بذراعي واجذبه ..
كانت رائحته بالنسبه لي أدمان خالص ، فما بالك الان وهي تختلط مع رائحه النار والقهوه ونسيم الليل المنعش ..
بدت لي كأنها دقائق مسروقه من احلامي التي تراودني في غيابه ..
حيث انني كنت من فرط الشوق اصنع لنا مشاهد قبل النوم ، ويغلبني النوم فأكمل تلك المشاهد في احلامي ..
بالحديث عن الأحلام ، مضئ وقت طويل منذ اخر كابوس رأيته ..
انه لشئ غريب ان تغادرني بهذه السرعه ، بعد ان كانت موغله بأعماقي ..
بهذه السرعه وهي من رافقتني كل ليله علئ مدار الاعوام السابقه ..
انا تغيرت ، ادرك ذلك ، شئ فشئ اعود لأجد نفسي من جديد ..
ادرك تمامً ان ملاذ القديمه مازالت هنا ، لكنها مغطاه بالغبار والاشواك ومحاطه بالسلاسل ..
ولكنني عازمه علئ اخراجها ، واعادتها لحيث كانت ..
العب بشعره ، فيريح رأسه علئ صدري ، كطفل عالق في هذا الجسد الكبير ..
يضمني ويندس في احظاني بلطف ..
بالامس جاء لي بخبر كان كالغيث الذي انعش روحي الجدباء ، انه لن يعود للحرب مجدداً ،
سيبقي معي هنا دائما ، سنعيش اخيراً حياه روتينيه كبقيه الأزواج ..
ربما انا اخيراً سأشبع وامل منه ..
عوضاً عن الجوع الدائم لرؤيته والشوق له ..
.....
.....:ملاذ ..؟!
يستنفر كل واحد منا ،و نبتعد عن بعضنا بسرعه ..
فيما تتقدم عبق نحونا تجر قدميها يتملكها النعاس : صحيت مالقيتك ؟!
يناديها صقر ويهيئ لها موضع للنوم ، تستلقي وتعاود النوم سريعاً ..
اتأمله وهو يمسح علئ رأسها : ضعيفه خافت من المكان جديد ..
هو حنون للغايه ، اتسأل كيف سيكون مع أبنائه ؟!
اراهن علئ كل شيء انه سيكون اباً رائعا ..
.....
ناديت عبق لتسرع بالمجيئ ، انها تؤخرني كعادتها ..
اسحب الحقيبه وصولاً الئ الباب ، اعاود مناداتها ..
تأتي راكضه وهي تحمل حذائها ..
اخبرها ان تسرع في ارتدائه ،
كان صقر قد هدد، ان لم يجدني جاهزه في غضون الساعه لن يصطحبنا معه ..
بالطبع كنت اعلم انه بتهديداته يضفي شئ من الحماس لرحلتنا ،
كنت اتذكر جدي به وهو يتصل بأمي لتجعلني استعد لمرافقته ..
كانت ايام تمتلئ بالترقب والحماس ،
متعبه لكنها ربما كانت من اجمل مراحل حياتي ..
تفيض ذكريات ومواقف ..
يدخل مسرعاً يدعي العصبيه ،
لا يجيد التمثيل وهو يسأل : هه خلصتوا ولا اخليكم؟!
يتلفت حوله يتأملني وانا اقف امامه بعبائتي
والصغيره ترتدي حذائها بسرعه وتخبط ، ...
يبتسم وهو يتجه نحوها ، ليجلس ويساعدها في ارتداء حذائها : واضح انكم متحمسين..
اهز رأسي تاكيداً علئ رأيه ، نعم يجتاحني الحماس لخوض الماضي من جديد ..
لاول مره ارغب بشئ ، بعيداً عن روتيني المعتاد ..
سنخيم ليومين ، في الصحراء حيث الرمال هي فراشنا والسماء غطائنا ..
بعيداً عن ضجيج هذه المدينه ..