قدري الأجمل - الفصل الخامس والاخير - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: قدري الأجمل
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الخامس والاخير

الفصل الخامس والاخير

*ـ ࢪواية. قدري الاجمل🥳🥀↻≯🍒⸙•♡»»)) 16/17/18/19الاخيز ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ غرام الروايات ‏تابع قناة غـ͓̽ـرٍآمـ͓̽ـ آلَرٍوٌآيـ͓̽ـآتـ͓̽ـ 🧚‍♀️📚💅💫 في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029VakuN1aHwXbJf5jj7w0J ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏{أقسى أنواع العذاب… أن تؤذي من أحبّ قلبك، وأنت تعرف ذلك.🖤🌚} مكّة كانت ملقاة على الأرض، جسدها مكور على نفسه، كما لو أن العالم كله قد تآمر عليها، وأن الهواء نفسه لا يريد أن يحيطها. فجأة… ارتجف جسدها، كغريقٍ يفلت من أعماق البحار، فتفتحت عيناها على الفزع، وارتعشت كما لو أن جردل ماء ثلجٍ قد ثُقب فوقها. وقفت مكّة، ترتجف، عيناها تلتقط ما حولها بنظرة مكسورة، خاسرة كل شيء. أما تميم، فكان يقف أمامها بلا أي شعور، ببرود قاتل. رفع الجردل بعيدًا عن طريقه، ونفخ السيجارة بين شفتيه: — سقعه؟! قطرات الماء تتساقط من شعرها على وجهها، على كتفيها، وعلى صدرها المبلل، صوتها بالكاد يسمع: — أنت مين؟ ضحك تميم ضحكة عالية، نفخ الدخان في وجهها: — قدرك الأسود… نظر إليها من أعلى إلى أسفل، حرك إصبعه بجانب فمه، وكأن الكلمات نفسها هي أدوات العذاب: — أنا المشاريب اللي أبوك شربها… وانت اللي هتحاسبي عليها. تحرك حولها ببطء، مكّة تنظر إليه فقط، كل جسدها يرتجف من البرد والخوف. تميم لم ينظر في عينيها، يعلم أنه قد ينهار لو فعل… روح الانتقام هي الوحيدة التي تغطيه الآن. مكّة تحدثت بغضب، صوتها يرتعش: — وأنت تعرف بابا منين؟ انت عاوز مني إيه؟ اقترب تميم، عيناه تشع شرار نار، وفي لحظة، لف شعرها حول كفه ليشدها إلى الخلف. مكّة تأوهت من الألم، دموعها تنهال بغزارة: — أنت انتجننت! تميم بصوت مبحوح وغاضب: — أعرف أبوك منين! أبوك خلاني أعيش يتيم… أبوك حرمني من أكتر حد حبيته في حياتي… كنت مسنود عليه، وأبوكي الغبي بسببه بقيت وحيد! مكّة لم تفهم كل شيء، لكن قبضته على شعرها تؤلمها بشدة. رجت بجسدها، تبكي بصوت هستيري: — ارجوك سيب شعري يا تميم… لكن تميم لم يكن معها، عيناه تلمعان بالانتقام، قبضته تزداد قوة… فجاء صوتها الصارخ: — آآآه! تميم دفعها سريعًا، جسده ينتفض من العاطفة المكبوتة، ضربات قلبه تتعالى كأنها طبول داخل صدره. سقطت مكّة على الأرض، لكنها قررت أن تتوقف عن البكاء، لتفهم ولو حرفًا واحدًا مما يقوله. تميم ببرود: — قومي. مكّة ارتجفت من صوته، رجاءً: — ارجوكي يا تميم… فوق أنا عملتلك إيه؟ لم يسمح لها بالكلام، وفي لحظة، كانت يداها معلقتين بالحبال، مرتفعتين عن الأرض، وآسفلها مياه ساخنة تصدر فقاعات، والحرارة بدأت تعرق جسدها بالكامل. تميم جلس على كرسيه، أمام جهازه، يراقب كل صرخة، كل اهتزاز، كل نفس، عيناه تتنصب في الفراغ، مسمعة كل كلمة: — هتعمل إيه يا تميم…؟ أرجوك لأ ....أرجوك ماتعملش كده ذهبت منه ذكرى : لااااااااا بابا طلعوا بابا عمتو ليه بتحطوا علي بابا التراب طلعوا بابا من هنا لااااااااا ليغلق عينه مسلم تماماً.......ويقع مغشى عليه لا يتحمل فكره أنه فقد والده وفي لحظة، ضغط على زر واحد، وسقطت مشط قدم مكّة في المياه، رجت كل الجدران بصوت صراخها. تميم نهض بسرعة، وبضغطه زر آخر كانت تهبط مكه علي الأرض فك الحبال، حملها بين يديه كما لو كانت جثة هامدة، شعرها مبعثر، ويديها مرتخيتان تمامًا. وضعها برفق على الفراش، ضربات قلبه تتسارع، هرول إلى الخزانة وأخرج عبوة “بانديرماكس” (Bandermax Cream) للحروق، أسرع إليها، رفع قدمها المبللة، نظر إليها بعينين متفحمتين بالقلق والندم. قدمتها كانت حمراء ومرتفعة الحرارة، الجلد حساس ومتورم، أصابعها ترتجف، والقدم مغطاة بالماء الساخن المتبخر. بدأ يضع المرهم بحذر: ضغطه خفيف على الإصبع الكبير أولًا، يدلك المرهم بحركات دائرية صغيرة لتوزيع الكريم على كامل القدم. ينتقل تدريجيًا إلى باطن القدم والكعب، حرصًا على توزيع الحرارة ومنع أي حروق إضافية. يدلك حول أصابعها، ثم يمتد للحافة الأمامية للقدم، كل حركة محسوبة، دقيقة، دافئة، حنونة رغم برودة عينيه. مكّة شعرت بالراحة البسيطة ، جسدها بدأ يهدأ قليلًا، لكنها لا تزال في صدمة. تميم أنهى وضع المرهم، مسح يده بلطف، جلس على طرف السرير، ينظر إليها وهي نائمة، شعرها متفرق على الوسادة، وجهها مبلل، يديها مرتخيتان… صامتًا، ولكن كل عاطفته مختبئة خلف برودته المعتادة. ظل ينظر، كأنه يراقب أثر الألم الذي تركه فيها، وفي نفسه أيضًا، عيناه تثبتان على وجهها، لا ينطق، ولكن كل شيء في صمته يقول: — الانتقام ليس سهلاً، ولا الرحمة تأتي بسهولة. وليتنهد ويقترب من ذلك الجزء في الحائط لينشق ويتركها تواجه مشاكل لاعلاقه لها بها ...................... ــــــــ&ــــــ&&&&&ــــــــــــــ& البيت كله ساكن ، كأن الزمن نفسه توقف عند حدود الغرفة. رحيم جالس على الكنبة، ظهره منحني، عينيه مثبتتان في الفراغ، دموع صامتة تنساب بلا توقف، قلبه يئن تحت كفه. فاطمة، صوته ارتجف من البكاء: — هاتولي بنتي… أبوس إيدكم… عاوزه بنتي! مالك كان يتحرك في الغرفة كالمجنون، يلف حول نفسه بسرعة، شعوره كأن جزء من رأسه سيهرب من مكانه. صرخ بغضب أعمى: — يعني إيه اختفت من القصر يعني… إييييييييييبببيييييييه! وفي ثانية، التفت إلى ذلك الشخص الواقوف مطأطأ الرأس، الحزن يكسوه من كل جانب. اقترب منه، مسك باقة قميصه كالثور، صوته اهتز بالغضب: — وربي ما أعبد… أقسم بالعلي العظيم، لو طلعت تعرف حاجة عن الموضوع ده، هنف.يك يا تميم! سامر تدخل سريعًا، يحاول فك التوتر: — أهدى يا مالك… هو لو تميم ليه علاقة، هيبقى ده منظره… مهما كان… دي مراته برضو! مالِك انفجر بصرخة لم يسمع مثلها أحد: — ماتقولش مرااااااااااااته! وفجأة، رن إشعار على هاتف رحيم. التقطه بسرعة، وبمجرد أن فتح الفيديو كاتم الصوت ارتعش جسده بالكامل. فاطمة اقتربت بلهفة لتأخذ الهاتف منه، وفي ثانية فقدت وعيها. سامر هب عليها، حملها بين ذراعيه، بينما مالك ظل واقفًا، متجمدًا… لا يريد أن يرى، لا يريد، كان يريد الموت قبل أن يرى أي شيء. تميم نظر إلى الهاتف، صرخ: — ممممممممممممممكه! ظل يضرب كل شيء حوله كالمجنون، بينما مالك، يده ترتجف، أنفاسه متقطعة، قلبه كاد يتوقف. رفع الهاتف، وعيناه وقعتا على الشاشة. مكة… كانت معلقة، قدمها في الماء الساخن مرة ، جسدها يلمع بالعرق والماء، عرقها يتساقط كالمطر، كل تفصيلة من جسدها تُظهر الألم والرعب والخذلان. مالك لم يتحرك، أصابعه تتحرك على الشاشة، يمسح، يلمس، يبكي كالطفل، كل دمعة تنهمر بلا توقف. تميم ظل ينظر إليه، بصمت طويل، ثم عاد بصره إلى رحيم، الذي كان يضع يده على قلبه ويبكي بحرقة: — بنتي… هاتولي بنتي… سامر خرج من الغرفة، صوته يرتفع كالمجنون: — انتوا هتفضلوا متنحين كده كتير… لازم نتصرف… لازم نشوف هنعمل إيه! مالك عاد إلى وعيه، نظر إلى سامر، عيناه مرعبة، تحولت إلى اللون الأحمر، عروقه بارزة بشكل مرعب على وجهه، كأنها لوحة حية من الغضب والانتقام. رفع إصبع السبابة، وقال بهدوء قاتل: — أنا لو شميت ريحة كدب، وأنتم عارفين هي فين… مش هرحم حد. وفي ثانية، انطلق خارج البيت كالمجنون. تميم شعر بشيء من الرعب تجاه نظرته، لكن مشهد رحيم ودموعه جعله يشعر بالشفاء الداخلي قليلاً. صرخ سامر: — انت هتفضل متنح كتير… مش وقت صدمة ياتميم! فوق… لازم ندور عليها… لازم نعرف إزاي اختفت من وسطنا… وإيه اللي حصل… اتحرك! تميم نظر إليه، عيناه تتحول من نظرة مشحونة بالغضب إلى نظرة قلق، رسمتها واضحة على وجهه، ثم هرولوا معًا خارج البيت. وفي نفس اللحظة، اصطدم كتف سامر ب… مها. رجعت لورا، تأوهت بغضب: — مش تفتح يا عمّي! لم يرد أحد عليها، أكملت طريقها نحو بيت مكّة وهي تمتم بغضب: — ناقصة أشكالكم هي… ما إن وصلت بيت مكّة حتى وجدت الباب مفتوحًا، صدمت من منظر رحيم يجلس على الأرض، يضع كفه على موضع قلبه. هرولت عليه بقلق: — عمي رحيم…! ــــــــــــــــــــــــــــــــ&&&&&&&&&ــــ كان يقود سيارته بلا وعي ، قدماه تضغطان على الدواسة، وعيناه مثبتتان على الطريق دون أن تراه حقًا. شيء خفيّ كان يشدّه… إحساس غامض، كأن قلبه يعرف الاتجاه قبل عقله. لم يفكّر، لم يتردّد… وجد نفسه أمام القصر. دخل بخطوات ثقيلة، وجهه شاحب، ملامحه منهكة، كأن روحه انسحبت وتركت جسدًا يتحرّك بالعادة فقط. فايزة ما إن وقعت عيناها عليه حتى انتفضت: — مالك ؟! في إيه؟شكلك .....هو سامر مش هنا ه قاطعها صوته، مبحوحًا، فارغًا من أي حياة: — فايزه هانم مكه اختفت فين ؟!. الجملة سقطت كالقنبلة. فايزة شهقت، جسدها ارتعش بعنف، يدها تمسكت بحافة الطاولة لتتوازن، وعيناها اتسعتا برعب حقيقي. ذلك الارتعاش… لم يَفُت مالك. عيناه ضاقت كالصقر، ذكاؤه الحاد التقط الارتباك، شيئًا ما لم يكن طبيعيًا… هناك سر. وفي الخلف، كان آسر يضرب رأسه بكفيه بجنون: — يعني إيه اختفت؟! أنا متأكد إنها ماخرجتش من هنا! متأكد! مالك لم يلتفت. نفض كل الأصوات، كل الوجوه، وقال بجديّة قاتلة: — عايز أطلع أوضتها. ساد الصمت. رهف نظرت لآسر بتردد، ثم تحركوا سويًا. غرفة مكّة – من وجهة نظر مالك ما إن خطا داخل الغرفة… حتى انفجر قلبه. ضربات عنيفة، متلاحقة، مؤلمة. أنفاسه اختنقت، صدره ضاق، إحساس غريب اجتاحه… إحساس عاشق يقترب من حبيبته دون أن يراها. الغرفة تحمل رائحتها. دفئها. أنفاسها. وقف في المنتصف، لا يدري لماذا يشعر أنها هنا… قريبة… قريبة لدرجة لو أزاح هذا الحاجز الوهمي لرآها مكسورة أمامه. لا يعلم أنه يقف فوقها. لا يعلم أن بينه وبينها فقط طبقات من الأرض والحديد. انتقال إلى مكّة فتحت عينيها ببطء. الضوء خافت، الجدران قاسية، الهواء ثقيل. نظرت إلى قدمها… صرخت. ألم حارق صعد إلى صدرها، دموعها انفجرت، صوت أنينها خرج مبحوحًا: — آآه… رجلي… بكت. بكت بحرقة، وهي تهمس بصوت متكسّر: — ليه بيعمل فيا كده؟… قال بابا… بابا عمله إيه؟ شهقتها قطعت الكلمات: — كل ده بسببي… بسبب إني اتسرعت في الحكم… بسبب إني ماشوفتش غير الانتقام… وطلعت بنتقم من نفسي. ضمّت نفسها بقوة، كأنها تحاول حمايتها من العالم. الغرفة مخيفة، جدرانها صامتة، الإضاءة باهتة، كل شيء يضغط على صدرها. بكت أكثر… أكثر… حتى تعبت من البكاء. عودة إلى مالك كان يدور في الغرفة كالمسكون. يفتح الأدراج. يقلب السرير. ينظر خلف الستائر. قلبه يقوده، لكن عقله لا يجد دليلًا. توقف فجأة. صوت خطوات. باب الغرفة فُتح… ودخل تميم. وقف بهدوء مستفز، يداه في جيبه، نظرة باردة لا تحمل أي ذرة ندم: — عموماً… سايبك تعمل اللي إنت عايزه. اقترب خطوة، صوته انخفض: — بس أعرف إن ده عيب وغلط يا باشمهندس. ثم أضاف بابتسامة جانبية سامّة: — وما تنساش… مكّة مراتي. ومحدش هيخاف عليها قدي. الاستفزاز كان مقصودًا. البرود متعمّد. كأنه يسكب الملح على جرح مفتوح. مالك التفت ببطء. الغضب في عينيه كان أعمى، قاتلًا. اقترب منه حتى أصبحا وجهًا لوجه: — أنا متأكد إني هيطلع وراك حاجة. صوته هادئ… أخطر من الصراخ: — ولو تأكدت… هتفضل تتمنى الموت، ومش هتلاقيه. — وده وعد. ثم استدار ليخرج. لكن… توقّف. شيء شدّ انتباهه. باب حديدي… مخفي في الحائط… يشبه باب خزنة. عيناه ضاقت. قلبه دق بقوة*15* كان في شيء غامض… شيء يشدّ مالك نحوه دون وعي، فضول حذر، إحساس مهندس يشكّ قبل أن يفهم. تحرّك ببطء شديد، خطواته محسوبة، عيناه لا تفارقان ذلك الشيء المندمج في الحائط. تميم ظلّ في مكانه، ثابتًا… ببرود مستفز. مالك ضيّق عينيه، صوته خرج هادي: — إيه البتاع ده؟ تميم ضحك ضحكة باردة، قصيرة: — البتاع ده؟ وسكت لحظة، قبل ما يكمل بسخرية: — مش عيب تبقى مهندس قدّ الدنيا… ومش عارف إيه البتاع ده؟ مالك بصّ له نظرة طويلة، نظرة واحد متأكد إن في حاجة غلط. ردّ بنفس برودِه: — أنا كمهندس… لو شغّلت دماغي وعرفت إيه البتاع ده، وقف لحظة، عينه في عين تميم — هتزعل مني أوي يا دكتور. تميم رفع إيديه بسرعة، كأنه بيستسلم: — وليه نتعب دماغ المهندسين؟ اتجه ناحية الحائط، ما لمسش الباب، بس كتب كود. وفي ثانية… الباب اتحوّل لخزنة مفتوحة. فلوس. ملفات. أوراق مترصّة بعناية. تميم بصّ لمالك، غمز له ببرود: — بس كده. — لو تميم العاصي اتسرق… هيبقى واضح أوي مين اللي سرقه. مالك قرّب خطوة، حط إيده على كتف تميم. صوته كان ثابت… واثق… مخيف: — تميم اللي مدّ إيده وسرق حاجة مش بتاعته… سكت لحظة، يفرك صوابعه جنب فمه، وبص له من فوق لتحت بهدوء قاتل: — وتعرف عندنا في الإسلام عقوبة اللي بيسرق إيه؟ عينيه نزلت على كفّ تميم ببطء: — قطع إيده. ربت مرتين على كتفه، كأنها لمسة وداع. ثم استدار وخرج من الغرفة. تميم ظلّ واقفًا. ثابتًا. لكن قلبه اتقبض… قشعريرة غريبة عدّت في جسده، ما قدرش ينكرها. هبط مالك بهدوء. لكن عيون كتير كانت متعلقة بيه… نظرات وجع، رجاء، اعتذار عن ذنب ما ارتكبوهش. آسر اندفع ناحيته، مسك كفّه بتوتر: — انت هتلاقي مكّة… صح؟! مالك رفع راسه ببطء، رفع حاجبه. وشه كان هادي… لكن الألم كان بيصرخ جواه. — إنت بقى تعرف مكّة؟ آسر ردّ فورًا، من غير تفكير: — أنا من غير مكّة… هضيع. مالك ركّز في نبرته، في صدقه. قال بجدّ: — مممم… — للدرجة دي؟ رهف صرخت من وراه، صوتها مكسور: — يعني إيه للدرجة؟! — إنت ما تعرفش مكّة دي بالنسبالنا إيه! وقربت خطوة: — أبوس إيدك… رجّعها. — ولو حد فينا زعلها… أوعدك محدش يزعلها تاني أبدًا. مالك لفّ بنظره عليهم. وجوه مليانة حب. خوف. عيون بتتكلم قبل ما الشفايف تنطق. تنفّس بعمق… وساب كل حاجة. ثواني… وكان قاعد في عربيته. إيد على الدركسيون، راسه مسنودة لورا، والإيد التانية مغطيّة عينه بألم. عقله بيحاول يربط… يجمع… يفهم. بس مفيش حاجة بتيجي. ضرب الدركسيون بغضب: — آااه! وفجأة… صورتها جات قدّامه. وهي بتتألم. وما حسّش بنفسه… دموعه نزلت، سيل… زي المطر لما يتحوّل لسيول. شهق… كطفل صغير تايه. كانت مكّة فاقدة الوعي، جسدها ساكن كمن استُنزف حتى آخر قطرة. آثار البكاء لا تزال محفورة على ملامحها، وشفتيها تتمتمان بكلمات غير مفهومة، كأن عقلها عالق في كابوس لا يريد الإفاقة منه. في اللحظة نفسها، دلف تميم بخطوات هادئة للغاية. اقترب منها ببطء، قلبه يتحرك وحده، بينما عيناه خاليتان من أي شعور. جلس جوارها على الفراش. الجو من حولها كان ساخنًا على غير طبيعته، كأن موضعها تحوّل إلى بؤرة حرارة، كأن جهاز تدفئة خفيًّا يعمل بلا توقف. بيد مرتعشة، وضع ظهر كفه على جبينها… وسرعان ما سحب يده بعنف، كمن لامس إناءً مشتعلًا تُرك طويلًا فوق النار. اقترب منها، حرّكها برفق: — مكّة… لا شيء. لا أنين. لا نفس مسموع. جسد هامد. تنفّس بألم، وصرخ داخل نفسه: غبي يا تميم… غبي. لو حصلها حاجة، مش هرحمك… غبي. اندفع مسرعًا نحو الخزنة، تلك التي بدت وكأنها صُنعت خصيصًا لمداواة جراح هذه المسكينة. أخرج الدواء، أعدّ العلاج بخبرة واضحة، وبدأ يخفّض حرارتها بعناية شديدة، خطوة بعد أخرى، حتى استقر جسدها نسبيًا. ثوانٍ قليلة، ثم غادر المكان. لم تمر دقائق حتى عاد مرة أخرى، هذه المرة يحمل طعامًا. جلس بجوارها، عيناه تتنقّلان بين الكانولا وملامحها الهادئة. رفع يده، وربّت بخفة على وجنتها: — مكّة… فتحت عينيها ببطء، كأنها تستيقظ من نومٍ عميق. ما إن وقعت عيناها عليه، حتى اندفعت للخلف بفزع، جسدها انكمش على نفسه. قالت بصوت مرتعش، والدموع تنهمر: — ه… هتعمل إيه؟ أشار بيده، محاولًا تهدئتها: — مش هعمل حاجة… بس ممكن تاكلي؟ هزّت رأسها نفيًا، تتلعثم: — ل… لا… مش جعانة. نظرت إلى كفيها، ثم أغمضت عينيها بألم شديد. نبرته تغيّرت، غضب ممزوج بخوف: — أنامش باخد رأيك… بقولك كُلي. ارتجفت من صوته، وأخذت تأكل، والدموع تسيل بصمت. كطفل صغير تُجبره أمه على طعام لا يريده. مسح وجهه بيده، قلبه يصرخ أن يضمّها بين ضلوعه، أن يحميها… لكنه وبّخ نفسه بعنف. الانتقام كان أحب إليه من حبّها. توقّف حين سمع صوتها المكسور: — ش… ش… شبعت… مش هقدر تاني. نظر إلى الطبق، بالكاد لم تمسّه. اقترب، جلس أمامها مباشرة، أمسك كفّيها وضمهما إلى صدره. لحقت بهما ضربات قلبه المتسارعة. قال بهدوء مثقل بالخزي: — أنا آسف… ماكنتش أقصد. — سامحيني… مش بإيدي. هزّت رأسها موافقة، لا تنطق، دموعها فقط تتساقط من شدّة الخوف. قالت بصعوبة: — س… سيبني أطلع من ح… حياتك. — وأوعدك أنا هختفي… ومش هتشوفني تاني أبدًا. نظر إليها بحزن، مرّر أنامله على وجنتيها، يمسح دموعها برفق: — ماينفعش. نهض فجأة، تبدّلت نظرته. ما إن أمسك بيدها حتى صرخت بأعلى صوتها، تتوسّل: — لأ… لأ… ابوس إيدك يا تميم سيبني! — أنا عملتلك إيه؟ أستاهل عليه كل ده؟ — تميم… هتعمل إيه؟ هتعمل إيه؟! لم يجب. قبضته كانت أقوى من صراخها. وفي ثوانٍ، ألقى بها داخل غرفة مظلمة. باب حديدي أُغلق خلفها بصوت مدوٍّ. كورَت نفسها على الأرض، تصرخ بهستيريا: — يا ماما… طلعوني من هنا! — يا تميم… يا ماما… بخاف من الضلمة! — طلعني من هنا تميمييييييم! استند بظهره إلى الباب الحديدي. دمعة مؤلمة هبطت من عينيه، مسحها سريعًا، يذكّر نفسه: ما تنساش… حرموك من أبوك. هما السبب… هما. وتركها تواجه قدرها… تُعاقَب على ذنوب لم ترتكبها يومًا. في الداخل، ساد الصمت لحظات. ثم… زئير. مكّة هزّت رأسها نفيًا، وضحكت بهستيريا: — لأ… لأ… أنا بتخيل… لكن الصوت اقترب. أنفاس ثقيلة. عينان تلمعان في الظلام. لم يكن كابوسًا. كان واقعًا. تجمد جسدها، صرخت صرخة اخترقت المكان، الرعب ابتلع صوتها، وانهارت قواها بالكامل. وفقدت الوعي. 🖤 في صباح يومٍ جديد… جلس رحيم على حافة الفراش، ظهره محني، كتفاه ساقطتان كأن العمر هبط عليه دفعةً واحدة. الهاتف بين يديه، يقبض عليه بقوة، كأنّه خيط النجاة الأخير. ينتظر… أي رسالة، أي صوت، أي دليل أن ما عاشه لم يكن سوى كابوسٍ عابر. أن مكّة بخير. أن قلبه لم يُكسر إلى هذا الحد. مرّت ثوانٍ ثقيلة… ثم جاء صوت مها، متزامنًا مع إشعار الهاتف: — أرجوك يا عمو… خد الدوا، وكل أي حاجة. لكن يد رحيم كانت أسرع من أذنه. فتح الفيديو. وفي اللحظة ذاتها… ارتعش جسده بعنف. ارتجاف لا إرادي بدأ من أطرافه، تسارعت أنفاسه، اتسعت عيناه، وتجمد صوته في حلقه. حاول أن يتكلم… لم يخرج صوت. سقط الهاتف من يده. ثم… انهار جسده بالكامل. الأرض ابتلعته. ارتخاء مفاجئ في نصف جسده، ذراعه لم تستجب، ساقه خانته، فمه انحرف قليلًا، وعيناه ظلّتا مفتوحتين في ذهولٍ مرعب. حاول أن يصرخ… لكن لسانه لم يطاوعه. هرولت مها نحوه، هبطت على ركبتيها، تصرخ بأعلى صوتها: — عمي رحيم!! — حد يلحقناااااا!! حاولت تحريكه، هزّت كتفيه: — عمو… كلّمني! — عمو رد عليّ! لم يجب. أنفاسه متقطعة، صدره يعلو ويهبط بصعوبة، ونصف جسده ساكن كأنه لم يعد يخصّه. وصلت فاطمة على صراخ مها. ما إن رأت المشهد حتى شهقت بقوة، وضربت على صدرها، وانهارت: — يا رب… يا رب رحمتك! — رحيم… رد عليّ! علشان خاطري رد! وفي تلك اللحظة… كان سامر يدخل البيت. تجمّد للحظة، استوعب المشهد بسرعة، وانقلب إلى شخصٍ آخر. اقترب فورًا، فحصه بعين خبيرة: — مها… ابعدي. — فاطمة… اهدي. أمسك برحيم، حاول تثبيت رأسه، رفع صوته بحزم: — رحيم… سامعني؟ — رمش بعينك لو سامعني. لا استجابة. — لازم نتحرك حالًا… دي حالة طارئة. بعد دقائق… كانت سيارة الإسعاف تشق الطريق. وفي المستشفى، ساد الهرج، أصوات الأجهزة، خطوات سريعة، وأسئلة متلاحقة. نُقل رحيم على النقالة، وأُغلق الباب خلفه. مرّت دقائق كأنها ساعات. خرج الطبيب أخيرًا. ملامحه جادّة… لا تحمل بشائر. اقتربوا منه بلهفة. فاطمة بصوت مرتجف: — طمّني يا دكتور… بالله عليك. تنفّس الطبيب بعمق: — للأسف… المريض جاله شلل كُلّي مفاجئ. شهقت فاطمة، كادت تسقط: — شلل؟! مها صرخت: — يعني إيه شلل؟! يعني مش هيقوم؟! الطبيب بهدوء مهني: — إحنا شاكّين في جلطة دماغية. — هنعمل أشعة فورًا علشان نتأكد ونحدد درجة الإصابة. سامر ضغط على فكه، سأل بثبات: — حالته خطيرة؟ الطبيب أومأ: — أي جلطة بتبقى سباق مع الوقت. فاطمة انهارت تمامًا، جلست على الأرض تبكي بحرقة: — بنتي… — جوزي… — يا رب أنا عملت إيه علشان يحصل فيّا كده؟ وقف سامر صامتًا، عيناه معلّقتان على باب غرفة الأشعة. في قصر العاصي… كان تميم نازل السلم، وشّه شاحب، ملامحه متكسّرة، حزن تقيل قاعد على صدره كإنه حجر. كان ناوي يخرج، يهرب من المكان ومن نفسه. وقف فجأة. صوت هادي جاله من وراه… صوت فيه ترقّب وخوف ووجع مكبوت. — فين مكّة يا تميم؟ قدمه شلّت مكانها. ما اتحرّكش، بس نفسه اتسحب من صدره بعنف. لفّ ببطء. واقفة ورا، متكأة على عصاها، نظرتها باردة، لكن رعشة إيديها الممسكة بالعصاية كانت فاضحة كل القلق اللي جواها. تميم أخد نفس طويل: — عايشة… ما ماتتش. قربت منه خطوة، مسكت كف إيده، وبكت بحرقة: — سيبها يا ابني… أبوس إيدك. — هي مالهاش ذنب… مالهاش دعوة بأي حاجة. فجأة صرخ. عينه اتحولت لغضب أعمى، مسك كف إيديها وضغط عليه بقوة، من غير ما يكون مدرك هو بيعمل إيه: — محدش يحدد اللي ليه سبب واللي مالوش سبب غيري! تأوهت فايزة بألم، وهو بيبعد عنها ويهرول: — هتندم يا ابني! — ليه تعاقب واحدة كل ذنبها إنها بنت رحيم؟ — ليه يا تميم؟ لكن تميم كان اختفى… ساب وراه صدى صوته ووجع ما ليهوش علاج. قعدت فايزة على أقرب أريكة، دموعها نازلة بمرارة: — يا رب… يا رب. وفجأة… شدّها فلاش من الذكريات. — يا ابني سيب الكرسي كده… هتعوّر نفسك! وقفها بحركة حادة من إيده في الهوا: — خليكِ مكانك يا تيتة! — الكرسي ده كان بيوقّع بابا! قالت بخيبة أمل: — سيب الكرسي يا تميم… هتتعوّر. لكن ما سمعش. فضل يضرب فيه لحد ما اتكسّر حتت خشب. إيده اتجرحت جرح قوي، الدم نزل، بس ما اهتمّش. فضل يخبّط بإيده المصابة، يصرخ: — علشان تبقى تعوّر بابا تاني! فاقت من شرودها، دموعها نازلة بحرقة: — يا رب… يا رب. وضمّت العصاية لصدرها، وقلبها بيبكي على حفيدها المدلّل… اللي الانتقام كان بياكله حتة حتة. في قمة سعادته… كان تميم يشقّ طريقه داخل المستشفى، خطواته واثقة، صدره مرفوع، كأن القدر أخيرًا انحنى له. ارتدى قناع الحزن بإتقان، شدّ ملامحه، خفّض عينيه، وأبطأ خطاه مع اقترابه من الدور الذي تقع فيه غرفة رحيم. ما إن وصل… حتى اصطدم بالمشهد. سامر واقف، ملامحه مشدودة، صامت كتمثال. ومها… كانت تبكي بحرقة، كفها فوق بطنها، تضغطه برفق، كأنها تطمئن جنينها أن كل شيء سيمر، أن هذا العالم القاسي لن ينتصر عليهما معًا. أما فاطمة… فكانت في غرفة الطوارئ، جسدها موصول بالمحاليل، الكانولا في يدها، عيناها مغمضتان عن عمد. ترفض أن تفيق… ترفض الواقع. توقف تميم لحظة، راقب المشهد ببرود خفي، ثم استجمع نفسه، وعدّل هندامه، واتجه إلى غرفة رحيم… كأنه طبيب كبير جاء ليؤدي واجبه. الغرفة كانت باردة. الإضاءة خافتة. رحيم ممدد على السرير، جسده ساكن، شاحب، الأجهزة تحيط به من كل جانب. أنبوب أكسجين، جهاز رسم قلب، أسلاك متشابكة، وصوت منتظم ينبض آليًا بدلًا عن قلبٍ متعب. وقف تميم عند الباب. نظر إليه طويلًا… ثم انفجر ضاحكًا. ضحكة عالية، قوية، مليئة بنشوة انتصار لم يعرفها من قبل. اقترب، جلس جواره، وأسند ظهره على الكرسي. قال وهو يضحك: — شوفت بقى؟ — عرفت أكسرك إزاي؟ — شوفت إزاي عرفت أركّعك يا رحيم؟ — شوفت إزاي عرفت أوجعك؟ ضحك بهستيريا، صوته يملأ الغرفة: — رغم إني حبيت مكّة أوي… أوي. — بس المشهد ده؟ اقترب أكثر: — حبيته أكتر يا رحيم. وفجأة… ارتعشت أهداب رحيم. فتح عينيه ببطء شديد، كأن الروح تعود إليه بالقوة. ما إن سمع اسمها… حتى تحرّك شيء داخله. همس بصوت واهن: — مكّة… ضحك تميم، يهز رأسه: — أيوه… — عندي. — بعذبها… بدفّعها تمن اللي إنت عملته زمان. تحرّكت شفتا رحيم بصعوبة، كأن الكلمات تُنتزع من صدره. رفع يده المرتعشة، أشار إليه بصعوبة: — ب… ب… بنتي معاك؟ حاول التقاط أنفاسه: — ل… ل… ليه كده؟ ابتسم تميم بسخرية مريرة: — وأنا ليه خنت أبويا؟ — ليه خلّيتني أخسره؟ — مع مين؟ مراته؟ — ليه تعمل في أبويا كده؟ اقترب منه، صوته انخفض: — أنا مالك حسام العاصي… — اللي إنت دمّرته زمان يا رحيم. أغمض رحيم عينيه، وهزّ رأسه نفيًا مرات متتالية: — أنا… ما خنتش حد. ضحك تميم، وأكمل بصوت أبيه، كما كان يدوّن في مذكراته: — أنا النهارده شوفت رحيم وأكتر إنسانة حبيتها مع بعض في الكافيه… مش هقدر أستحمل أعيش وأشوفها مع غيري… ولا هقدر أسيبها… سامحني يا تميم… أبوك مش أناني… أبوك حب ناس ما حبّونيش… رحيم فتح عينيه بصعوبة: — إنت… وإبوك… فاهمين… غ… غلط يا ابني… حرّك إصبعه نفيًا: — أوبسيدين… كانت مراتي… قبل ما أبوك يتجوزها. — أخدت منها مكّة… وسيبتها تمشي. — أوبسيدين كانت أكتر إنسانة حبيتها… صوته اختنق: — بس كنت هخسر مراتي بسببها. — كانت غلطة… — وربنا شاهد… ما خنتش أبوك. — المشهد اللي بتقوله… — كانت بترجّاني تشوف بنتها مرة… بس مرة. — أبوك كان مريض شك… — كان دايمًا شاكك فيها علشان جميلة… — ما قدّرش النعمة اللي في إيده. الكلمات سقطت على تميم كالصاعقة. وقف فجأة، ضحك بجنون: — إنت بتقول إيه؟ — عايز تقول إن أوبسيدين هي الضحية؟ انفجر ضاحكًا: — حتى وإنت على فراش الموت… لسه بتكدب يا رحيم! لكن فجأة… تسارعت ضربات قلب رحيم بعنف. الجهاز بدأ يعلو صوته. أنفاسه تقطّعت، صدره يعلو ويهبط بصعوبة. همس متوسلًا: — س… س… سيب بنتي يا تميم… — بنتي مالهاش ذنب. الصوت بدأ يخفت… عيناه زاغتا… أطرافه بردت… شحوبٌ تام، ارتخاء في الفك، أنفاس متباعدة، والجهاز يطلق إنذارات متسارعة. تميم وقف مكانه، يهز رأسه نفيًا، يضحك بهستيريا: يعني إيه؟ يعني كل السنين دي… كنت بحكم غلط؟ وفجأة… صوتٌ حاد، مستقيم، بلا نبض. الصافرة أعلنتها بوضوح. رحيم… غادر الحياة. 🖤 فتحت مكّة عينيها بصعوبة، شعرت بثقل يضغط على رأسها، كأن العالم كله انهار فوقها. تنهدت بحذر، محاولاً أن تدرك ما حدث، عينيها تلتقط الضوء الخافت حولها، جسدها مازال يرتجف من الإغماء والضربات السابقة. سمعت همسات بعيدة، صدى أصوات لا تعرف مصدرها، تقترب إليها برفق وخوف. رفعت رأسها قليلاً، ثم شعرت برائحة التراب الكثيف، رائحة رطبة ومغلقة… قلبها بدأ يخفق بسرعة، إحساس غريب بالاختناق. نظرت حولها… ببطء، برهبة متزايدة… فوجئت. كانت محاطة بجدران خشنة، باردة، قاتمة اللون… زنزانة صغيرة لا تتجاوز عرضها مترين. الأرض ترابية وقاسية، الرطوبة تلتصق بجلدها. لا نافذة، لا ضوء سوى شق صغير في الأعلى يسمح بدخول أشعة باهتة من الشمس. الزنزانة ضيقة، لا هواء يكفي، ولا أي طريقة للهروب… وكل شيء يصرخ بالحبس والخذلان. وقفت مكّة على ركبتيها، صدمتها تزداد… ثم جاء صوت من الأمام، حاد، قاسٍ، يقصم نفسها: — قومي يا قمورة! — من ساعتي ما شرفتِ، وانت مقتولة! صوت آخر، ضحكة قوية مزقت صمت الزنزانة: — سيبها يا بدريه… دي شكلها حبيبة حمزه بيه! مكّة فتحت عينيها على مصراعيها، قلبها يطير من مكانه… رعبها اختلط بدهشة… لم تكن تعرف إذا كان ما تسمعه حقيقيًا أم مجرد كابوس آخر يلاحقها. جلست مكّة على الأرض، تنظر حولها، يديها ترتجفان، نفسها متقطعة، وكل خلية في جسدها تصرخ خوفًا. الزنزانة تبدو وكأنها فخٌ صامت، لا مهرب منها، كل زاوية فيها تحمل ظلالًا غامضة، صوت ضحكاتهم يلتصق بجدرانها… وكأن المكان كله يتحرك ضدها.{16} كان مالك يدلف إلى المستشفى بخطواتٍ متسارعة، يوقف أحد الأطباء فجأة، صوته خرج مبحوحًا من فرط اللهاث: — «لو سمحت… أوضة ٣٠٢ فين؟» تطلع إليه الطبيب باهتمامٍ واحترام، ثم أشار بيده إلى نهاية الممر: — «هناك، آخر الطرقة.» تحرك مالك، جسده مثقل، كأن الأرض تسحبه لا هو يسير عليها. وما إن وصل أمام الغرفة حتى تسمّر مكانه. مشهدٌ واحد… كان كافيًا ليسرق منه القدرة على التنفس. رحيم… ممدد على السرير، جسده ساكن بشكلٍ مخيف، وأحدهم يجرّ الغطاء الأبيض فوقه… حتى غطّى وجهه. علامة واحدة فقط… أنه فارق الحياة. صرخة اخترقت المكان، لم تكن سوى صوتٍ واحدٍ ممزق: — «عمي رحيييييييم!» مها. وفي اللحظة ذاتها، تعالى صوت الطبيب بجدية صارمة وهو يجر فاطمة على التريلا: — «دخلت في غيبوبة! اتحركوا بسرعة!» تحرك الفريق الطبي مهرولين، أصوات العجلات، أوامر متداخلة، فوضى… بينما وقف مالك مكانه، لا يستوعب شيئًا. عائلةٌ كاملة… تنهار أمام عينيه. وأخيرًا… بعد مرور ساعاتٍ طويلة، ثقيلة كالعمر كله. كان مالك يقف بجوار سامر، كلاهما يرتدي بدلة سوداء رسمية. مكان العزاء مزدحم، لكن الجو خانق، كأن الهواء نفسه يشاركهم الحداد. مالك… كان حاضرًا بجسده فقط. عيناه زائغتان، روحه غائبة، يشعر وكأنه في غيبوبة مفتوحة. أما سامر، فكان يتعامل مع الأمر بقوه غريب، كأن من فقده شخص قريب… من أطراف العائلة، يمس القلب مباشرة. مرّت ساعات العزاء على الجميع بصعوبةٍ بالغة. وما إن تحرك مالك بخطوةٍ متجهًا إلى الخارج… حتى تجمّد مكانه. ذلك الوجه. محمود. كان واقفًا، يتطلع حوله بدهشة، قلبه بدأ يدق بعنف. توتر تسلل إلى أوصاله… عزاء؟ طب مين؟ لسانه ثقل، لا يريد أن يسأل. يريد أن يهرب. لا يحتمل خبرًا يعيده إلى النكسة مرة أخرى. لكن مالك لم يترك له فرصة. اندفع نحوه فجأة، شده بقوة واحتضنه، يضرب على ظهره بعنف: — «حمدالله على السلامة يا بطل.» محمود لم يبادله العناق. ظل يبلع ريقه مرةً تلو الأخرى، توتره واضح، صدره يعلو ويهبط بسرعة. وفي تلك اللحظة، جاء أحد الجيران مهرولًا نحوه: — «البقاء لله يا دكتور محمود… ربنا يجعلها آخر الأحزان.» وأضاف آخر بصوتٍ حزين: — «الله يرحمه… عم رحيم كان أطيب خلق الله.» ثانية… اثنتان… استوعب محمود الكلمات. لينفجر صوته مرة واحدة، صرخة واحدة شقت القلوب: — «بااااابااااااااااااااااا!» شده مالك بقوة، لكن محمود انهار، سقط على الأرض. الناس التفوا حوله، أصوات تهدئة، أيدٍ تحاول رفعه. جلس مالك بجواره، يربت على صدره: — «كلنا لله… وكلنا إليه راجعون يا محمود.» خرج صوت محمود من بين شهقاته، طفلًا مكسورًا لا رجلًا ناضجًا: — «مات… قبل ما يسامحني يا مالك…» — «أبويا مات قبل ما أقوله يسامحني… يا ماااالك.» ظل مالك بجواره، يحاول تهدئته… لكنه فشل. هو نفسه فشل من قبل في تهدئة قلبه. قلبه ما زال مشتعلاً نارًا على طفلته… وحبيبته الوحيدة في الدنيا. جلس بجواره في الحالة ذاتها. ينظر في الفراغ… بخيبة أملٍ ثقيلة، وفقدان روحٍ لا يُقال. كانت مكّة جالسةً مكورة على نفسها، ذراعاها يحيطان بجسدها كدرعٍ هشّ، وساقها تهتز بعنفٍ لا إرادي. الرعب كان يسكنها، يتنفس داخل صدرها. أنا فين؟ وجيت هنا إزاي؟ أسئلة تتكرر… ولا إجابة. كلما حاولت الفهم، هبطت الدموع من عينيها، فمسحتها بعنفٍ شديد، كأنها تعاقب نفسها على ضعفها. جسدها ارتعش بقوة، وأنفاسها خرجت متقطعة. الأشكال من حولها… وجوه غريبة، ظلال تتحرك، عيون تراقب. الخوف كان كثيفًا لدرجة أنه خنق أنفاسها. نظرت في الفراغ طويلًا… وفجأة، ظهرت أمامها. هي. نسختها. شبيهتها. النسخة التي سلبت منها الوجع كله، والألم كله، وتركته عاريًا داخل صدرها. اقتربت منها بهدوء مخيف، ورفعت يدها تمسح على وجهها برفقٍ يناقض كل ما حولهما. ارتعش جسد مكّة بعنف، وهربت الكلمات من فمها، صوتها خرج مكسورًا: — «إنتِ… إنتِ مين؟» لكن الأخرى ابتسمت ابتسامة واهنة، ونطقت بصوتٍ ناعم: — «ماتزعليش مني… أنا آسفة.» — «خليكي قوية.» تحركت أناملها فوق وجنتيها بحنانٍ موجع… ثم، فجأة… اختفت. نهضت مكّة فزعة، تنظر حولها بجنون: — «استني! ماتمشيش!» لا شيء. كأنها كانت هواءً مرّ… واختفى. اندفعت مكّة ناحية باب الزنزانة الحديدي، ضربته بكل ما تبقى فيها من قوة، تصرخ بصوتٍ ممزق: — «حد يطلعني من هنا!» — «حد يطلعني من هنا!» كررت الصراخ… ولا جدوى. أسندت ظهرها إلى الباب، جسدها يهبط ببطءٍ مؤلم إلى الأرض، وصوتها يخفت حتى كاد يختفي: — «أرجوكم… حد يطلعني من هنا.» اختفى الصوت… وحلّت مكانه دموع تنهمر بغزارة. في الخارج… داخل أحد المكاتب، يتصدر بابه اسمٌ محفورٌ بوضوح: الرائد حمزة الهلالي كان حمزة يجلس خلف مكتبه، منكفئًا على ملفٍ مفتوح أمامه. ملامحه حادة، جامدة، عيناه تتحركان بتركيزٍ محسوب بين السطور. كمّ قميصه مرفوع، ساعة معدنية تلمع على معصمه، وسيجارة مشتعلة تستقر بين أصابعه بثباتٍ يوحي ببرودٍ اعتاده. فجأة… انفتح الباب بعنف. دلف شاب في أوائل الثلاثينات، طويل القامة، عريض الكتفين، ملامحه مشدودة، وعيناه تقدحان شررًا. زيه الرسمي بدا مشدودًا على جسده المتوتر. صرخ بغضبٍ أعمى: — «اللي في زنزانة ١٠١ واحد دي مش اللي مالك الهلالي قدّم بيها بلاغ اختفاء!» رفع حمزة عينيه ببطءٍ من فوق الورق، صوته خرج هادئًا على عكس العاصفة أمامه: — «اهدى يا قاسم.» قاسم انفجر أكثر: — «ماترد عليّا!» — «البنت دي بتعمل إيه هنا؟ مالك قالب الدنيا عليها!» مال حمزة بظهره إلى الكرسي، ينفث دخان سيجارته ببرودٍ مستفز: — «جت بتهمة سرقة خمسة مليون دولار من خزنة تميم العاصي.» فتح قاسم فمه بصدمة: — «نعم؟!» — «دي مش خطيبة مالك؟!» هز حمزة رأسه بلا مبالاة، وأخرج سيجارة أخرى: قاسم ضيّق عينيه، صوته صار جادًا خطيرًا: — «حاسس إنك عامل عامله وابن عمك مش هيرحمك يا حمزة.» استدار قاسم وخرج غاضبًا. ابتلع حمزة ريقه، ومد يده سريعًا إلى هاتفه. الاسم على الشاشة: تميم العاصي لا رد. ضرب المكتب بقدمه بعصبية، صرخ: — «إنت فين يا تميم يا زفت!» — «هنروح في داهية… الله يخربيت معرفتك!» سجل رسالة صوتية على الواتس: — «رد يا أخويا…» — «قاسم عرف إن الست هانم بتاعتك مشرفة عندي.» — «والله هحبسها علشان نبتز مالك بيها.» — «الأرض ياهي… مش هنلحق، ده ابن عمي وأنا حافظه.» لكن الرسالة لم تصل… علامة واحدة فقط. قطع إنترنت.عند تميم اندفع حمزة واقفًا بعصبية، وجه عينه إلى الباب، عندما طُرق بعنف. فتح الباب، فدخل رجل خمسيني، وجهه شاحب، صوته مرتعش: — «يا باشا… البنت اللي جبتها امبارح أُغمي عليها… قاطعه النفس.» لم يسمع حمزة بقية الكلام. هرول خارجًا. وصل إلى الزنزانة، صرخ في العسكري: — «افتح!» دلف سريعًا… ليجدها مسطحة على الأرض، ساكنة تمامًا. وحولها الكل يلتم صرخ بغضبٍ أعمى: — «وسعي إنت وهي!» انحنى وحملها بين ذراعيه، يهرول بها وسط الهمسات والضحكات الخافتة، إلى مكتبه. وضعها برفق على الكنبة، أخذ يربت على وجهها: — «فوقي… فوقي!» لا رد. أمسك بزجاجة ماء، رشّ وجهها بعصبية، صوته خرج مذعورًا: — «فوقي… أبوس إيدك.» — «إنتِ عايزة مالك ينسفني؟!» لا شيء. مسح وجهه بكفّه بعجز: — «يلعن معرفتك يا تميم.» انحنى، أسند رأسه قرب صدرها، يحاول سماع نبض قلبها. وضع أذنه… وفي اللحظة ذاتها… انفتح باب المكتب. صرخة شهقة اخترقت المكان: — «يالهوي!» انتفض حمزة للخلف برعب، عيناه اتسعتا حدّ الخروج من مكانهما: — «إيماااان؟!!!!» كان تميم يقف أمام القصر، يخفي وجهه بين كفيه بألمٍ لا يُحتمل. كأن يديه تحاولان حجب الحقيقة… لا ستر ملامحه فقط. كلمات رحيم قبل موته كانت ترتطم بأذنيه بلا توقف: — «أبوك كان شكاك.» — «أنا ماخنتش حد.» — «كانت بتترجّاني تشوف مكّة.» الكلمات تتكرر… تنهش رأسه مرةً بعد مرة، لا تترك له مهربًا. دلف إلى القصر أخيرًا. خطواته مترنحة، جسده مرهق، وعقله في صدمةٍ لا يستوعب شيئًا. هل ظلمها؟ هل ظل يعاقب كل شيء… بينما من كان أحق بالعقاب هو أبوه؟ هل خسر أكثر شخص أحبّه قلبه… من أجل انتقامٍ مزيف؟ أول من رأت حالته كانت فايزة. كانت جالسة على الأريكة، المصحف بين يديها، ترتّل بهدوءٍ مطمئن. ما إن وقعت عيناها عليه حتى قالت بصوتٍ خفيض: — «صدق الله العظيم.» قبّلت المصحف، ووضعته إلى جوارها، وظلت تنظر إليه في صمتٍ موجع. تميم كان يمشي بترنح، أصواتٌ داخل رأسه تتكرر بإلحاحٍ قاسٍ… صوتٌ واحد يصرخ: غبي يا تميم… غبي. توقف فجأة… حين وجدها تقف أمامه مباشرة، فاتحةً ذراعيها على وسعهما. نظر إليها بعينين مكسورتين، نظرة طفلٍ ضائع… ثانية واحدة فقط، ثم اندفع بكل قوته داخل ذراعيها. شدّ قبضته حولها، وبكى… بكاءً حارقًا، بلا خجل. ربّتت على ظهره برفق، تهمس بلطفٍ أمومي: — «اهدى يا بني… اهدى.» خرج صوته من بين شهقاته متكسّرًا: — «أنا دمرت واحدة مالهاش ذنب…» — «يا تيته أنا دمرت نفسي… دمرت حياتي.» — «عشت عمري كله بخطط وانتقام وكُره…» — «وفي الآخر طلعت أنا اللي كنت بعذب نفسي… وبنتقم من نفسي.» — «اتسرّعت في الحكم عليهم… يا تيته.» — «دمرتهم… ودمرت نفسي.» وانفجر في البكاء مرةً أخرى. شدّت عليه أكثر، تشاركه دموعها، يوجعها منظره… فهو، مهما فعل، كان وما زال حفيدها المدلل… طفلها. أبعدته قليلًا، وأحاطت وجهه بين كفيها: — «هتتعالج يا تميم.» — «وهتبقى أحسن واحد في الدنيا.» — «وهتصلّح كل حاجة.» هزّ رأسه بنعم، لكن صوته خرج مهزومًا: — «أنا بوّظت كل حاجة بتسرّعي.» — «مش هينفع أصلّح حاجة… كل حاجة باظت.» قالت بألمٍ صادق: — «كتير قلتلك إنك هتندم يا تميم.» — «وإنك فاهم أبوك غلط.» — «بس ماكنتش بتسمعني يا ابني.» ألقى بنفسه بين ضلوعها مرةً أخرى، وبكى بحرقةٍ أشد، يتمتم من بين شهقاته: — «أنا آسف…» كطفلٍ صغير… كسر شيئًا غاليًا… ثم عاد معتذرًا بعد فوات الأوان. وشرد تميم… وسحبته الذاكرة إلى ذلك اليوم. غرفة هادئة، إضاءة خافتة، صوت الطبيب ثابت… بلا انفعال. — «بص يا تميم…» — «إنت مش شرير، ومش سادي.» — «إنت مريض… بس مش زي ما إنت فاكر.» كان تميم جالسًا، عينيه مثبتتين في الأرض. الطبيب أكمل: — «إنت عندك اضطراب ما بعد الصدمة المُعقّد.» — «حرمان الطفولة… وحبك في أبوك…» — «وفقده… سيبوا جواك غضب ما اتعالجش.» رفع تميم رأسه وقتها، صوته كان حادًا: — «يعني إيه؟!» رد الطبيب بهدوءٍ موجع: — «يعني إنت ماانتقمتش من اللي أذا ابوك » — «إنت بتنتقم من كل حاجة بتفكر أنها كانت السبب في فقدان ابوك » — «أشخاص… أماكن… وحتى جمادات.» — «بتعاقبهم… علشان ماقدرتش تحافظ علي أبوك.» صمت قليلًا، ثم قال الجملة اللي حفرت جواه: — «أكتر واحد إنت قاسي عليه… هو نفسك.» رجع تميم للحظة الحاضرة… وعرف. إنه لم يكن ينتقم…كان ينهار....كان سريع الحكم ..... : «سوء الحكم على الآخرين غالبًا انعكاس لصراعات لم نحلّها داخلنا.»🌚🌎 كان مالك واقفًا في شرفة غرفة مكّة، عينيه معلّقة بالسماء، كأنها وحدها تعرف مكانها. محمود كان قد غرق في نومٍ ثقيل، نوم البكاء المنهك، فبقي مالك وحده… مع الاشتياق. خرج صوته مبحوحًا، يتمتم بستة أبياتٍ يعرفها قلب كل مشتاق: «أشتاقُكِ اشتياقَ الغريبِ لوطنه، والظمآنِ لقطرةِ ماءٍ في التيهِ الطويل. أشتاقُكِ شوقًا يكسِرُ الصدرَ إذا مرّ، ويُربكُ القلبَ إذا حاول النسيان. كأنكِ الغيابُ كلّه… وكأن حضوركِ هو الحياة.» ابتلع ألمه، وقال بصوتٍ مرتعش: — «ما عجزتش عن حاجة…» — «وعجزت إني ألاقيكي.» — «عمري ما هسامح نفسي… لأني كنت السبب في كل اللي إنتِ بتعاني منه.» قاطعه رنين هاتفه. — «مالك بيه… تميم العاصي اتحرك من المستشفى للقصر، وما تحركش من وقتها.» مسح وجهه بغضب، وأغلق الخط في وجه المتحدث. قال بجديةٍ قاتلة: — «أتمنى ما تبقاش معاك يا ابن العاصي…» — «أتمنى ربنا يرحمك مني.» تحرك مغادرًا البيت، وما إن فتح باب السيارة حتى رنّ الهاتف مرة أخرى. هوية المتصل: (قاسم الهلالي) رفع السماعة، وقبل أن ينطق… — «مالك… مكّة رحيم محبوسة عندنا.» توسعت عينا مالك بصدمةٍ أفقدته القدرة على التنفس: — «لقيتها؟!» ابتلع قاسم ريقه، صوته خرج هادئًا حذرًا: — «مش بظب—» لم يسمع مالك باقي الكلمات. أغلق الهاتف… وانطلق. السيارة اندفعت كالرصاصة في قلب الطريق. يده كانت تضغط على المقود بقوةٍ كأنها تحاول تثبيت قلبه الهارب. أنفاسه متلاحقة، صدره يعلو ويهبط بعنف. لم يكن يقود… كان يهرب نحوها. الإشارات تمر بلا معنى، الشوارع تتلاشى، والعالم كله اختزل في اسمٍ واحد: مكّة. صوتها يرن في أذنيه، ضحكتها، دموعها، خوفها. كل لحظة قسوة قضاها معها كانت تنهشه الآن كوحشٍ جائع. ضغط على البنزين أكثر، كأن السرعة ستقصر المسافة بين قلبه وقلبها. لم يكن يخاف من الموت… كان يخاف أن يصل… ولا يجدها. حب مالك لمكّة لم يكن كلامًا، كان فعلًا… اندفاعًا أعمى، وجنون رجلٍ عرف متأخرًا أنها وطنه الوحيد. كانت إيمان جالسة بجوار مكّة، جسدها قريب جدًا من جسدها المرهق، أناملها تتحرك فوق شعرها برفق، وكأنها تحاول أن تسرق الألم منها. المحلول يتدلّى ببطء من يد مكّة، وجهاز التنفس يصدر صوتًا منتظمًا… كأن كل نفس لهما هو وعد بالحياة وسط الظلام الذي أحاط بهن. وراءهما، كان حمزة يقف متكئًا على الحائط، يعض أظافره، يهز قدمه بعصبية، عينه لا تفارق المشهد. توتره كان يخرج من كل خلية في جسده، كأن قلبه يسبق عقله بخطواتٍ مضطربة. نطق بصوتٍ بالكاد يسمع: — «إيمان…» رمقته بغضب، عيونها كأنها تحرقه من الداخل، نار اشتياق وغضب مختلطين في نفس الوقت. ابتلع ريقه، صوته مجهد: — «إنت مش هتقولي لمالك حاجة، صح؟» انفجرت إيمان بغضبٍ مسموع: — «مكّة؟! يتعمل إيه عندك؟!» — «ومالك قالب عليها الدنيا!» ابتلع حمزة ريقه، وصرح بتوتر: — «والله… ده لسه جايه امبارح بالليل بس…» ضيّقت إيمان عينيها: — «جت لوحدها… حبت تسجن نفسها؟» مرّر كفه على قفاه بتوتر: — «هفهمك كل حاجة… بس ارحميني من أخوكي.» غضبت أكثر: — «أنت… هتطلقني!» اتسعت عينا حمزة فجأة، صوته صار متحشرج وهو يقف بجانبها: — «ده… ده عندها!» عادت إيمان بنظرها إلى مكّة، قلبها موجوع: — «أنا مستحيل أكمّل مع واحد خاين وكذاب زيك!» أسرع نحوها، يضع يديه على كتفيها: — «سامحيني… والله كل ده من طمعي وجشعي… أنا آسف…» دفعته للخلف بغضب: — «ابعد عني! أنا مش طايقاك… أنا بكرهك!» أوقفها فجأة، وضع كفه على فمها، صوته صار شبه همس: — «أرجوكي… ماتتسرّعيش في الحكم عليّا.» — «والله ما كان قصدي… أنا مش عارف إزاي مشيت ورا كلام تميم الكلب.» نظرت إليه بعينين جامدتين، صوتها مرتعش: — «ابعد! بس ييجي مالك… وأنا هقوله كل حاجة!» قال بجدية ممزوجة بالذنب: — «قولي اللي إنتِ عايزاه… وأي حاجة يعملها، أنا متقبل… بس تبعدي عني… ده اللي مش مسموح.» — «وبعدين… مكّة خلاص… ما بقتش تخص مالك.» اقترب منها، حرّك يديها برفق فوق شعرها: — «أنتِ عاوزة تقول إنك ما تعرفيش مكّة تبقى بالنسبة لمالك إيه؟» لوى شفتيه، وهمس برعبٍ داخلي: — «عارف يا أختي… أمال أنا كنت هعملها على نفسي من شويه ليه وفجأة… توقفت عروقه. تصلّبت أطرافه. توقفت أنفاسه… وربما قلبه أيضًا. الباب انفتح بعنف. وظهر… ذلك الثور الهائج. كاد حمزة يُغشى عليه، دوارٌ عنيف اجتاحه، جسده ترنّح. أما مالك… فقد توقف الزمن عنده. توقف العالم كله. لا أصوات… لا أنفاس… لا شيء. ظهر مالك، عينيه ثابتتان على مكّة. كل شيء حوله اختفى، لم يكن يسمع شيئًا، لم يكن يرى شيئًا مستلقية على الفراش، ملامحها شاحبة، لكنها ما زالت جميلة. أنبوب التنفس قرب شفتيها، والمحلول يقطر ببطء، كل التفاصيل الصغيرة، كانت الآن كأنها من نور… كأن الكون كله تجمّد ليجعل هذه اللحظة خالدّة. خطا خطوة، ثم أخرى، حتى اقترب منها، جسده كله يرتجف من الاشتياق والخوف، قلبه يدق بعنف حتى شعر أن أذنيه تتورمان من شدة النبضات. عينيه تلمعان، وابتسامة موجوعة ترتجف على شفتيه. — «وتيني…» همس بها بلا صوت. يخفض رأسه، يتنفس ببطء، يلمس طرف شعرها برفق، كأنه يخاف أن تتحرك فتختفي من أمامه. إيمان… حتى وهي مستلقية، جسدها ضعيف، قلبها مسكون بالألم، شعرت بقربه. نبض قلبها بدأ يعلو، خفقات سريعة، متسارعة، وكأن قلبها صار يعرف أنه ليس وحيدًا بعد الآن. نبضه ووجوده قربها كان وعدًا، لمسة أمان، بداية لكل شيء لم تُستكمل بعد. كان تميم واقفًا أمام العمارة، عينيه ثابتتان على الشرفة التي خرجت منها. في يده هاتفه، قلبه يرفرف كطائر محاصر، والألم يضغط على صدره بلا رحمة. في داخل الشرفه، كان الدكتور نور الدين سليم، رجل السلطة النفسيّة الذي عرفه من قبل، يقف مكتوف الأيدي أمام الحالة، عيناه تحملان كل مزيج من القلق والمسؤولية. لا حاجة للوحة مكتوب عليها شيء، كل شيء مكتوب في صمت المكان وفي عينيه: «احترس من قلب هذا الشاب… إنه محطم وحائر.» نظر تميم إليه للحظة، ثم انطلقت منه الذكرى فجأة… فلاش. صوت، ضحكة، ودموع… كل شيء بدا وكأنه يعود في ثانية واحدة. اقترب مهرولًا نحو مكّة، كانت ملقاة على الفراش، جسدها مستسلمًا، كأنها طفلة ضائعة في عالمها. أسد تميم، كان جانبه، كأنه أعز أصدقائه، وفهم كل شيء بعينيه السوداوين. همس تميم وهو يربت على شعره برفق، قلبه يوجع: — «شاطر… ماجتش جنبها زي ما اتفقنا…» حرك الأسد رأسه برفق، كما لو يفهم كل كلمة، كل شعور، ثم اقترب تميم ليحملها بين ذراعيه. وضَعها على الفراش، وشعر بقلبه يتمزق حين همس بجوار أذنها: — «أنا مش هقدر أشوفك بتتعذبي قصادي تاني… قلبي مش قادر… عملتي في إيه يا بنت رحيم؟… أنا مش قادر…» تنفس عميقًا، يحاول السيطرة على الألم الذي يجتاحه، يمرر كفّه على وجهه، ثم رفع هاتفه مترددًا: — «هاجبلك مكّه…» — «تجبها عندي؟ هتفسحها في الزنزانة؟ معقوله…» توقف، كلماته تتسارع بغضب، قلبه يعلو: — «حمزه…» — «ما أنت غريب، يا تميم… ماتقول كلام يعقل.» — «هنبتذ بيها مالك… يا أما يتنازل عن الأرض، يا أما يسيبها مرمية بين المسجونين…» تميم سحب نفسه قليلًا، كلماته خرجت غاضبة، مرتجفة: — «انت عاوزني أروح زيارة للآخرة، يا تميم… انت اتجننت!» ثم همس بحزم، رغم ارتعاش قلبه: — «لو حد سأل، قول لهم تهمة سرقة… وأنا مظبط الموضوع.» — «مش عارف ليه… بسمع كلامك… هروح في داهية.» أغلق الهاتف في وجهه، أعاد النظر إليها، قلبه ينهش نفسه: — «مالك العاشق… مخلي واحد يراقبني…» — ضحك مرير: «هههه… ما يعرفش إن تميم العاصي… اللعبة هي اللي معاه.» تنفس عميقًا، ألم في قلبه، وحب يصرخ بداخله: — «بس ليه… الحق يحبك… وانت مين يعرفك وما يحبكيش؟» مرّر كفّه على وجهها برقة، حملها بحذر، وكأنها الزجاج، وخرج بها من باب خلفي، يخرج بها مباشرة إلى الشارع، بعيدًا عن أعين القصر. وقف تميم للحظة، شعوره بالشرود يملؤه، ضربات قلبه تتسارع: اشتياق… خوف… ندم… قلق… كل مشاعر مختلطة تدفعه للأمام. ثم رفع هاتفه، أرسل رسالة قصيرة: — «سيب مكّه، … يا حمزه… وقولها أني طلقتها و خليها تسامحني.» أغلق الهاتف تمامًا، قلبه ينزف، وخطواته باتت مكسورة، حزينه، وهو يقترب من العياده بخطوات ثقيلة، كل خطوة تُشعره بأن العالم أصبح أصغر من أن يحتمل فوضى قلبه. نُقل مالك مكّة إلى مستشفى كبير… ضخم بكل معنى الكلمة، مبنى أبيض لامع، زجاجه يلمع تحت أشعة الشمس، وصالاته العالية مليانة ضوء، كل شيء فيه يوحي بالقوة والأمان، وكأن كل زاوية فيه مصممة لتحتوي البشر، وتهدئ القلوب الجريحة. غرف واسعة، أجهزة طبية حديثة، وكل أصغر التفاصيل مريحة للنفس… كأن المكان نفسه يحضن المرضى ويعيد لهم القوة. دخل مالك الغرفة، حاملاً مكّة في ذراعيه بعناية، خطواته ثابتة رغم الخوف والقلق الذي يملأ قلبه. ومئات الأطباء حولها ...وكأن جهزت الغرفه بعناية لإستقبال أهم الأشخاص لمديرهم ساعات قليله من الاهتمام والعمل الجاد وذلك المتمسك بكفها يرفض تماماً تركها والكل يعمل علي إفاقها ومداوه اي إصتبه بها بعد دقائق🌎🌚 … فتحت مكّة عينيها ببطء، أول ما افتحت، رأت شيئًا مألوفًا… كانت جالسة بجانبها، ممسكة كفها، عينان مليئتان بالدموع، وصوتها يهتز بالحزن والفرح في نفس الوقت. نطقت بصعوبه بعض الشئ تحاول تدرك هل هذا حلم أم واقع:مها ....!!!!!!!!!{18} أمام باب الغرفة…تسمّرت مكّة. عيناها اتسعتا، أنفاسها انحبست في صدرها، وكأن الهواء قرر فجأة يعاقبها. كان هو هناك. واقف جوّه الغرفة، ظهره للباب، الضوء الأبيض مسنود على كتفيه، والمعطف الطبي متدلّي بإرهاق، كأن الليل كله كان نايم عليه. تميم. قلبها خبط خبطه موجعة، مش خضة لقاء… خضة ذاكرة. ذاكرة وجع قديم، صوت عالي، أبواب بتتقفل، وعيون كانت دايمًا بتوجع أكتر ما تطبطب. رجليها خانتها. خطوة لقدّام… خطوة لورا. في اللحظة دي استدار. عينيه وقعت عليها. ثانية. بس ثانية واحدة… كانت كفاية تشقّ المسافة بينهم بسكين. اتجمّد هو كمان. ملامحه ما اتحركتش، لكن عينيه اتكسرت حاجة جواهم، رجعت خطوة لورا، أنفاسها اتكسرت، وقلبها خبط بعنف… مش شوق. خوف. الخوف اللي بيطلع فجأة من ذاكرة الجسم قبل ما العقل يلحق يفهم. عينيها ما قدرتش تثبّت عليه. تميم. نفس الملامح… لكن في حاجة مختلفة. حاجة مكسورة. إيديها بدأت ترجف، ورجليها رفضت تتحرّك. لاحظ. وطّي صوته فورًا، ووقف مكانه، ولا خطوة زيادة. — متخافيش… قالها بهدوء متعب — أنا مش قريب منك. الكلمة خرجت مش دفاع… اعتراف. سكت لحظة، وبص للأرض. كأن النظر في عينيها رفاهية مش من حقه. — من اليوم اللي مشيتي فيه… ابتديت علاج نفسي. رفعت عينيها فجأة. الصوت دايمًا كان عالي… دلوقتي واطي، ومليان ندم. — اكتشفت إن الغضب لما ما يتفهمش بيبقى أعمى. وأنا كنت أعمى… بحاكم ناس علشان ما واجهتش وجعي. رفع عينه ليها، مش برجاء… بصدق موجع. — ظلمتك. وظلمت أبوكي. وحكمت من غير ما أفهم… من غير ما أدي عقلي فرصة يسأل: ليه؟ صوته اتكسر: — ودي أخطر جريمة ممكن نعملها في بعض… إننا نحاكم قبل ما نفهم. دموع مكّة نزلت، لكن جسمها لسه مشدود. الخوف ما راحش. من على السرير… تحرّكت فاطمة. كانت صاحيه. سامعه. شايفه كل حاجة. تميم لمحها، وقرب من السرير بخطوتين — أمّك كانت محتاجة دم، فضلت ألف لحد ما لقيت متبرع. وسهرت عليها لحد ما فاقت… مش علشان حاجة غير إنك ما تتكسريش أكتر. لفّ وبص لمكّة تاني، ووقف بعيد… دايمًا بعيد. — ده اعتذاري الصغير… على اللي ما يتصلّحش بسهولة. سكت. ثم قالها فجأة، من غير تمهيد، من غير هروب: — وأنا بحبك. الكلمة نزلت تقيلة. مش إعلان. اعتراف متأخر. — بحبك حبّ بينهش في القلب، حب ما طلبش مقابل، ولا طلب فرصة. حب خلاني أفهم إن اللي يحب ما يحاكمش. مكّة كانت مرعوبة. مش من الكلمة… من صِدقها. وراء الباب… كان مالك. يده كانت ممدودة على المقبض، لكنها نزلت ببطء. سمع كل كلمة. وفهم أكتر. رجع خطوة، وسند ظهره للحائط. قال لنفسه بصوت واطي: — لازم تختار بعقلها… مش علشان أنا موجود. غمض عينه، يحاول يطمن قلبه إن اللي بينهم لسه حيّ. وإن مفيش حب في قلبها لتميم غير خوف وجرح قديم. داخل الغرفة… مكّة واقفة بين خوفها وبين عقلها وبين قلب لسه مش فاهم هو رايح فين. اقترب تميم خطوة. ثم توقف. كأن بينه وبينها خطًا غير مرئي لا يملك حق تجاوزه. قال بصوت واطي، راجٍ، مش آمر… ولا متوسّل زيادة عن اللزوم: — بلاش تحكمي عليّا… أرجوكي. بلع ريقه، وكمل بنبرة أهدى: — بلاش تتسرّعي. اديني فرصة… أوريكي الإنسان اللي وقع في غرامك يا مكّة… مش الغضب ولا الصورة الغلط ولا الوجع اللي كان سايقني. مكّة كانت واقفة. مبلومة. متسمّرة. عقلها واقف. وقلبها بيخبط بخوف. وجسمها فاكر كل مرة اضطرت تحمي نفسها. قرب. خطوة واحدة. رفعت عينيها بارتعاش، لكنها ما اتحركتش. ببطء شديد… مدّ إيده وفكّ السماعة الطبية من على رقبته. الحركة كانت هادية كأنها طقس. قرب منها، من غير ما يلمسها. وضع السماعة برفق على رقبتها. حرارة جلده وصلت لها قبل الصوت. همس… كأنه خايف الكلمة تتكسر لو علت: — بحبك…قوي. القلب دق.دقة واحدة بس كانت كفاية تهزّها من جوّه لفّ وخرج. ولا كلمة زيادة. مكّة فضلت واقفة. تبص في أثره بدهشة، مش فاهمة هل اللي حصل حقيقي ولا هلاوس خوف. لكن قبل ما الفكرة تكمل… سمعت صوت خافت. — مكّة… لفّت. فاطمة كانت تجلس.مجهدة. فاتحة ذراعها بتعب، لكن بعينين مليانين حياة. في لحظة طار كل شيء من عقل مكّة. الخوف. الارتباك. الأسئلة. جريت. رمت نفسها في حضن أمها، وكأنها بترجع من موت طويل. حضنتها بقوة، قوة بنت كانت كل يوم بتخاف تفقدها. عيطت.عيطت جامد. طلع الكبت كله. كل اللي كانت ماسكاه علشان تبقى قوية. دفنت وشها في صدرها وقالت بين شهقاتها: — كنت هموت لو روحتي…كنت هموت يا ماما… إيد فاطمة لفّت حواليها رغم التعب، تطبطب، وتهمس: — خلاص… أنا هنا. وفي اللحظة دي… الحياة رجعت. كانت مكّة لسه محاوطاها، رأسها على صدرها، أنفاسها بتنتظم واحدة واحدة. فاطمة مرّرت إيدها على شعرها بحنان بطيء، كأنها بتطبطب على طفلة مش دكتورة ولا قوية ولا فاهمة حاجة دلوقتي. قالت بصوت واطي، مبحوح من التعب: — إنتي اتخضيتي منه… صح؟ مكّة ما ردّتش. هزّت راسها بس، وكأن الاعتراف تقيل. فاطمة تنفست بعمق، وبصّت للسقف شوية، كأنها بترتّب كلامها جوّه عقلها قبل ما يطلع. — وأنا نايمة… كنت سامعة. رفعت مكّة راسها فجأة. — سامعة؟ ابتسمت فاطمة ابتسامة خفيفة: — سامعة كل حاجة. الكلام اللي طالع من القلب بيوصل حتى للغايبين. سكتت لحظة، وبعدين كملت: — شوفته يا مكّة… مش بعيني، بقلب واحدة كانت بين الحياة والموت. لمست إيد بنتها، وضغطت عليها بهدوء: — شوفته إنسان بيحاول يفهم نفسه بعد ما أذى ناس وهو مش واخد باله. مكّة شدّت إيدها بتوتر: — بس يا ماما… أنا خفت. فاطمة هزّت راسها بتفهم: — والخوف حقك. اللي اتجرح ما ينفعش يتلام علشان قلبه يقفل. قربت منها أكتر، وصوتها بقى أهدى: — بس اسمعيلي كلمة… مش علشان تميم. علشانك إنتي. رفعت مكّة عينيها. — اللي بيتعالج واللي بيعترف بغلطه واللي يطلب فرصة مش زي اللي بينكر ولا بيبرّر. ابتسمت بحزن خفيف: — أنا شوفته وهو فاكر إن عمري بيضيع من إيده. ما كانش بيجري علشان يطلع بطل… كان بيجري علشان ما يتحاسبش قدّام نفسه. مسحت دمعة نزلت من عين مكّة. — ما بقولكش سامحي. ولا بقولك ارجعي. ولا بقولك تحبي. قالتها بوضوح، من غير ضغط: — بقولك ادي عقلك فرصة يفهم زي ما قلبك محتاج وقت يهدى. سكتت، وبعدين أضافت بابتسامة أم مطمّنة: — والاختيار… لازم يطلع منك وإنتي واقفة مش خايفة ولا مكسورة ولا مجروحة. مكّة سكتت. لأول مرة ما كانتش بتجري من الفكرة. كانت بتفكر. (حد يسكت الست دي 🫶😂😂😂) المساء كان نازل بهدوء على المستشفى. الإضاءة الصفرا الخافتة انعكست على الزجاج، والحركة قلت، بس القلق لسه عايش في الجو. باب الغرفة اتفتح بعد خبطة خفيفة. دخل مالك. مش دخول عادي… دخول بطل مشهد. بدلته الداكنة كانت راكبة عليه كأنها متفصلة علشانه، القميص مفتوح من فوق زرّين، كمّاته مرفوعة تكشف عن ساعد مشدود، وساعته بتلمع بهدوء مع نور النيون. خطواته واثقة،كتافه مرفوعة، ونظرة عين تقول: أنا هنا… والباقي تفصيل. مكّة كانت قاعدة جنب السرير، بتمسك المعلقة وبتأكّل فاطمة على مهَل، والتعب لسه باين على وشّها بس عنيها فيها حياة. مالك ابتسم ابتسامته الجذابة، وبص لفاطمة وغمز: — إيه يا بطوط؟ لسه المستشفى واقفة ولا إيه؟ فاطمة ضحكت بخفة: — واقفة على مزاجك يا خويا. مالك قرب خطوة: — يلا بقى… نرجع البيت. مكّة قامت فجأة، اعترضت بعنف: — لا! ماما ماينفعش تخرج دلوقتي خالص، لسه حالتها مش مستقرة. فاطمة اتعدّلت في السرير بعصبية: — يا بنتي أنا اللي طلبت من مالك! والله تعبت من القعدة دي، وريحة المستشفى خلاص جابت آخري. مكّة بصّت لها بحزن: — بس يا ماما… مالك كان ساند على الحيطة، مربع إيديه، وقدماه متشابكة، نبرة صوته باردة: — خلصتوا؟! مكّة رمقته بتحدّي. مالك لفّ لفاطمة، وغمز لها بمكر: — جاهزة يا بطوط؟ مكّة وفاطمة بصّوا له بعدم استيعاب. وفجأة… شهقة خرجت من فاطمة وهو بيشيلها بين إيديه بسهولة كأنها ما تزنش حاجة. — يا نهار أبيض! صاحت وهي بتضربه على كتفه — الله يكسفك يا بني! نزلني، فضحتنا! مالك تحرك بيها ناحية الباب، ظهره منصوب، ابتسامة واثقة، وغمزة مشاكسة: — ادلعي يا بطوط… ادلعي. بصّ لمكّة بهدوء وهو ماشي: — إنتِ هتفضلي متنحة كتير؟ اتحركي. إيديه شايلة فاطمة… بس عينيه كانت على مكّة. مكّة ابتسمت. ابتسامة حب صافية. وابتدت تمشي وراه بخطوات سريعة. لاحظ إنها بتحاول تلحقه. فبطّأ خطوته… بس سنة صغيرة علشانها. أول ما وصلوا لتحت… مكّة فتحت بُقّها بصدمة. طابور طويل من الأطباء بيتحرك ورا مالك، معاطف بيضا، همسات، نظرات إعجاب، ووشوش بتقول: — ده مالك… — رئيس القافلة… — ده اللي قلب المستشفى النهارده. فاطمة كانت كل شوية تشتم: — الله يخرب بيتك يا مالك! ده إحنا بقينا فرجة! مالك ضحك بهدوء: — سيبيهُم يا بط