قدري الأجمل - الفصل الرابع - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: قدري الأجمل
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الرابع

الفصل الرابع

*ـ ࢪواية. قدري الاجمل🥳🥀↻≯🍒⸙•♡»»)) 12/13/14 ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ غرام الروايات ‏تابع قناة غـ͓̽ـرٍآمـ͓̽ـ آلَرٍوٌآيـ͓̽ـآتـ͓̽ـ 🧚‍♀️📚💅💫 في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029VakuN1aHwXbJf5jj7w0J هرولت مكّة خلف ذلك الذي انطلق كالثور الهائج، في حين ظلّ سامر يحدّق في طيفهما، عاجزًا عن استيعاب أيّ شيءٍ مما حدث. فتح تميم باب غرفته كالأعمى، لا يرى أمامه سوى صورٍ قد نسيها منذ زمن. وفجأةً شرد… وانتزعت منه ذكرى خاطفة. فلاش. كان طفلًا في الحادية عشرة من عمره، يصرخ بألمٍ وبكاءٍ هستيري: — بابا ما تسيبنيش يا بابا… أنا عاوز بابا! — عمتو هالة… عاوز بابا! فاق من شروده على دمعةٍ فرت من عينه دون قصد، لكنّه سرعان ما مسحها. في تلك اللحظة، شُلّت مكّة أمامه… هل هذه دموع؟ اقتربت منه بتردّدٍ شديد، ومدّت يدها لتضعها فوق كفّه، فانتفض تميم فجأة، ونظر إليها بعينٍ منكسرة تحمل الكثير: حبًّا دفينًا، وحقدًا، وكراهيةً أشد. لم تستطع مكّة تفسير تلك النظرات. قالت بألم: — إنت كويس؟ ثم أضافت بصوتٍ منخفض: — أنا آسفة… أنا السبب في كل الدوشة اللي حصلت في حياتك دي. تنفّس تميم بعمق، ثم قال بحدّة: — ممكن تسكتي؟ اطلعي برا… مش عاوز أشوفك. نظرت إليه مكّة بصدمة؛ فهذه أول مرة يتعامل معها بهذه الطريقة، طريقةٍ خاليةٍ من أيّ شيء. خفضت بصرها بارتباك، ثم اتجهت نحو الخارج بألم، وأغلقت الباب خلفها بهدوء. تنفّست بعمق وهي تخطو خارج القصر، فتفاجأت برهف جالسةً على أحد الكراسي، تحرّك قدمها بسرعةٍ وتوتّر. اقتربت منها بحذر. قالت بصوتٍ هادئٍ للغاية: — ر… ر… رهف. نظرت إليها رهف بكراهية: — إنتِ عاوزة إيه؟! جلست مكّة بجوارها، وقالت بألم: — إنتِ ليه بتتعاملي معايا كده؟ هو أنا أذيتِك؟ وقفت رهف بعنف: — أنا لا بحبك ولا بكرهك، وبصراحة مش طايقة وجودك أصلًا… إنتِ بسببك تميم رفع صوته عليّا. اقتربت مكّة سريعًا، وضعت يدها على كتفها: — أنا آسفة. أبعدت رهف يدها بعصبية: — إنتِ ليه عايشة جو البريئة؟ ابتسمت مكّة بألم: — أنا… ثم أكملت قبل أن تغادر رهف مباشرة: — بلاش تخلي عقلك دايمًا هو اللي يتحكم يا رهف، بلاش تخسري اللي بتحبيهم علشان عايزة عقلك هو اللي يطلع صح… اسمعي لقلبك مرة. توقّفت رهف، وظلّت كلمات مكّة عالقةً في أذنها لثوانٍ. لاحظت مكّة تأثير كلماتها، فأكملت بجدية: — بلاش تخسري الست اللي تعبت قوي علشانك، علشان شايفة إنك عايزة تبقي حرة وتتحكمي في تصرفاتك. انهمرت دموع رهف بألمٍ وهي تهمس: — بس أنا اتحرمت من الأب طول عمري… ما عرفتش يعني إيه سند، ولا حب الأب، ولا يعني إيه أكون محتاجة وأقول بابا. كل ده ليه؟ علشان هي رفضت تبقى زوجة تانية. عشنا في رعب، والكل كان متحكم فينا، وكل واحد يقول كلمة في حقنا علشان يربّينا… وأنا أبويا عايش، بس كان بالنسبالنا ميت. ابتسمت مكّة بلطف، وأمسكت بكفّها تبثّ فيها الأمان: — ما تقبليش على أمك حاجة ما كنتيش هتقبليها على نفسك يا رهف. هي عملت كده علشان كبريائها اتجرح، بس ما رمتكيش إنتِ وإخواتك. اختارت تبيع راحتها وشبابها علشانكم، وفضّلتكم على نفسها. بلاش ننكر فضل اللي بيحبونا علينا لمجرد إننا عايزين نشوفهم مذنبين. لو خسرتِ أمك بكرة يا رهف، مش هتلاقي اللي يعوضك عنها… فاهمة؟ ربّتت على كفّها، ثم قالت بهمس: — بلاش تنكري فضل حد عليكِ… الدنيا صغيرة. دخلت مكّة، بينما جلست رهف مكانها تبكي بحرقةٍ على حظّها؛ فقد خرجت إلى دنيا غير عادلة، بأبٍ أناني… وحياةٍ قاسية. مسحت دموعها بعنف، وعزمت على الذهاب إلى والدتها، لتعترف بتقصيرها في حقها طوال هذه المدة، كم كانت ترتدي قناع القسوة، وتنكر الاعتراف بالمحبة. وقفت رهف أمام باب غرفة والدتها، تفرك يديها بتوتّر؛ فهذه أول مرة تأتي لتجلس معها وتتحاور… لطالما كانت لقاءاتهما تنتهي بالشجار، ودائمًا ما رأت في والدتها المذنبة الوحيدة. تنفست أخيرًا، ودقّت الباب مرة… ثم ثانية… ثم ثالثة… دون إجابة. فتحت الباب بهدوء. وقعت عيناها على والدتها نائمة على الفراش بسلامٍ عميق، سلامٍ يشبه الأمان. كانت كالبدر، نورٌ هادئ يكسو وجهها، وراحةٌ غريبة تسكن ملامحها. ابتسمت رهف دون وعي، واقتربت ببطء، جلست إلى جوارها، وأمسكت بكفّ يدها وهمست: — ماما… لكن الابتسامة تلاشت. برودةٌ قاسية تسللت إلى أطرافها. عقدت حاجبيها بقلق، ثم دقّقت النظر… في شفتيها الزرقاوين، في جسدٍ جامدٍ كأنه سُحب من دفء الحياة. كانت الصاعقة. هزّتها رهف بعنف، وصوتها يرتجف: — ماما! ماما فوقي! ماما! لا رد. وفي ثوانٍ… ومن غير أيّ مقدمات، اهتزّ القصر بأكمله من صرخةٍ واحدة، صرخةٍ خرجت من قلبٍ انكسر للأبد. جاء الجميع على صرخة رهف. تجمّد الكل في أماكنهم، وصار الصمت أثقل من الصوت. هرول تميم نحو عمّته، وضع يده على موضع نبضها… ثوانٍ معدودة، ثوانٍ فقط، ثم هزّ رأسه كالمجنون: — عمّتي… لا. وفي اللحظة نفسها، انهارت فايزة على الأرض وهي تصرخ بفزع: — بنتييييي! أما مكّة، فقد وضعت يدها على فمها بصدمة، تهزّ رأسها نفيًا، ثم فرت الدموع من عينيها فجأة، كأنها كانت محبوسة تنتظر الإذن. في أقلّ من ثوانٍ، سكن الحزن البيت، وتلبّد بالغيوم. مرّت ساعات… لم تكن هيّنة على قلب أحد، فقد خسروا أحنّ القلوب، وأطيبهم. وقفت مكّة أمام قبرها، تبكي بحرقةٍ شديدة. قالت بصوتٍ مكسور: — في ريحة جميلة قوي طالعة من قبرك… الكل مش قادر يستوعب جمال الريحة دي جاية منين، بس أنا عارفة. تنفّست بعمق، ثم أكملت: — إنتِ سيبتي دنيا مُزعجة، سعيتي فيها لرضا ربنا، ودلوقتي رايحة تتمتعي بصبرك وعبادتك… وربنا قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ — أنا اتعلمت منك إن الدنيا دي فانية، وإن اللي هيفوز فيها بجد هو اللي كان مع ربنا. رفعت عينيها إلى القبر: — أهو أنا شايفة ده في النور اللي طالع على وشك، وفي قبرك اللي بيطري، وفي المسك اللي طالع منه، وفي ابتسامتك اللي كأنها شافت هي رايحة على فين. ابتسمت بحزنٍ عميق: — إنتِ معجزة جميلة، علمتيني أسعى… علشان أنا كمان عاوزة أبقى في المكان اللي إنتِ فيه دلوقتي. صمتت لحظة، ثم انكسر صوتها: — بس… هتوحشيني قوي. وفي الجهة الأخرى، كانت رهف واقفة تبكي بحرقة، ثم سقطت على ركبتيها. وجهها شاحب، عيناها ذابلتان، شعرها مبعثر. صرخت بألم: — كنتِ صبرتي شوية… كنت جاية أقولك إني بحبك، كنت جاية أفهمك إني غلطت في حقك… كنتِ صبرتي شوية صغيرة، اسمعيني ولو مرة يا ماما! وضعت يدها على موضع قلبها، ثم صرخةٌ خرجت منها، هزّت كل من في المكان: — آاااه! اتأخرت في حضنك، واتأخرت في اعتذاري، وما اتأخرتيش في الرحيل أسرعت مكّة نحوها، فارتمت رهف بين ضلوعها، تهتزّ بعنف وهي تبكي بندمٍ يمزّق الروح: — راحت قبل ما أفهمها إني بحبها… ماتت وسابتني، وهي اللي قالتلي لو فضلت وحشة طول عمري مش هتسيبني… مشيت بسرعة ليه؟ ليه؟ لييييه؟ شدّت مكّة ذراعيها حولها بقوة، كأنها تحاول أن تمنع قلبًا آخر من الانكسار. (في اعتذارات لما بتتأخر… بتبقى مالهاش عنوان) مرّ شهران 🌜 كان القصر يغرق في صمت قاتل، هدوء ثقيل يسيطر على كل ركن فيه. ومكّة تذهب أحيانًا إلى جامعتها برفقة تميم الذي لم يفارقها منذ ذلك اليوم، وعلى الرغم من ذلك، ما زال يعاملها ببعض القسوة الغامضة التي لا تدري سببها. وفي كل مكان تذهب إليه، كانت ترى مالك جالسًا، يضع قدم على الأخرى، ينظر إليها ببرود، كأن عاصفة خفية تترقب خلفه. وفي صباح يوم جديد، استيقظت مكّة على جو القصر المغيم بالكآبة الشديدة. ذهبت إلى المرحاض، وأدّت صلاة الضحى، ثم قرأت وردها الصباحي من القرآن والأذكار. وقفت أمام المرآة، تتأمل نفسها برضا، تشعر بنور الإيمان الذي قررت أن تلحق به، كما فعلت هالة من قبل. وهكذا كانت دائمًا تذكر نفسها: السعي نحو النور، مهما كان الطريق صعبًا. جلست على الأريكة مرتدية الكوتشي، ثم نظرت مرة أخرى في المرآة، عدّلت خمارها، وأحست بالرضا عن مظهرها المتناسق: خمار نبيتي اللون، وفستان كافيه رقيق يشبه شخصيتها، كوتشي أبيض، وشنطة بيضاء. كانت على وشك النزول لقضاء آخر امتحان في السنة، حتى انفجر صوت سامر في أركان القصر، مملوءًا بالغضب: — باقي شهر على امتحاناتك وأنت مقضيها نوم! ماتفوق ونظم نفسك يا آسر، هتضيع تعب سنة كاملة يا زفت! آسر نظر إلى الأسفل، عاجزًا عن مواجهة الواقع، شعوره بالفراغ بعد فقد والدته غرقه في عالم بلا شغف، بلا حياة، بلا معنى. نظرت إليه مكّة بألم شديد، مدّت شفتيها بحزن عميق. آسر بلامبالاة: — مش فارقة… مش عاوز السنة أصلاً. انفجر غضب سامر، ورفع يده بسرعة لتضرب وجه آسر، لكنّ اليد هبطت على وجه آخر لم يراه أنها وقفت امامه. في تلك اللحظة، دخل تميم ببطء، عينيه تتسعان من الصدمة، ثم انهال نحو سامر كالمجنون، يشد يد مكّة خلفه، صوته يرتفع: — انت اتجننت؟! فتح سامر فمه، مذهولًا مما حدث. تحدثت مكّة بسرعة، محاولةً التوضيح: — هو ماكنش يقصد… لكن تميم قاطعها بغضبٍ جامح: — عملت إيه علشان تستجرأ تعمل كده؟ فاق سامر سريعًا، صوته يرتجف: — أنا ماكنتش قصدي… رفع تميم إصبعه السبابة، موجّهًا له تحذيرًا صارمًا: — الحاجة الوحيدة اللي صبرتني علي ، إني ما نسفكش حالًا… أنك عمى شدّ مكّة خلفه للخارج، دون أن تفهم شيئًا، بينما وقف آسر يراقب، قلبه مثقل بالصدمة، ولم يستطع أن يتحرك لمواجهة سامر، الذي جلس ، فقدان الأمل واضحًا على وجهه، كأن العالم كله انهار حوله. عاد الهدوء القاتل إلى القصر، لكن ثقل اللحظة كان ثقيلًا على القلوب، يزرع ألمًا صامتًا في كل من عاش الغضب أو فقد الأمل في ذلك اليوم. وقف تميم بسيارته في ساحة الجامعة، فتح لها الباب بهدوء معتاد، وهي تهبط منه بغضب، تصرخ أمامه: — ممكن تسمعني بقى! تميم بلا مبالاة، نظر إلى خدها المتهالك بآلم حاول إخفاءه: — اطلعي على لجنتك يا مكّة. تحدثت بغضب قبل أن تغادر: — سامر كان هيضرب آسر، وأنا اللي خدت الضربة مكانه عن قصد… علشان هو مش ناقص! تركت المكان بسرعة، في حين نظر تميم إلى طيفها وابتسم برفق، وضع يده على قلبه وقال بآلم مكتوم: — وبعدين معاك… هو ده اللي هنخليها تندم إنها بنتها؟… هو ده الانتقام؟ اعترف أمام كبريائه وشرّه أنه يحبها… نعم، حبّها حد الجنون، ثم أغلق باب السيارة بغضب أعمى وتحرك للداخل بهدوئه المعتاد. توقف أمام لجنة الامتحان، المسؤول عن مراقبتها، رفع هاتفه ببرود: — عاوز إيه يا حمزة؟ — من وقت ما حرق مالك الهلالي المصنع بتاعك وأنت ساكت ومختفي… تنفّس تميم ببرود: — معلش، أنا معايا قلبه… ده أقل واجب منه. أجاب حمزة بهدوء: — اقفل الحرب دي يا تميم… انت مش قدها. تميم بتحدي: — الحرب هتبقى بتاعتي، وأرض الهلالي هاخدها! ثم أغلق الخط في وجهه دون أن يستمع. كانت مكّة تتحرك في الدور متجهة نحو لجنتها، حتى شعرت بيد تسحبها بقوة، لم يكن سواه، يسحبها خلفه وهي تصرخ بغضب: — سيبني يا مالك! بتعمل إيه؟! وقف بها في سطح الجامعة، حاصرها بينه وبين الحائط، نظر إلى خدها وهو يضم كفه بغضب أعمى: — مين اللي عمل فيكي كده؟! سحبت يديها بغضب: — ابعد عني بقى، وروّح اهتم بمراتك وابنك وسيبني في حالي! ضرب مالك الحائط خلفها بعنف، قوة كالعمى، حتى نزفت يده. مكه فزعت، أمسكت يده بفزع: — انت اتجننت؟ ايه اللي انت بتعمله ده؟! رفع ذقنها لينظر في عينيها، جعلها تشرد في بؤبؤ عينه، نطق بصوت الأفعى: — مين اللي عمل كده؟ ورحمة آمي هخليه يتمنى إنه اتولد من غير إيد! ابتلعت مكّة ريقها، ونظرت لأسفل. صرخ مالك صرخة هزت جسدها بالكامل: — أنطقييييي! ارتعشت لتقول بغضب: — مالكش دعوة بيا… أنا بكرهك يا مالك… أنا بكرهكم كلكم! وكادت أن تغادر السطح مهرولة، حتى أوقفها مالك وهو يمسك كفّها: — وعزّة جلالة الله، هتندمي يا مكّة… حتى انتقامك كان غباء… تسرعك كله غباء… ولو فكرتي إنك بسهولة هتبقي لغيري، تبقي غبية… فاهمة؟ تركها وهرولت سريعًا لأسفل، وتردد صوته في مسمعها عدة مرات. دخلت اللجنة، وتفاجأت بأن من يراقبها اليوم هو تميم. نظر إليها، شاهد وجهها المرهق، وغمز لها، في حين شعرت ببعض الارتباك من الأنظار حولها. وضع المراقب الآخر الورقة أمامها لتبدأ في الحل. شعرت فجأة بالاختناق، فأسعلت بقوة، لكن ثوانٍ معدودة، فتح تميم غطاء زجاجة المياه وقال بلطف: — أهدئي. مسكت منه الزجاجة، تنظر لكل من حولها بخجل، همست بهدوء: — شكرًا. جلس تميم على الطرابيزة بجوارها، يضع قدمه علي كرسي بجوار الكرسي الذي تجلس عليه ينظر إلى باقي اللجنة، بينما ركزت مكّة وجهها على ورقة الامتحان، تؤدي أفضل ما يمكن. وفي النهاية، أخذ تميم الورقة ليغمز لها بمشاكسه: — هاتي يا دكتورتي. فتحت عيونها بصدمه، ابتلعت ريقها بغضب، وذهبت للخارج. بينما جاء إشعار لتميم، جملة بسيطة محملة بكل أنواع التهديد: — دي بالذات ما ينفعش تتلمس. كانت مكّة تمشي نحو سيارة تميم، تنظر في شنطتها، لكن توقفّت لثوانٍ على صوت إحدى زميلاتها: — مكه! نظرت خلفها، ابتسمت: — إزيك يا مروه؟ مروه بسؤال هادئ: — مكه، مها محضرتش ولا امتحان السنة دي؟ هي كويسة؟ نظرت إليها مكّة، شعرت بشيء يلمس قلبها بألم، أجابت بهدوء: — مش عارفة يا مروه. وتركتها، بينما مروه تفكر، رفعت حاجبها: — مش عارفة إزاي يعني؟! لما انت مش عارفة، أمال مين اللي هيعرف؟! اتجهت مكّة سريعًا نحو سيارة تميم، ثوانٍ معدودة، وكان هو يدخل السيارة. شردت مكّة بعيدًا، فرغم كل شيء، انشغل قلبها بصديقة عمرها، همست وهي تفرك يديها: — ت.تميم… تميم وضع يده على المقود، نظر للأمام وتحدث ببرود شديد: — مقدمة شهادة مرضية… الحمل تعبها… وكانت محجوزة في المستشفى… دلوقتي هي كويسة. فتحت مكّة فمها بصدمه، في حين تحدث تميم بهدوء: — حاجة تانية؟ نظرت إليه في المرآة، ونطقت بهدوء: — انت إنسان مخيف. صفّت سيارة تميم أمام القصر، وهو ينطق بهدوئه المعتاد: — انزلي. نظرت إليه مكّة بغضب من طريقة كلامه المتغيرة كل ثوانٍ، هبطت من السيارة، تتجه نحو الداخل بخطوات سريعة، لكنها قررت أولًا أن تدلف إلى غرفة آسر قبل أي شيء آخر. دقت الباب، وسمح لها آسر بالدخول. دخلت مكّة بخطوات هادئة، ابتسامة رقيقة ترتسم على وجهها، وجدت آسر ممسكًا بصورة والدته، يمسح دموعه بصمت، وعند وقوفها قال بصوت منخفض: — شكرًا. ابتسمت مكّة برقة: — على إيه؟ — على إنك وقفتي جنبي… واللي عملتيه النهارده مش هنساه ليكي. جلست مكّة على مقدمة السرير، قلبها يرفرف بخفة، ونظرتها ثابتة على آسر. آسر، الذي بدا منهكًا، عينيه محمرتان من البكاء، يديه تمسك بصورة والدته. ابتسمت مكّة بهدوء، وجلست أقرب إليه، محاولة أن تنقل له بعض السلام: — آسر… اعرف إن الدنيا أوقات بتبقى صعبة… وأنك تحس إن كل شيء ضاع… بس صدقني… كل حاجة بتمر بيها ربنا شايفها… وكل لحظة ألم هي فرصة… فرصة تقويك… فرصة تخليك أقوى. رفع رأسه ببطء، نظر إليها بعينين مليئتين بالحزن، همس: — مقدرش… حاسس إن قلبي ميت… ما فيش فايدة. مدّت يدها ووضعتها على قلبه: — اسمعني… القلب ما يموتش إلا لما نسيب النفس تتخلى عن ربنا… آسر، كل تجربة صعبة، كل ألم… ده امتحان… واللي بيصبر ويثبت، ربنا معاه. ابتسمت ابتسامة بسيطة، ثم أضافت بحنان: — مش لازم تحس إنك لو وقعت، وقعت للأبد… حتى لو حاسس إنك ضايع، ربنا موجود… ده وعده… واللي يفقد أمله في نفسه، ما يفقدش أمله فيه. رفع رأسه ببطء، نظر إليها بعينين مليئتين بالحيرة: — طب… وانا مينفعش أعمل حاجة دلوقتي… هي مش معايا… أمالت مكّة جسدها قليلًا، وأمسكت يديه بكل حنان: — آسر… الحُب مش مجرد شعور… الحُب أفعال… لو بتحب أمك… خلي حياتك كلها دليل… خلي كل نجاح، كل صبر، كل خير… عملتوه… علشانها… علشان لما تقابلها في الآخرة تبقى فخورة بيك جدًا… تبقى شايفة ابنها وقف قد المسؤولية… ما استسلمش… وما تخليش اليأس يدخل قلبك. آسر ابتلع ريقه، قلبه بدأ يدق أسرع، وشعر بشيء يتحرك جواه… شعور بالمسؤولية، شعور بالقوة، شعور بأن الدنيا ما انتهتش رغم كل الألم. ابتسمت مكّة، وضعت يدها على قلبه: — ربنا شايفك… وهو اللي هيساعدك… وأي خطوة صح هتخلي قلبك أهدأ… كل يوم هتكتشف قد إيه انت قادر… قالت ببسمه— آيه رآيك لونذاكر مع بعض تعالى نبدأ بأي حاجه أحس آسر بالسكينة تتسلل إلى قلبه، بدأ يلتقط أنفاسه ببطء، كأن الحياة تعود إليه شيئًا فشيئًا. جلسا معًا، مكّة وآسر، يذاكران حتى وقت متأخر جدًا، ورغم التعب، ظلّ التركيز حاضرًا، حتى غلبها النوم فجأة، وانحنت على الطرابيزة، يديها على الورق، وآسر ينظر إليها بدهشة وحنان، يهمس بصوت منخفض: — شكرًاااااا… شكرًا. ثم قام، واتجه إلى تميم الذي كان جالسًا يشتغل على اللابتوب: — تميم، تعال شيل مراتك من عندي… مش قادر أمسك نفسي قدامها بصراحة! نظر تميم إليه بدهشة، ثم مسكه من ياقة قميصه قائلاً بغضب: — بتقول إيه يا ض…؟! ضحك آسر عاليًا، وأشار إلى الغرفة: — تعالوا خدوا الميتين اللي هنا! تحرك تميم نحو الغرفة وهو يصرخ فيه بغضب، ويشتمه: — أنا غلطان إني سايبها معاك يا ابن… إنت…! فتح الباب ليجد مكّة غارقة في النوم، لا هدوءها تغيّر، ولا إرهاقها خفّ… الورق حولها مبعثر، لكن شكلها كان مفعمًا بالراحة رغم كل شيء. اقترب تميم منها، حملها بين ذراعيه، وضمها إلى صدره بحب امتلاك، توجه بها نحو غرفته، وهو يشعر بالفخر والحنان في آن واحد. ضحك آسر عاليًا: — يابختك ياعم… ثقلتك امك يا آسر! ضحك آسر بحرية، وكأن الحزن لم يزره أبدًا، وفي الوقت نفسه، كان سامر يشاهد المشهد، يشعر بسعادة عميقة، يراها بعيونه، يحس بقدوم آسر للحياة مرة أخرى، ينبض قلبه بالأمل. في صباح يوم جديد 🫶🫶 🥹 فاقت مكّة على صوت إشعار على هاتفها. رقم غريب… لم تعرفه من قبل. فتحت الرسالة، وكانت مكتوبة بكلمات قصيرة: — بصي من الشباك. اقتربت مكّة من الشرفة ببطء، قلبها ينبض بشدة، شعور مختلط بين الفضول والخوف والدهشة. فتحت عينيها بدهشة، وما إن نظرت إلى الخارج… حتى توقفت عن التنفس للحظة.🌚🖤 (قدري الأجمل🌚🖤) /ندا الهلالي{أصعب من المواجهة… هي من تواجه."🖤🌎} وقفت مكّة خلف الشرفة تتطلع إلى الأسفل، وقلبها يخفق باضطرابٍ لا تهدأ له وتيرة. كانت مها هناك، وحيدة، منكسرة، كأنها جاءت تحمل اعترافًا أثقل من قدرتها على الاحتمال. ترددت مكّة طويلًا. شيءٌ في داخلها كان يأمرها أن تغلق الباب وتعود، وشيءٌ آخر كان يلحّ عليها أن تواجه. وفي النهاية… نزلت. ما إن وقعت عينا مها عليها، حتى اندفعت نحوها كمن أفلتت منه الحياة، وألقت بنفسها في حضنها، تشبثت بعنقها، وارتجف جسدها كله من شدة البكاء. كانت شهقاتها متلاحقة، وبكاؤها صامتًا لكنه مزلزل. غير أن مكّة لم تبادلها العناق. ظلت واقفة كتمثالٍ بلا روح، ثم أبعدتها عنها بقسوة مكتومة. قالت من غير ما تبصلها: — إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ مسكت مها كف إيدها بسرعة، صوتها مكسور: — أرجوكي يا مكّة… اسمعيني مرة واحدة بس. سحبت مكّة إيدها بعنف، والغضب انفجر من صدرها: — أسمعك؟! إنتِ فاكرة نفسك عملتي إيه؟ فاكرة أنا حبيتك قد إيه؟ ارتعش صوتها، والدموع نزلت غصب عنها: — أنا كنت مستعدة أخسر حياتي كلها ولا أخسرك إنتِ! لو كنت أعرف إنك بتحبي مالك… والله كنت سيبته ليكي! إنتِ ماكنتيش مجرد صاحبة… إنتِ كنتِ أختي، وصاحبتي، ودار أماني. انخفضت رأس مها، وعيناها معلقتان بالأرض، والدموع تنساب بلا توقف. تشابكت أصابعها في بعضها، كأنها تعاقب نفسها قبل أن يُدان ذنبها. أشارت مكّة بيدها نحو باب القصر، وصوتها خرج مبحوحًا صارخًا: — اطلعي برا. وسيبيـني في حالي. وانسي إن كان ليكي صاحبة اسمها مكّة في يوم. ثم صرخت بكل ما تبقى فيها: — بــــــــراااااااااااااااا! استدارت مكّة لتغادر، تاركة خلفها إنسانة محطمة. لكن مها أوقفتها فجأة، صوتها خرج مرتجفًا: — أنا حامل… بس مش من مالك. من محمود. توقفت مكّة مكانها، وكأن الهواء قد تجمد حولها. خطت خطوة إلى الخلف، وقلبها كاد يخرج من صدرها. التفتت ببطء، ونظرت إليها وفمها مفتوح من الصدمة. ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة باهتة، وقالت ببرود: — كذبة جديدة. جرت مها نحوها، أمسكت كف إيديها، وسقطت على ركبتيها أمامها: — والله العظيم بقول الحقيقة! إنتِ باقي سنتين وتبقي دكتورة، تقدري تعملي تحليل DNA بنفسك! اعمليه… شكّي زي ما إنتِ عايزة! كانت مكّة واقفة، شاحبة الملامح، زائغة النظرات، ثابتة في موضعها كأنها تلقت ضربة لم تستوعبها بعد. أخذت مها نفسًا عميقًا، وبدأت تحكي كل شيء بسرعة، ودموعها لا تتوقف، بينما ظلت مكّة كما هي… عالقة في لحظة صدمة لا زمن لها. ظلّت مكّة واقفة في موضعها، لا تتحرك، كأن الكلمات التي سقطت على مسامعها قد شلّت الزمن من حولها. كانت تنظر إلى مها، لكن بصرها لم يكن يراها، وكأن عقلها ما زال عالقًا عند الجملة الأخيرة. تنفست مها بعمق، صدرها يعلو ويهبط بعنف، ثم قالت بصوت مرتعش: — أنا ماكنتش عايزة ده يحصل… والله ما كنت قاصدة أخسرِك. لم ترد مكّة. ملامحها جامدة، وعيناها ثابتتان في نقطة بعيدة، كأنها تحتمي بالصمت من الانهيار. اقتربت مها خطوة، ثم توقفت، خائفة من أن تُصدّ من جديد ابتلعت ريقها بصعوبة، وأكملت وهي تبكي: — عمري ما حبيت مالك زي ما إنتِ فاكرة… هو كان إنقاذ، لحظة غباء، بس إنتِ؟ إنتِ كنتِ حياتي. شدّت مكّة أصابعها بقوة، أظافرها انغرست في كفها، محاولة أن تستعيد توازنها. ثم قالت ببطء، بنبرة منخفضة لكنها حادة: — وإنتِ فاكرة إن الكلام ده يفرق؟ رفعت مها عينيها إليها، مليئتين بالخوف: — يفرق… علشان تعرفي إني ما خنتكيش عن قصد. ضحكت مكّة ضحكة قصيرة خالية من الفرح: — القصد ما يغيّرش النتيجة. ساد الصمت لحظة ثقيلة، لم يُسمع فيها سوى أنفاس مها المتقطعة. أغمضت مكّة عينيها لثوانٍ، ثم فتحتهما وقالت بصوت مبحوح: — إنتِ كسرتي حاجة ما بتتصلحش. انكمشت مها على نفسها، وكأن الجملة سحبت منها آخر ذرة أمل: — عارفة… وعارفة إني أستاهل كل ده. بس محدش يستاهل الانتقام ده يامكه تقدمت مكّة خطوة إلى الخلف، كأنها تحتاج مسافة تحميها: — اللي بينا انتهى. حتى لو الكلام خلّص… الوجع لسه. رفعت مها رأسها، نظرت إليها نظرة أخيرة مليئة بالرجاء: — بس حاول تسامحيني لم تجبها مكّة. استدارت ببطء، ومشت نحو باب القصر، خطواتها ثقيلة لكنها ثابتة. أما مها… فبقيت في مكانها، وحدها، تحمل سرًا أكبر من قدرتها، وتراقب ظهر مكّة وهو يبتعد، مدركة أن بعض الخسارات لا يعوّضها اعتراف، ولا يمحوها صدق متأخر. أغلقت مكّة باب غرفتها خلفها، وما إن استندت إليه حتى سقط ثقل جسدها عليه، كأنها كانت تتماسك فقط إلى أن وصلت إلى هذا المكان. اتجهت نحو السرير بخطوات متعثرة، ثم توقفت في منتصف الغرفة. صوت مها عاد يرنّ في أذنيها بإلحاحٍ قاسٍ. أنا حامل… بس مش من مالك… من محمود. رفعت يدها إلى رأسها، ضغطت على صدغيها، وكأنها تحاول إيقاف ذلك الصوت، لكن الأفكار كانت أسرع. محمود… أخوها. كيف حدث هذا من دون أن تعلم؟ وأين هو الآن؟ ثم مالك. ملامحه، أفعاله، مواقفه التي بدت لها وقتها قاسية وغير مبررة. هل كان يفعل كل ذلك من أجلها؟ هل كانت تراه بعينٍ واحدة فقط؟ تسارعت أنفاسها، وبدأ صدرها يعلو ويهبط بعنف. نظرت إلى انعكاسها في المرآة، فرأت وجهًا شاحبًا، عينين متورمتين، وشفتين ترتجفان. خرج صوتها فجأة، مبحوحًا، كأنها تحاسب نفسها: — بس أنا كنت فين من كل ده؟! لم تحتمل الوقوف أكثر. انزلقت على الأرض بجوار السرير، ظهرها إلى الحائط، وساقاها مطويتان تحتها. انهارت. انفجر بكاؤها، بكاءً مريرًا، جسدها كله يهتز، ودموعها تنساب بلا توقف. كانت تبكي غيابها، وتسرعها في الحكم، ووجع الحقيقة التي جاءت متأخرة. وفجأة… انفتح باب الغرفة بعنف. دخل تميم، وما إن رأى المشهد حتى توقفت أنفاسه. مكّة كانت على الأرض، شعرها مبعثر، خصلاته ملتصقة بوجهٍ غارقٍ في الدموع، عيناها حمراوان، زائغتان، وفستانها متجعد، كأنها خرجت من معركة خاسرة. جري نحوها، جثا على ركبتيه، ومد يديه بسرعة: — مكّة! إيه اللي حصلك؟! لم تجبه. كانت تبكي بقوة، شهقاتها متقطعة. أمسك كتفيها برفق، محاولًا رفع وجهها إليه، وصوته مليء بالصدمة: — بصّيلي… إنتِ كويسة؟ رفعت عينيها ببطء، نظرت إليه نظرة مليئة بالتعب والضياع، وهمست: — أنا… كنت بعيدة أوي. لم يسأل أكثر. شدّها إليه، وضمّها بحذر، وكأنها شيء هشّ قد ينكسر بين يديه، بينما استمر بكاؤها بين ذراعيه. وفي تلك الغرفة، بين جدران تعرف أسرارها، سقطت مكّة أخيرًا… وسمحت لنفسها أن تنهار. لم تشعر مكّة بنفسها حين هدأ جسدها بين ذراعي تميم. كان بكاؤها قد استنزف ما تبقى فيها، فاستسلمت للنوم ببطء، رأسها مستقر فوق صدره، وأنفاسها غير منتظمة، كطفلة احتمت أخيرًا من العاصفة. ظلّ تميم ثابتًا لا يتحرك. كان يتأمل ملامحها عن قرب؛ العينان المغمضتان بتعب، آثار الدموع الجافة على وجنتيها، وشفتان ترتجفان حتى وهي نائمة. رفع يده ببطء، أبعد خصلة شعر علقت بوجهها، وتنفس بعمق. اقترب بفمه من أذنها، وهمس بصوتٍ منخفض كأنه حديث لا يجب أن يسمعه أحد: — شكل كل الأدوار هتتلعب عليكي في لحظة يا أميرتي الصغيرة. نهض بحذر شديد، وحملها بين ذراعيه دون أن توقظها. كانت خفيفة… أكثر مما ينبغي. وضعها على الفراش برفق، كأنها قطعة من الزجاج، وعدّل وضعها، ثم استدار. توجه نحو أحد الجدران. لم يكن جدارًا عاديًا؛ لوحة معدنية سوداء، مدمجة بإتقان في الحائط، تشبه باب خزنة عملاقة، لا مقبض لها ولا مفاتيح. وقف أمامها بثبات، ووضع كفّه داخل مربع صغير محفور في المعدن. ثوانٍ قليلة… ثم صدر صوت خافت، أشبه بنبضٍ معدني. انشقّ الباب ببطء. من الداخل، ظهر سلّم ضيق ينحدر إلى الأسفل، درجاته من الحديد الداكن، يبتلع الضوء كلما نزل أعمق. عاد تميم سريعًا، حمل مكّة من جديد، ودخل بها. أُغلق الباب خلفهما في صمت. بدأ النزول. وكان مع كل درجة، يبتعدان أكثر عن العالم في الأعلى. انتهى السلم عند غرفة مخفية أسفل الأرض. غرفة واسعة على غير المتوقع، جدرانها حجرية ملساء، يكسوها ضوء خافت مائل للزرقة، مصدره وحدات إضاءة صغيرة مخفية في الزوايا. الهواء بارد، نقي، مشبع برائحة معدنٍ قديم وأسرار دفينة. في منتصف الغرفة، فراش بسيط لكن فخم، وإلى جانبه طاولة خشبية داكنة، وعلى الجدران شاشات مغلقة، وخزائن معدنية، وملفات مرتبة بعناية. المكان كله يوحي بشيء واحد: هذا ليس ملجأ… بل غرفة انتظار للحقيقة. وضع تميم مكّة على الفراش، ووقف يتأملها للحظة. هنا، في هذا العمق، في أعماق الغرفة السفلية، كان الصمت سيد المكان. مكّة نائمة بسلامٍ زائف، لا تعلم أن الأمان الذي احتمت به لم يكن إلا جزءًا من لعبة أكبر منها. وقف تميم بعيدًا عنها، ظهره إلى الفراش، وعيناه مثبتتان على إحدى الشاشات التي أضاءها بلمسة واحدة. ظهرت صورة قديمة لرجلٍ في منتصف العمر… والد مكّة. انقبض فكه، وارتسمت على ملامحه قسوة لم تعهدها من قبل. لم يكن هذا المكان وليد الصدفة. ولا هذا الزواج محض حب. عاد بذاكرته سنواتٍ إلى الوراء… إلى بيتٍ آخر، وصوت ضحكات لم تكتمل، وأبٍ كان عالمه كله. رأى المشهد مجددًا، كما لو أنه يحدث الآن: أبوه، منكسرًا، مخدوعًا، بعد أن اكتشف خيانة أحب الأشخاص و الأقرب…خيانة زوجته. خيانة واحدة كانت كفيلة بأن تسلبه كل شيء. شرفه. كرامته. وحياته. لم يحتمل الوجع، ولا الخذلان. اختار النهاية الأسرع… قتلها. ثم أنهى حياته. وفي لحظة واحدة، تحوّل تميم من ابنٍ مدلل إلى يتيمٍ محروم حتى من حق البكاء. حُرم من أبيه… أحبّ الناس إلى قلبه. تنفس تميم بعمق: التفت ببطء نحو مكّة.،كانت نائمة ببراءة، ملامحها هادئة، لا تشبه الرجل الذي يحمل اسمه كرهه منذ سنوات. ومرر يده على وجهها، ثم قال بصوتٍ منخفض، كأنه يحدث أشباح الماضي: — كل ده كان لازم يترد. اقترب منها خطوة، ثم توقف. صراعٌ حاد دار داخله. لم تكن هي الهدف. لكنها كانت الطريق. قال بصوت خافت، يحمل قسوة القرار: — أنا اتجوزتك علشان أنتقم من أبوكي… علشان يحس بوجع الحرمان زي ما حسيته. وأنت الوحيده اللي هتوجع الحي والميت سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أخف، أكثر اضطرابًا: — بس ماكنتش عامل حساب إنك تبقي كل ده. مدّ يده، توقف قبل أن يلمسها، ثم قبضها بقوة وتراجع. على الشاشة، ظهرت ملفات جديدة. تواريخ. أسماء. صور. كلها تشير إلى شبكة خيانه قديمة، لم تُغلق ملفاتها بعد. رحلة الانتقام بدأت. لا تراجع. ولا رحمة. لكن المشكلة الوحيدة… أن قلبه بدأ يتمرد على الخطة. وفي الحروب الكبيرة، أخطر شئ (أن تقع في حب ابنة عدوك.) -----------------$---------------$----------$---- في مساءٍ مثقلٍ بالخذلان، 🥹 وقفت مها أمام بابٍ حديدي بارد داخل المستشفى الخاص. كانت قد وصلت إلى الحافة؛ لم تعد تعرف إلى أين تهرب، ولا بمن تستنجد. لم يفتح لها أحد، لكن صوتًا خافتًا من الداخل جعل قلبها ينقبض. طرقت بخفة. لا رد. اقتربت أكثر، وضعت أذنها على الباب… وسمعت أنفاسًا متقطعة، متألمة، كأنها صادرة من صدرٍ يحتضر. ترددت لحظة، ثم دفعت الباب ببطء. كان محمود ممددًا على الأرض، جسده ملتف على نفسه، ذراعاه تحيطان بصدره كمن يحتمي من ألمٍ لا يُرى. ملامحه شاحبة، عرق بارد يغطي جبينه، وشفاهه تتمتم بكلمات غير مفهومة. شهقت مها، واندفعت نحوه: — محمود…! فتح عينيه بصعوبة، حاول أن يركز، وحين رآها تجمد في مكانه. الخجل سبق الألم إلى ملامحه. قال بصوتٍ مبحوح: — إنتِ… إنتِ بتعملي إيه هنا؟ جلست على الأرض أمامه، دموعها تنساب بلا توقف: — جيت أطمن عليك… الدنيا قفلت في وشي، وما لقيتش غيرك. أدار وجهه بعيدًا، وكأن النظر إليها يقتله: — امشي… وجودك هنا غلط. اقتربت أكثر، صوتها مكسور لكنه ثابت: — الغلط حصل خلاص… بس إحنا لسه عايشين. ضحك بمرارة، ضحكة مختنقة: — عايشين؟ أنا مش عايش… أنا بعاقب نفسي. مدّت يدها بتردد، ثم وضعتها على كتفه. ارتجف جسده تحت لمستها. قالت بصوتٍ مرتعش: — أنا خايفة عليك. صرخ فجأة، بعجز: — وأنا أستاهل؟ أنا كسرتك… أذيتك… أنا مش عايز أتعالج، سيبيني أموت. انهارت مها، وضمت وجهها بين يديها، ثم رفعت رأسها وقالت من بين بكائها: — لو مت… ابنك هيعيش بإيه؟ هيعيش بذنب مالوش فيه؟ تجمد محمود. تابعت، وصوتها يرتعش لكنه صادق: — الطفل ده مالوش ذنب في اللي حصل… مالوش ذنب إن أبوه كان ضايع. بدأت دموع محمود تنهمر بصمت. صوته خرج ضعيفًا: — ابن…؟ هزت رأسها، والدموع تغرق وجهها: — أيوه… ابنك. انهار.جسده كله انحنى، ودفن وجهه في الأرض. اقتربت مها، وضمّته. لم يكن عناق حب فقط، بل عناق إنقاذ. رجل محطم وامرأة موجوعة، يتشبثان بالحياة من آخر خيط. قال بصوتٍ مبحوح، مختنق: — أنا خايف. همست وهي تضمه: — وأنا كمان… بس الخوف مش مبرر إننا نسيب الطفل يتوجع. تنفس بعمق، كأنه اتخذ قرارًا أخيرًا، وقال بصوتٍ متعب لكن صادق: — أنا… هتعالج. علشان ابني. علشان ما يطلعش زيّي. شدّت ذراعيها حوله أكثر، وبكت: — كفاية عليّا القرار ده. وفي تلك الغرفة الباردة، لم يُولد حب… بل وُلدت مسؤولية، وأمل هش،قد يكون آخر فرصة للنجاة. -------------&--------------&-----------------🌚🖤 استفاقت مكّة على إحساسٍ غير مألوف بالبرودة، وكأن الأرض تحتها تحاول ابتلاعها، والهواء يضغط على صدرها. فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها في غرفة حجرية ضيقة، الإضاءة فيها مائلة للزرقة، والظلال تلعب على الجدران بشكل يخيف أكثر مما يطمئن. كل شيء حولها غريب… أصوات خافتة لا تعرف مصدرها، ورائحة معدنية باهتة تشبه البرودة نفسها. جلست فجأة على السرير، قلبها يقفز في صدرها كمن يريد الخروج، كأن كل عصب في جسدها صار متوترًا بشكل مبالغ فيه. أصابعها ترتجف وهي تحاول لمس الفرش، كأنها تحاول أن تتأكد من أنها ليست في حلم، أو كابوس جديد لا ينتهي. همست بصوتٍ منخفض، كأنها تخاطب نفسها قبل أن يخطر في بالها أي فكرة: — تميم؟ توقف كل شيء. لحظة غريبة… صمت يثقل المكان. ثم جاء صوته من طرف الغرفة، هادئًا لكنه غير واضح المعالم: — صحيتي؟ التفتت إليه، لكنها لم تستطع رؤية ملامحه بالكامل، كان واقفًا في الظل، كظلال تتحرك مع الضوء. خوفها ازداد، وفكرها بدأ يتخبط: — إيه اللي بيحصل؟… أنا فين بالظبط؟… وليه هو هناك؟ مدّت يدها إلى صدرها، تشعر بضربات قلبها العنيفة تصل إلى حلقها، تتنفس بشكل متقطع، وكل مرة تتنفس فيها يزداد إحساسها بالغربة والخطر. حاولت أن تتكلم بصوتٍ أقوى مما شعرت به، لكنها اكتفت بصوتٍ مبحوح: — أنا… فين؟ اقترب تميم خطوة، صوته منخفض، غامض، مليء بالإيحاء: — المكان ده… مش ليكي تعرفيه دلوقتي. شهقت مكّة، عيناها تتسعان، جسدها بدأ يرتجف من الخوف والارتباك، شعرت أنها محاصرة بين الجدران وبين رجلٍ لا يمكنها أن تقرأه. — إيه؟!… إنت جبتني هنا ليه؟! — أنا لازم أفهم! صوتها بدأ يرتعش، لكنها أجبرت نفسها على التقدم خطوة، حتى تهتز الأرض تحت قدميها وكأنها تعلن عن ضعفها. ابتسم تميم ابتسامة جانبية قصيرة، بلا دفء، كأنه يقرأها دون أن تنطق بكلمة: — كل واحد فينا ليه دوره… ودورك لسه مخلصش. سقطت الكلمات على أذنها كجمر، شعرت بشيء غريب يضغط على قلبها، خوف مختلط بالحيرة، وبالأسى على التسرع في الحكم… على نفسها، على مها، وعلى كل الماضي. اقترب أكثر، ومدّ يده نحو جزء صغير في الحائط، وفي لحظة، انقسم الجدار إلى نصفين، بشكل مخيف وهادئ في نفس الوقت، وكأن المكان كله قد تنفس فجأة. شهقت مكّة، هرولت نحوه، ضربت بقبضتيها على الحائط: — افتح!… تميم!… رد عليّ! لم يأتِ أي رد، ولم يكن هناك أي صوت إلا ارتجاف قلبها وأنفاسها المتقطعة. انسحبت إلى زاوية الغرفة، جسدها يرتجف، عيناها ملأتهما الدموع، وفمها يخرجه شهقات طويلة. كانت تبكي بقوة، شعور بالغربة والخطر مختلط بالغضب والندم على كل شيء، حتى على سرعة حكمها على كل من حولها. في وسط البكاء، عاد صوت مها يتردد في ذهنها: اسمعيني مرة واحدة بس… أنا ماكنتش أقصد. شهقت مكّة، ودموعها غمرت وجهها: — أنا اتسرعت… حكمت على الكل… قبل ما أفهم حاجة. أخذت نفسًا عميقًا، حاولت أن تتنفس من جديد، لكن الغرفة بدت أكثر برودة، والظل حولها صار يضغط عليها أكثر. كانت وحدها… شعور بالوحشة، بالرعب، بالخذلان… حتى البرودة أصبحت ملمسًا على جسدها، على أطرافها، على قلبها، وكأن كل شيء حولها صار غامضًا وتهديدًا. وبهذا، في هذه الغرفة تحت الأرض، بين الظلال والجدران التي تخفي الأسرار، كانت مكّة… وحيدة تمامًا، بلا إجابة، بلا فهم، بلا أمان. (التسرّع في الحكم بداية الضياع، والانتقام نهايته.") -------------&--------------&-----------------🌚🖤 عند مالك 🌚🌎 جلس مالك على كرسيه في الغرفة المضيئة بضوء الشرفة الخافت، فرشته في يده، واللوحة أمامه. كان يرسم مكّة كما رآها في الجامعة، كل خط على الورق يحاول أن يثبت صورةً منها في قلبه قبل عينيه. لكن شيئًا غريبًا هزّه فجأة… شعورٌ لم يعرفه من قبل. كأن قلبه صار مربوطًا بخيطٍ مرئي معها، كأن أحدًا يضغط على صدره بقوة، يسكب خوفًا لا يمكن تفسيره. توقف عن الرسم فجأة، عينا مالك اتسعتا، ويده بقيت معلقة على الفرشة. لم يكن ألمًا جسديًا، بل إحساسًا عميقًا، شعور بالخطر الذي يحيط بها، بكأنها على بعد أميال وهو يشعر بكل تهديد يقترب منها. رفعه رأسه نحو الشرفة، النظر للسماء الصافية لم يخفف من شعوره، بل زاد قلقه… قلبه يصرخ بلا صوت: “مكّة… أنتِ بخير؟… في أمان؟” الفرشة هبطت إلى الطاولة، يده ترتجف، وتنهيدة ثقيلة خرجت من صدره. كل صورة كان يرسمها لها الآن تحمل خوفه عليها، خوف لم يعرفه قلبه من قبل، خوف يغمره ويجعله عاجزًا عن التفكير في أي شيء سوى حمايتها. جلس دقيقة، كأن الوقت توقف، يلتقط أنفاسه ويحاول تهدئة قلبه. لكن الشعور لم يختفِ… كل ثانية تمرّ بدون أن يعرف عنها شيئًا كانت تضاعف قلقه. ابتلع ريقه ببطء، وعيناه لم تترك اللوحة، كأنه يريد أن يلمسها بنظراته فقط. اهتز رأسه إلى الوراء، وعض شفتيه بصمت، محاولًا السيطرة على الصدمة. ثم عاد الهدوء، لكن شعورًا جديدًا ظهر: خوف. خوف على مكّة، على سلامتها، على كل خطوة تخطوها. كان يريد الاطمئنان عليها، أن يعرف أنها بخير الآن، هنا، لحظةً بلحظة، وكأنها تناديه بلا كلمات، وصدى ندائها يملأ قلبه كله. مد يده بعناية، لكنه لم يلمسها… كان الأمر مجرد إحساس، وهمسة، نبض خفي يربطه بها أكثر من أي حوار يمكن أن يقوله. ابتسم لنفسه بخفة، وهمس في صمت: — صدق أنتوان دو سانت إكزوبيري لما قال: "الحب ليس أن تنظر إلى بعضكما البعض، بل أن تنظروا معًا في نفس الاتجاه." ثم قرر شيئًا، فكرة هاجمت قلبه بقوة: “لازم أشوفها… من بعيد… بس أتأكد إنها بخير… بس من بعيد… قلبك بس يا مالك، بس عشان يهدى.” وقف، أخذ معطفه بهدوء، والفرشة بقيت على الطاولة، واللوحة نصف مرسومة… خطوته الأولى نحو الشرفة، نحو الخارج، نحو ما يتيح له الاطمئنان عليها دون أن يقتحم حياتها، -------------&--------------&-----------------🌚🖤 عاد رحيم من صلاة الظهر، خطاه ثقيلة، ووجهه مُرخي التعب. دخل البيت، جسده يئن من إرهاق يوم طويل، وكأن كل خطوة تكبر عمره عشرات السنين. جلس على الكنبة البسيطة، ظهره منحني، ويداه تستند على ركبتيه، تنهده أنفاسه المتعبة. البيت كله ساكن… كأن الحزن نفسه يملأ الجو، يضغط على الصدر بلا رحمة. فاطمة كانت في المطبخ، تتحضر الغداء، لكن عينيها تذرفان دموعًا صامتة. دموعها تسيل على وجنتيها، بينما قلبها يئن من غياب بنتها، من الانتقام الذي يسلك طرقه المجهولة، ومن ابنها الممدد في المستشفى بلا حراك. كل شيء حولها يشهد على الألم الدفين الذي يختنق في البيت… حتى الهواء نفسه يبدو ثقيلاً، كأن الجدران تمتص الحزن وتعيده إليها. وفجأة، رن هاتف محمود على واتساب بإشعار غريب… رقم من خارج مصر. فتح الفيديو بتردد، وما إن ضغط التشغيل حتى تجمدت أنفاسه، وعاد قلبه يسكب الرعب في عروقه. رأى مكّة… في غرفة ضالمة، تسقط على الأرض، ترتعش، تبكي بصوت عالٍ، دموعها تتدفق بغزارة، وكل شيء فيها ينبض بالوجع، بالخوف، بالانكسار… انقبض قلبه، وانطلقت في عقله أفكار متسارعة، حية، لا يجرؤ على تجاهلها. ثم وصلت الرسالة البسيطة على الشاشة: "قوي قلبك على الوجع يا رحيم… اللي جي عليك مش رحيم" ابتلعت الكلمات الهواء حوله، شعوره ارتجف، وعقله تجمد عند منظر ابنته، دموعه انزلقت، يده ارتعشت، لا يقدر على السيطرة. أول اسم خطر في ذهنه كان مالك… هو الوحيد الذي قد يقدر أن يصل إليها بسرعة، أن يراقبها، أن يحميها… لم يفكر ثانيتين. رحيم يلتقطه، ويضغط على الاتصال عند مالك🌎🌚 خرج من البيت، وصوت المحرك يهدر، والأدرينالين يملأ جسده، يضغط على دواسة الوقود كما لو أن العالم كله ينهار خلفه. وفجأة، رن الهاتف مرة أخرى. وصوت رحيم كان على الطرف الآخر، صادق، حاد، مشحون بالعجلة: — الحقني يابني! توقف قلبه للحظة، وارتعشت كل أعصابه. في تلك اللحظة، كل شيء أصبح متوقفًا… كل شيء أصبح معلقًا بين قلب رحيم، قلب مكّة، وقلوب من يحبونها. (قدري الأجمل 🖤 🌚){أقسى أنواع العذاب… أن تؤذي من أحبّ قلبك، وأنت تعرف ذلك.🖤🌚} مكّة كانت ملقاة على الأرض، جسدها مكور على نفسه، كما لو أن العالم كله قد تآمر عليها، وأن الهواء نفسه لا يريد أن يحيطها. فجأة… ارتجف جسدها، كغريقٍ يفلت من أعماق البحار، فتفتحت عيناها على الفزع، وارتعشت كما لو أن جردل ماء ثلجٍ قد ثُقب فوقها. وقفت مكّة، ترتجف، عيناها تلتقط ما حولها بنظرة مكسورة، خاسرة كل شيء. أما تميم، فكان يقف أمامها بلا أي شعور، ببرود قاتل. رفع الجردل بعيدًا عن طريقه، ونفخ السيجارة بين شفتيه: — سقعه؟! قطرات الماء تتساقط من شعرها على وجهها، على كتفيها، وعلى صدرها المبلل، صوتها بالكاد يسمع: — أنت مين؟ ضحك تميم ضحكة عالية، نفخ الدخان في وجهها: — قدرك الأسود… نظر إليها من أعلى إلى أسفل، حرك إصبعه بجانب فمه، وكأن الكلمات نفسها هي أدوات العذاب: — أنا المشاريب اللي أبوك شربها… وانت اللي هتحاسبي عليها. تحرك حولها ببطء، مكّة تنظر إليه فقط، كل جسدها يرتجف من البرد والخوف. تميم لم ينظر في عينيها، يعلم أنه قد ينهار لو فعل… روح الانتقام هي الوحيدة التي تغطيه الآن. مكّة تحدثت بغضب، صوتها يرتعش: — وأنت تعرف بابا منين؟ انت عاوز مني إيه؟ اقترب تميم، عيناه تشع شرار نار، وفي لحظة، لف شعرها حول كفه ليشدها إلى الخلف. مكّة تأوهت من الألم، دموعها تنهال بغزارة: — أنت انتجننت! تميم بصوت مبحوح وغاضب: — أعرف أبوك منين! أبوك خلاني أعيش يتيم… أبوك حرمني من أكتر حد حبيته في حياتي… كنت مسنود عليه، وأبوكي الغبي بسببه بقيت وحيد! مكّة لم تفهم كل شيء، لكن قبضته على شعرها تؤلمها بشدة. رجت بجسدها، تبكي بصوت هستيري: — ارجوك سيب شعري يا تميم… لكن تميم لم يكن معها، عيناه تلمعان بالانتقام، قبضته تزداد قوة… فجاء صوتها الصارخ: — آآآه! تميم دفعها سريعًا، جسده ينتفض من العاطفة المكبوتة، ضربات قلبه تتعالى كأنها طبول داخل صدره. سقطت مكّة على الأرض، لكنها قررت أن تتوقف عن البكاء، لتفهم ولو حرفًا واحدًا مما يقوله. تميم ببرود: — قومي. مكّة ارتجفت من صوته، رجاءً: — ارجوكي يا تميم… فوق أنا عملتلك إيه؟ لم يسمح لها بالكلام، وفي لحظة، كانت يداها معلقتين بالحبال، مرتفعتين عن الأرض، وآسفلها مياه ساخنة تصدر فقاعات، والحرارة بدأت تعرق جسدها بالكامل. تميم جلس على كرسيه، أمام جهازه، يراقب كل صرخة، كل اهتزاز، كل نفس، عيناه تتنصب في الفراغ، مسمعة كل كلمة: — هتعمل إيه يا تميم…؟ أرجوك لأ ....أرجوك ماتعملش كده ذهبت منه ذكرى : لااااااااا بابا طلعوا بابا عمتو ليه بتحطوا علي بابا التراب طلعوا بابا من هنا لااااااااا ليغلق عينه مسلم تماماً.......ويقع مغشى عليه لا يتحمل فكره أنه فقد والده وفي لحظة، ضغط على زر واحد، وسقطت مشط قدم مكّة في المياه، رجت كل الجدران بصوت صراخها. تميم نهض بسرعة، وبضغطه زر آخر كانت تهبط مكه علي الأرض فك الحبال، حملها بين يديه كما لو كانت جثة هامدة، شعرها مبعثر، ويديها مرتخيتان تمامًا. وضعها برفق على الفراش، ضربات قلبه تتسارع، هرول إلى الخزانة وأخرج عبوة “بانديرماكس” (Bandermax Cream) للحروق، أسرع إليها، رفع قدمها المبللة، نظر إليها بعينين متفحمتين بالقلق والندم. قدمتها كانت حمراء ومرتفعة الحرارة، الجلد حساس ومتورم، أصابعها ترتجف، والقدم مغطاة بالماء الساخن المتبخر. بدأ يضع المرهم بحذر: ضغطه خفيف على الإصبع الكبير أولًا، يدلك المرهم بحركات دائرية صغيرة لتوزيع الكريم على كامل القدم. ينتقل تدريجيًا إلى باطن القدم والكعب، حرصًا على توزيع الحرارة ومنع أي حروق إضافية. يدلك حول أصابعها، ثم يمتد للحافة الأمامية للقدم، كل حركة محسوبة، دقيقة، دافئة، حنونة رغم برودة عينيه. مكّة شعرت بالراحة البسيطة ، جسدها بدأ يهدأ قليلًا، لكنها لا تزال في صدمة. تميم أنهى وضع المرهم، مسح يده بلطف، جلس على طرف السرير، ينظر إليها وهي نائمة، شعرها متفرق على الوسادة، وجهها مبلل، يديها مرتخيتان… صامتًا، ولكن كل عاطفته مختبئة خلف برودته المعتادة. ظل ينظر، كأنه يراقب أثر الألم الذي تركه فيها، وفي نفسه أيضًا، عيناه تثبتان على وجهها، لا ينطق، ولكن كل شيء في صمته يقول: — الانتقام ليس سهلاً، ولا الرحمة تأتي بسهولة. وليتنهد ويقترب من ذلك الجزء في الحائط لينشق ويتركها تواجه مشاكل لاعلاقه لها بها ...................... ــــــــ&ــــــ&&&&&ــــــــــــــ& البيت كله ساكن ، كأن الزمن نفسه توقف عند حدود الغرفة. رحيم جالس على الكنبة، ظهره منحني، عينيه مثبتتان في الفراغ، دموع صامتة تنساب بلا توقف، قلبه يئن تحت كفه. فاطمة، صوته ارتجف من البكاء: — هاتولي بنتي… أبوس إيدكم… عاوزه بنتي! مالك كان يتحرك في الغرفة كالمجنون، يلف حول نفسه بسرعة، شعوره كأن جزء من رأسه سيهرب من مكانه. صرخ بغضب أعمى: — يعني إيه اختفت من القصر يعني… إييييييييييبببيييييييه! وفي ثانية، التفت إلى ذلك الشخص الواقوف مطأطأ الرأس، الحزن يكسوه من كل جانب. اقترب منه، مسك باقة قميصه كالثور، صوته اهتز بالغضب: — وربي ما أعبد… أقسم بالعلي العظيم، لو طلعت تعرف حاجة عن الموضوع ده، هنف.يك يا تميم! سامر تدخل سريعًا، يحاول فك التوتر: — أهدى يا مالك… هو لو تميم ليه علاقة، هيبقى ده منظره… مهما كان… دي مراته برضو! مالِك انفجر بصرخة لم يسمع مثلها أحد: — ماتقولش مرااااااااااااته! وفجأة، رن إشعار على هاتف رحيم. التقطه بسرعة، وبمجرد أن فتح الفيديو كاتم الصوت ارتعش جسده بالكامل. فاطمة اقتربت بلهفة لتأخذ الهاتف منه، وفي ثانية فقدت وعيها. سامر هب عليها، حملها بين ذراعيه، بينما مالك ظل واقفًا، متجمدًا… لا يريد أن يرى، لا يريد، كان يريد الموت قبل أن يرى أي شيء. تميم نظر إلى الهاتف، صرخ: — ممممممممممممممكه! ظل يضرب كل شيء حوله كالمجنون، بينما مالك، يده ترتجف، أنفاسه متقطعة، قلبه كاد يتوقف. رفع الهاتف، وعيناه وقعتا على الشاشة. مكة… كانت معلقة، قدمها في الماء الساخن مرة ، جسدها يلمع بالعرق والماء، عرقها يتساقط كالمطر، كل تفصيلة من جسدها تُظهر الألم والرعب والخذلان. مالك لم يتحرك، أصابعه تتحرك على الشاشة، يمسح، يلمس، يبكي كالطفل، كل دمعة تنهمر بلا توقف. تميم ظل ينظر إليه، بصمت طويل، ثم عاد بصره إلى رحيم، الذي كان يضع يده على قلبه ويبكي بحرقة: — بنتي… هاتولي بنتي… سامر خرج من الغرفة، صوته يرتفع كالمجنون: — انتوا هتفضلوا متنحين كده كتير… لازم نتصرف… لازم نشوف هنعمل إيه! مالك عاد إلى وعيه، نظر إلى سامر، عيناه مرعبة، تحولت إلى اللون الأحمر، عروقه بارزة بشكل مرعب على وجهه، كأنها لوحة حية من الغضب والانتقام. رفع إصبع السبابة، وقال بهدوء قاتل: — أنا لو شميت ريحة كدب، وأنتم عارفين هي فين… مش هرحم حد. وفي ثانية، انطلق خارج البيت كالمجنون. تميم شعر بشيء من الرعب تجاه نظرته، لكن مشهد رحيم ودموعه جعله يشعر بالشفاء الداخلي قليلاً. صرخ سامر: — انت هتفضل متنح كتير… مش وقت صدمة ياتميم! فوق… لازم ندور عليها… لازم نعرف إزاي اختفت من وسطنا… وإيه اللي حصل… اتحرك! تميم نظر إليه، عيناه تتحول من نظرة مشحونة بالغضب إلى نظرة قلق، رسمتها واضحة على وجهه، ثم هرولوا معًا خارج البيت. وفي نفس اللحظة، اصطدم كتف سامر ب… مها. رجعت لورا، تأوهت بغضب: — مش تفتح يا عمّي! لم يرد أحد عليها، أكملت طريقها نحو بيت مكّة وهي تمتم بغضب: — ناقصة أشكالكم هي… ما إن وصلت بيت مكّة حتى وجدت الباب مفتوحًا، صدمت من منظر رحيم يجلس على الأرض، يضع كفه على موضع قلبه. هرولت عليه بقلق: — عمي رحيم…! ــــــــــــــــــــــــــــــــ&&&&&&&&&ــــ كان يقود سيارته بلا وعي ، قدماه تضغطان على الدواسة، وعيناه مثبتتان على الطريق دون أن تراه حقًا. شيء خفيّ كان يشدّه… إحساس غامض، كأن قلبه يعرف الاتجاه قبل عقله. لم يفكّر، لم يتردّد… وجد نفسه أمام القصر. دخل بخطوات ثقيلة، وجهه شاحب، ملامحه منهكة، كأن روحه انسحبت وتركت جسدًا يتحرّك بالعادة فقط. فايزة ما إن وقعت عيناها عليه حتى انتفضت: — مالك ؟! في إيه؟شكلك .....هو سامر مش هنا ه قاطعها صوته، مبحوحًا، فارغًا من أي حياة: — فايزه هانم مكه اختفت فين ؟!. الجملة سقطت كالقنبلة. فايزة شهقت، جسدها ارتعش بعنف، يدها تمسكت بحافة الطاولة لتتوازن، وعيناها اتسعتا برعب حقيقي. ذلك الارتعاش… لم يَفُت مالك. عيناه ضاقت كالصقر، ذكاؤه الحاد التقط الارتباك، شيئًا ما لم يكن طبيعيًا… هناك سر. وفي الخلف، كان آسر يضرب رأسه بكفيه بجنون: — يعني إيه اختفت؟! أنا متأكد إنها ماخرجتش من هنا! متأكد! مالك لم يلتفت. نفض كل الأصوات، كل الوجوه، وقال بجديّة قاتلة: — عايز أطلع أوضتها. ساد الصمت. رهف نظرت لآسر بتردد، ثم تحركوا سويًا. غرفة مكّة – من وجهة نظر مالك ما إن خطا داخل الغرفة… حتى انفجر قلبه. ضربات عنيفة، متلاحقة، مؤلمة. أنفاسه اختنقت، صدره ضاق، إحساس غريب اجتاحه… إحساس عاشق يقترب من حبيبته دون أن يراها. الغرفة تحمل رائحتها. دفئها. أنفاسها. وقف في المنتصف، لا يدري لماذا يشعر أنها هنا… قريبة… قريبة لدرجة لو أزاح هذا الحاجز الوهمي لرآها مكسورة أمامه. لا يعلم أنه يقف فوقها. لا يعلم أن بينه وبينها فقط طبقات من الأرض والحديد. انتقال إلى مكّة فتحت عينيها ببطء. الضوء خافت، الجدران قاسية، الهواء ثقيل. نظرت إلى قدمها… صرخت. ألم حارق صعد إلى صدرها، دموعها انفجرت، صوت أنينها خرج مبحوحًا: — آآه… رجلي… بكت. بكت بحرقة، وهي تهمس بصوت متكسّر: — ليه بيعمل فيا كده؟… قال بابا… بابا عمله إيه؟ شهقتها قطعت الكلمات: — كل ده بسببي… بسبب إني اتسرعت في الحكم… بسبب إني ماشوفتش غير الانتقام… وطلعت بنتقم من نفسي. ضمّت نفسها بقوة، كأنها تحاول حمايتها من العالم. الغرفة مخيفة، جدرانها صامتة، الإضاءة باهتة، كل شيء يضغط على صدرها. بكت أكثر… أكثر… حتى تعبت من البكاء. عودة إلى مالك كان يدور في الغرفة كالمسكون. يفتح الأدراج. يقلب السرير. ينظر خلف الستائر. قلبه يقوده، لكن عقله لا يجد دليلًا. توقف فجأة. صوت خطوات. باب الغرفة فُتح… ودخل تميم. وقف بهدوء مستفز، يداه في جيبه، نظرة باردة لا تحمل أي ذرة ندم: — عموماً… سايبك تعمل اللي إنت عايزه. اقترب خطوة، صوته انخفض: — بس أعرف إن ده عيب وغلط يا باشمهندس. ثم أضاف بابتسامة جانبية سامّة: — وما تنساش… مكّة مراتي. ومحدش هيخاف عليها قدي. الاستفزاز كان مقصودًا. البرود متعمّد. كأنه يسكب الملح على جرح مفتوح. مالك التفت ببطء. الغضب في عينيه كان أعمى، قاتلًا. اقترب منه حتى أصبحا وجهًا لوجه: — أنا متأكد إني هيطلع وراك حاجة. صوته هادئ… أخطر من الصراخ: — ولو تأكدت… هتفضل تتمنى الموت، ومش هتلاقيه. — وده وعد. ثم استدار ليخرج. لكن… توقّف. شيء شدّ انتباهه. باب حديدي… مخفي في الحائط… يشبه باب خزنة. عيناه ضاقت. قلبه دق بقوة ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏