الفصل 157
اميز هيئتها ولو كانت بمئه غطاء اسود ..
سلمت بعد ان اغلقت الخط ، وردت السلام ، سألتني عن حالي فأجبتها بأني بخير ..
..... : متأكد ؟! شكلك تعبان ؟
ختمت حديثها وهي تجول بعينيها في انحاء وجهي ..
هززت رأسي علامة النفي ، التقطت رفضي للحديث وبادرت بالمغادره وهي تعيد هاتفها لحقيبتها..
كنت انوي تجاوزها الئ ان تذكرتها وهي تجلس علئ الارض ، تخبرني عن كل ما يعتل في نفسها : فلاح احس اني تعبانه ، مريضه . مدري كيف افهمك ..
انا قاعده اموت ، افكار وافكار ، ماعدت احس بحلاوه اي شي ، ماعدت احس بالحزن علئ اي شي ..
انا ادور في دائره سوداء ، وما ادري كيف اطلع من هالدائره ...
نعم هكذا كانت هي وهكذا انا الان ، ذاتها المشاعر والاحاسيس ، هل يمكن ان اجد عندها حل لي ؟!
..... : في الحقيقه اي انا تعبان ، ماادري كيف ؟ ومتئ ؟ لكنني تعبان ، احس بشئ مااعرفه ، شئ داخلي ميت .....
تعود للخلف تتأملني بصمت ، يغلف الهدوء محيطنا ، اشعر انني تسرعت في الشكوئ ، استشعر غرابه شكواي واندم ...
لكنها تتحدث بجديه وبصوت خافت...: وتحس بالفراغ داخلك ، مافي مشاعر مافي ردات فعل ، البكاء صعب ، والضحك من قلب اصعب !
اهز راسي ، شعرت انها كشفت عن مابداخلي ،
اخيرا احد يفهمني ؟ نعم انها تتفهمني ، ذاته هذا الوجع قد مسها من قبل..
تمسك بهاتفها لثواني ، تقف وتبتسم بعينيها وهي تشير ليدي : هذا دكتور كويس ، هذا التقييم من وحده دارت علئ كل مستشفيات الرياض ..
ارفع هاتفي للاعلي ، اجد رساله منها ، برقم وعنوان عياده ..
وقبل ان اهم بقول شئ يدخل صقر للصوره ، يبدوا علئ وجهه الامتعاظ ، يلقي السلام وهو ينقل نظراته بيننا ،
لا ادري لما توترت ، لوهله خلت انه سيكشف عن صدري ، سيعري حقيقه مشاعري ، ويكشفني حتئ امام نفسي ..
يسأل ملاذ : وين عبق ؟
تجيب ..: مع صلاح ..
يعاود سؤالها : شعندك هنا ؟! ليش مادخلتي ؟
تقترب منه ، فأختنق اكثر ، اشعر ان لا داعي لوقوفي هنا ، بكل هذه الغرابه التي تحيط بالجو .
اودعهم واخرج من المنزل ...
ان اسوء شئ في هذا الشعور هو انك لا تشعر ..
شئ لا تستطيع وصفه بالكلمات ، لكنك تستشعره بداخلك ..
تدرك انك لست بخير ، لكنك لا تستطيع تحديد موضع المشكله ..
ربما لأن لا مشكله من الاساس وكل ما انت غارق فيه هو اكتئاب عارض
فأنا مازلت محتفظ بمشاعر الحب ، واشعر بالخوف من خساره من احب ..
لكنني ...، حسناً لا اعلم ، انا ماعدت اعرف حقاً ..
فقد تشابهت وجوه الاطباء ، تشابهت اقلامهم وخربشاتهم ونظاراتهم ونظراتهم ،
بات كل شئ يطابق الاخر ، حتئ اجاباتهم وادويتهم ..
اتتبع حل ملاذ ، انه السبيل ربما للخلاص من هذا الشعور ..
اصل اخيراً ، واجلس في الانتظار ..
اجد انواع واشكال من البشر هنا ..
بأعمار واشكال مختلفه ..
الكل متعب ، يبحث عن حل لمشاكله ..
لا احد مرتاح في هذه الدنيا ..
كل طبيب اطرق بابه يشخصني بالأكتئاب و بنوبات الهلع ..
ويعطيني دواء ، يخبرني انه سيحل المشكله ، لكنه يقتلني من الداخل ، يحيلني لشخص اخر ، يزيد من موت جوفي ..
كان الاكتئاب هو الشعور الذي لازمني لفتره طويله ، لكن نوبات الهلع بدأت في ذلك اليوم ..
حين ذهبت بوالدي للمشفئ ، كنت اشعر بالخوف من الصباح ، كان جوفي يرتعش ..
ومن هنا تعرفت علئ تلك النوبات ..
..
يومها كان الطبيب يسرد علينا اشد كوابيسنا ، بلهجه عمليه جداً خاليه من اي لطف يذكر ..
ينصح والدي ان يبدأ مباشره في العلاج ، رغم انه ليس بالمتفائل جداً بنجاح العلاج ..
استأصال ، علاج اشعاعي وكيميائي، ادويه وعقاقير ..
ونسبه نجاح لا تستحق كل هذه المخاطره ..
كان والدي يفرك يديه ، يردد : لا حول ولا قوه الا بالله ..
كنت لا املك اسأله ، لم ارد شيء اكثر من ان احطم وجه الطبيب ، كان متمثل امامي بصوره مرض والدي ..
يحطم والدي ، يكسر كل ماحاولت ان احييه فيه من امل ..
قطع الامل في نفوسنا تماماً ، ماالذي كان سيخسره لو انه دس بعض من التفائل بين كلماته ؟!
شعرت بضيق تنفس يزداد ، كنت اجهاد لالتقاط انفاسي ، تعذرت من والدي بأنني سأجلب ماء واعود ...
ما ان تواريت عن انظار والدي ، حتئ بدأت اهرول بسرعه بحثاً عن طريق للخارج ، كان الاختناق يزداد وحين لمحت النور المشع من الباب امامي ، ركضت ..
حين استقرت قدمي في الخارج ، حتئ شعرت بأن كل قوه تجلدت بها خارت وسقطت عن جسدي ، ماعدت حتئ املك منها مايساعدني علئ الوقوف ..
كنت عاجزاً عن التنفس ، فتحت ازره ثوبي الاماميه ابحث عن اي نفس فانا اختنق ..
لا ادري كيف انتهئ بي الامر اجلس علئ ركبتي ، كل مااعرفه انني اموت الان ، لا اجد نفس ، كل ما حاولت البحث عنه يزداد اختناقي ..
جلت بأنظاري ، ابحث عن اي مساعده ..
لا اريد ان اموت الان ، ليس اليوم ..
وابي متعب وينتظرني في الداخل ..
من بين الايام كلها لما يجب ان اموت الان ..
ارتفع عن الأرض ، يجلس عند قدمي شخص ، يتكلم لكنني لا افقه كلامه ..
اسمعه يخبرني ان اهدأ ، اتأمل الوجوه امامي وانا مازلت انازع ..
اضع يدي علئ صدري ، ابحث عن اي نفس او زفره ، عن اي شئ يساعدني لأجد تنفسي الضائع ..
فأختنق اكثر واكثر ..
هل حان موتي الان ؟! هل انا اموت الان ؟!
بدون حتئ ان احضئ بحياتي التي حلمت بها ..
بدون ان اصل للسلام الذي ابحث عنه ..
كانت ومازالت الحياه قاسيه علي ، اكثر من ما اتحمل ..
انا متصدع ، في جوفي صدوع غائره ، لا سبيل لجبرها ..
ومازالت الايام والمواقف والاحزان تتكالب علي ..
وها انا احضئ بنهايه بائسه ....
....
لم امت ، رغم انني حقاً ظننت انني احتضر ..
في كثر من الاحيان اتمنئ لو انني مت يومها ..
فأنا منذ ذلك اليوم ، احارب هذه النوبات بصعوبه ،
اموت اكثر من مره في الاسبوع ، وبقيه الوقت امضيه في الخوف من عودتها ..
اقاتلها واقاتل مرض والدي وقراره في عدم العلاج ..
تنادي الممرضه بأسمي ، اتبعها ..
ادخل لأجد طبيب يشبه كل الاطباء الذين قد زرتهم من قبل ، لا ادري لما خلت انه سيكون مختلفاً ..
اجلس حيث اشار لي ..
يسأل ببطء ، يركز ويتمعن في كل شئ اخبره عنه ..
ادرك انه يدرسني الان ...
اجيبه عن كل اسألته ، اخبره عن معاناتي بسرد اعتدت عليه ..
اخبره : زرت قبلك ثلاثة اطباء ، مافي اي فايده ، ونصحني شخص بك ، واتمنئ تكون غير عنهم كلهم ..
يبتسم وهو يركز نظره في الاوراق امامه : احد من مرضاي الي نصحك؟
اسأله بفضول : اي ، عندك مريضه اسمها ملاذ محمد ؟! ايش الي كانت تعاني منه ؟
يرفع رأسه ، ويخلع نظارته وهو يركز نظره بي بتمعن ، لمحت شئ في نظراته قبل ان يتداركها ،
كانت الصدمه ربما لا اعلم : هي الي نصحتك بي ؟
اهز رأسي ، يقلب الأوراق و يبتسم ، يعاود ارتداء نظارته ، واعاود انا سؤاله : فيها اكتئاب صح ؟
....: ثق ثقه تامه ، اني مستحيل افصح عن اي معلومه تخص المراجعين عندي ...
كنت اطمع في ان يخبرني بشيئ عنها ، وعن حالتها ..
لادري انا فقط اردت ان اعرف لأي مدئ عانت ..
ربما لأحضئ ببعض الامل لنفسي ، او فقط لأطمئن قلبي عليها ...
.........
.
انادي من بعيد ، فترد لي جدتي النداء ، وتخبرني ان اتقدم للداخل ..
ادخل المجلس الواسع ، اسلم علئ جدتي ، اقبل رأسها وكفها المخضبه بالحناء ..
تبادر زوجه عمي بالسلام ، فأرد عليها ، أسأل عن حالها وعن اولادها وفلاح بالاخص ..
تجيب : كلهم بخير الحمد لله ، انت اخبارك ؟ شعلوم ملاذ واختها ..
اجيب : الحمد لله مانشكي بأس كلنا بخير ..
........ : الحمد لله علئ سلامه ملاذ ، ومعوضين خير ..
خلت انني سمعت شئ خاطئ ، تبادر جدتي بسؤالها : معوضين في وش؟
تجيب بتعجب : ليه مادريتي ؟ ان ملاذ سقطت ؟!
تجيب جدتي عليها بسخط واضح : لاا والله مادريت ..
كدت ان اقهقه كما لو انها مزحه ، لا ادري اعتدت علئ الاشاعات في محيطنا وبين نساء العائله هنالك دائما اشاعه عني انا وملاذ في الأرجاء ..
تسألها جدتي : انت وش دراك .؟!
....: افا اجل ماوصلك علم ؟