الفصل 164
رأيته وهو قادم من البعيد ، يمشي وهو ينظر لقدميه ..
لا يلتفت للسيارات القادمه او المسرعه ابداً ..
لايبدوا انه يخاف شئ ابداً ..
وجهه لا يملك اي تعابير ، هو فقط جامد تماماً ..
يصل ويصعد للسياره ، يغلق الباب ويقف لبرهه صامت يتأمل منظر الاوراق وهي بين يدي و في حجري ..
لم اتمالك نفسي ، استسلمت لرغبه الضعف القويه في داخلي ، وانخرطت في بكاء صريح امامه..
بدأ لي وحيداً جداً في ما الكل مشغول تماماً في حياته عنه ..
حتئ انا من ظننت انني الاقرب للجميع كنت بعيده كل البعد عنه وعن كل ما يحدث في حياته ..
كيف لي وانا تؤامه ان لا اشعر بكل هذا الذي يجول في نفسه ..
امد يدي نحوه ، يمسكها ،فأعاتبه : ليش ماقلت لي يافلاح ؟ ليش خبيت عني كل هذا ؟!
يبتسم ابتسامته المعتاده ، تلك الأبتسامه التي كانت تبدو كابتسامه عاديه..
تبين لي الان انها لم تكن كذاك ابداً ، كانت خاليه من الصدق تماما..
اصفعه بخفه علئ خده : لا تبتسم كذا ، ابداً لا تبتسم كذا قدامي ..
ينزل رأسه بخفه ، يمحو ابتسامته ويعود بوجه حقيقي ، وعينين لامعه ..
احتظنه بسرعه ، امسح علئ رأسه ، وابكي كل ماعجز عن بكائه ..
كل ماقرأته في هذه الورقه وماتحمله بقيه اخواتها ..
ابكي بعدي عنه ، وجهلي به ..
....: انا معك يافلاح ، وعد مااتركك ابداً ، لو يتخلون عنك الناس كلهم ، ما راح اتخلئ عنك ابداً ..
ابتسم وانا ابتعد عنه وامسح دموعي : الله ماخلقنا تؤام عبث ، لازم تكون حياتنا دائما مرتبطه ببعض من البدايه للنهايه ، رضيت او لا ..
——
لم اكن اخاف شئ بقدر خوفي من خساره احبابي ..
كنت قد خضت تجربه الفقد ، اكثر من مره ، من اكثر من شخص ..
فماعدت اقدر علئ خوضها مجدداً ..
يقين كونه بداخلي الماضي ..
انني سأجرب الفقد بكل انواعه قبل ان اموت ..
فقد الاصدقاء ، فقد الحب ، فقد الذات ، فقد الأمل والرغبه بالحياه ، وفقد الثقه بكل شئ حولي ..
بت التصق برداء التشائم ..
كان الأحتماء به يحميني بطريقه ما ..
ذلك ان الشئ المتوقع وان كان سئ اهون علئ نفسي من وجع المفاجئه .
لذا كنت في كل مره اودعه فيها اتوقع انها اخر مره سأراه فيها ..
قبل النوم اتوقع انني لن اجده مستيقضا ..
كل قول واي فعل يبدر منه ، اصنفه تلقائياً بالاخير ...
نحن سجناء مخاوفناً ، موغله فينا بشده ..
لدرجه تسامحنا معها ورضانا بها ..
، ان هذا السجن من المخاوف هو واقع ملموس علئ عكس الحريه ..
التي لا تملك توقع لها ، اذا انها ستفجعك وتوجعك متئ ماارادت من دون اي سابق انذار ..
غادرت والدي بعد تأكدت من نومه ، خرجت من المشفئ نحو سيارتي التي تنتظرني سمر بداخلها ..
تلفحني نسمات الهواء المحمله برائحه العشب ، اخذ نفساً عميق ،وازفره ببطئ..
متئ سيرحل هذا الضيق عني ، اشعر انني اتنفس من ثقب ابره ..
نسيت كيف هو شعور التنفس الحقيقي ..
اقطع الشارع نحو سيارتي ، المشفئ مليئ بالمرضئ والزوار السيارات في كل مكان ، الكل هنا له قصه ..
ادعوا الله ان يمن على والدي بالشفاء ، ولجميع من في هذا القسم ..
فهم يعانون ، وعائلاتهم تعاني اكثر منهم ..
اصعد لداخل السياره ، حال مااغلقت الباب انتبهت لبياض الاوراق التي تمسك بها سمر ..
نسيت ان اغلق الدرج جيداً ، فضحني اهمالي ..
انه شعور سيئ ومخجل ، ان تجد كل مشاعرك منثوره امام اكثر شخص تخجل من اظهار ضعفك امامه ..
لكنها تنخرط في بكاء عميق يثير الوجع يجعلني عاجزاً عن توبيخها ..
هل انا مثير للشفقه لهذه الدرجه ؟!
——
اتتقدمني ، فأتبعها بقلب خافق يفضح كل هذا التمثيل الذي امارسه الان ، لا يجب ان اضعف الان ، نعم هذا درس يجب ان اعرفها عليه ..
التساهل في الاساسيات خطأ ، يجب ان توقن انه شي اساسي ان اعلم بكل مايدور حولها خصوصا بموضوع بالغ الاهميه مثل ذاك ..
تصعد السلالم ، تتجه للغرفه ، ازم شفتي بأمتعاض ، امشي بثقل وبطء ..
لا داعي للعجله والتسرع ...
تغلق الباب حال ما دخلت الغرفه ،
استند علئ الجدار خلفي. ، وتقف هي في مكانها ..
يتملكنا الصمت ، لا اجد شي لاقوله وعلئ مايبدو هي كذلك ..
لكنني كنت مخطأ ، تبادر هي : وين كنت الايام الي راحت ؟!
كنت علئ وشك الاجابه بعفويه لكنني اتذكر انني يجب ان اصنع موقف لا تنساه : موجود ..
: للحين زعلان مني ؟!
كدت ان اضعف بسبب تعابير وجهها والطريقه التي تحدثت بها للتو ، لكنني استمر في قراري القاسي واهز كتفي للاعلئ بلا مبالاه .
تتقدم لتسحبني خلفها للأريكه ، تطلب مني الجلوس ، فأفعل ..
تحلس بجانبي ، تمر دقائق صامته وغريبه ..
تبادر بالاعتذار : انا اعتذر ياصقر ادري اني غلطانه ، بس وقتها كنت مشتته وتعبانه ، كنت مابي احد يدري ، كان اهون علي من التفسير والشكوئ ..
اشتاط غضب من جديد اتخلص من برودي بسرعه : اولاً المفروض انا اول من يدري عن سالفه مشتته وتعبانه ، ثانيا انا مو اي احد انا زوجك ، ثالثا وهذا هو اساس المشكله ، انك انسانه ماتتنازلين تشكين لي ابداً ، ماادري ليش ؟ عدم ثقه ، قل اريحيه ، قل محبه !
تقاطعني وتقترب لتجلس علئ الارض امام كرسيي وتضع كفيها علئ ركبتي : لا ياصقر والله العظيم انك احب انسان عندي ، لولا وجودك ماحبيت هالحياه من الاساس ، اثق فيك وارتاح معك لكن لاني اعتدت ،انت ماتدري عن الاشياء الي تجاوزتها وحدي ، المواقف والانكسارات والتعب الي عشته لحالي من غير مايكون احد معي ، انا تعودت على الوحده ...
انزل بسرعه عن كرسيي اجلس مستنداً علئ الارض بركبتي وامسك بكفيها : هذا هو الي ابي اوصل له ، انا مابي اكون زوج بس ، ابي اكون انتي ، او اقل شئ اكون مثل فلاح ..
تنزلق الكلمه الاخيره بسخريه من فمي قبل ان اتمكن من امساكها ، تخرج غيرتي الطفوليه من فلاح بعفويه امامها ويضيع تعب السنين السابقه في محاوله تهذيبها واخفائها ..
: فلاح؟! شدخل فلاح الحين ؟!
كيف افسر لها الان ؟ اشعر بالخجل من تسرعي ، بعد ان كنت اطالبها بتفسير هاهي تطالبني الان ..
حسنا سأطلعها علئ مشكلتي ان الاخر، لا يجب ان اكون متحفظاً بينما امنعها من ان تكون متحفظه هي الاخرئ : مادري يمكن قلتي لفلاح عن مشاكلك ، لانه دائما كان معك وتفهمون بعض ، والحين بما ان فيه شئ يربطكم اكيد رجعتوا مثل قبل ..
تبتسم من بين دموعها ، ترفع كفيها تمسح الكرستالات المتساقطه علي خدها : شكل المشكله منك ياصقر ، تغار!
ابوح لها بصدق مشاعري : ايه ، اي والله اغار ، يمكن تحبيني لكنه يفرق عني بصدقك معه ،كل شئ عنك يعرفه فلاح قبلي ، من ايام الطفوله للحين ..
تقترب بسرعه لتحيطني بذراعيها وتعانقني : اسفه سامحني ، اخر مره ..
قالت جملتها الأخيره بنعومه مفرطه اذابت قلبي ، ابعدتها عن حضني ، مررت كفي. علئ خدها ، كانت شاحبه ، عينيها حزينه ومكتضه بالحديث ..
يؤسفني ان اكون انا سبباً في ارهاق هتين العينين ..
اقرص وجنتيها بخفه ، وامرر اصابعي علئ فكها وذقنها ..
تهمس : هه سامحتني ؟!
اجيبها بنعم وانا احاول كبح ابتسامه الرضا ..
لكن !
تسأل :لكن ايش ؟!
اجيبها صادق :لكن اذا خبيتي شئ عني مره ثانيه ، راح ينكسر شئ بيننا مستحيل يتصلح ، انا اتجاوز كثير لكني انسان ، اخاف ، اتعب ، احزن ، واخذ موقف !
وركزي علئ "اخذ موقف"
تهمس وهي تقترب مني اكثر : وعد مااخبي شئ ، راح ازعجك لين تطلب مني اسكت ..
اتذكر شئ واسألها : قبل شوي كنتي ناويه ترشين امي بالماء؟
تدعي الصدمه وهي تنفي ذلك : خيرر لا مستحيل ..
.....: هه هذا اختبار ،وش قلنا علئ سالفه الكذب ؟!
تبتسم بخجل وتخبئ ابتسامتها بكفها : يعني كنت ناويه ارشها شوي بس ..
الفها بذراعي ضاحك واحتضنها ، للتو عادت ملاذ القديمه لتطفوا على السطح ..