حيث كنا - الفصل 143 - بقلم ملذ | روايتك

اسم الرواية: حيث كنا
المؤلف / الكاتب: ملذ
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 143

الفصل 143

تخرج الصغيره من الباب ، يمسك بكفها كيان يطفح بالسواد .. اترجل من السياره مسرعه ، وحين ماوصلت لها ، نزعتها من بين يديه .. سقط عكازه فنزل ليلتقطه ، لإصرخ به مهدده: لا تلمس اختي فاهم ! يعتدل واقفاً ، فأشعر به كما لو انه يحجب الشمس خلفه .. يقف بصمت ، يحدق بي ،يحدق لداخل روحي ، اخترق قلبي بنظراته واجزم انه وجد الخوف فيه.. شيء ما ارغمني علئ الوقوف ، شيء في اعماقي رفض التحرك .. ....: سامحيني ، علئ كل شيء .. هكذا فقط ،! بكل هذه السلاسه والعشوائيه يطلب السماح ؟! .. هه ، كنت اعلم انه سيفعل .. الان وقد بدأ المرض يتسلل الئ جسده ، بات يطلب العفو .. ابتسم ، رغماً عني ، كنت اعلم انني سأشهد اعتذاره يوماً ما .. جاء اسرع من ماتوقعت .. ...: تبيني اسامحك؟! وعلئ كل شي ! كل شئ مره وحده ؟! تعذبني كل هالسنين ، وتبيني اسامحك علئ كل شيء مره وحده ..! تدري ، لو يطلع ابوي من قبره ويطلبني اسامحك ، والله مااسامحك .. .....: انا اعتذر علئ ألاشياء الي ظلمتك فيها ... اقاطعه : انت ماظلمتني وبس ، انت ذبحتني ، كسرت في نفسي أشياء كثير .. كسرت قوتي ، شخصيتي ، كل شي حلو فيني كسرته .. زرعت فيني الخوف ، أخاف اطلع ، أخاف اجتمع مع الناس ، أخاف أشياء كثير ، بسببك ... أغلقت الطريق امام دموعي ، لن تنهمر الان .. ليس لها مكان هنا ، أعيش الان اللحظه التي تخيلتها دائما .. اعطاني الله القوه الان امامه ، لن اخذل نفسي .. .....: انتي كنتي طايشه ، ماتسمعين الكلام ؟ هل يحاول الان ان يقلب الأمور علي ؟! ....: انت تتكلم من جدك ، وين الطيش الي تقوله ؟! اقوئ هو ولا طيش بنتك ؟! اتوقف ، ابتلع بقيه الحديث ، لن انزل لهذا المستوئ الان ... ينزل نظراته ، ويتشبث بعصاه : انا بس خفت انك تطلعين علئ امك .. تعرفين البنت دايم مثل أمها .انا حميتك ، وربيتك ... اطيل النظر لوجهه ، أفكار وتساؤلات تقتحم راسي بقوه .. ماقصه امي الان ؟ اين هي الحمايه والتربيه التي يتحدث عنها ؟ هل يتصرف الان كما لو انه هو الطيب ؟! ...: وش قصه امي هذي ؟ من اليوم وانت امك امك؟! يرتدي نظارته ، ويعدل غترته للخلف ، كما لو انه يشتت السؤال ويطرده .. ....: انا اعتذرت بس علئ الأشياء الي اذيتك فيها ، غيره انا مالي.... اقاطعه ساخره : اجل هي تعد علئ الأصابع ؟ تعتذر عن ايش بالضبط .. والله مااسامحك لو اشوفك مكفن قدامي ، مااسامحك .. اتجاوزه للسياره مسرعه ، يكاد نبض قلبي ان يصم اذني .. اصعد لداخلها وارفع زجاج النافذه للأعلئ ، المحه خلفها وهو واقف كالجبل بطوله الفارع .. ممسكاً بعكازه ، اشعر ان حتئ المرض مااستطاع دكه .. رجل مثله ، لا تنتهي سلطته الا بالموت .. ..... .... حين وصلت للمنزل ، وترجلت من السياره للداخل .. وجدت شئ لا يشبه الهديه في انتظاري.. كانت امي تقف عند الباب .. وحال ما لمحتني تقدمت نحوي مبتسمه .. اختنقت ، اردت الهرب منها ، لم ارد ان انظر لوجهها حتئ .. لا قدره لي لأواجههما معاً هذا اليوم ... بت اكرهها اكثر من اي وقت مضئ ، نعم لأول مره اعترف ، انا اكرهها .. منذ اللحظه الاولئ التي تخلت عني فيها .. حين تركتني في منزل جدي ، حين تجاهلت وجودي تماماً .. مالذي تفعله الان المراءه التي ضلت توصد الابواب، تغلق المكالمات ، وترسم الخطوط بيننا .. مالذي تريده مني الان ياترئ .. ....... كنت اتأملها وهي ترتشف فنجان قهوتها بأناقه ، لا تستطيع التخلي عن احمر شفاهها الفاقع ، او رسمه حاجبيها الحاده .. بالنظر لها هكذا ، مازالت جميله ، هي حقاً حميله . وشعرها الجميل الذي كانت تكافئني في الماضي بتجديله لها .. مازال اسود كالماضي ، كيف لها ان تبقئ هكذا .. عصيه عن الكبر ، اما استطاع البياض ان يجد مسكناً في خصل شعرها .. والتجاعيد لما هي ضعيفه امام وجهها ، لا اجد لها سلطه عليه .. ، لكن مافائده كل هذا الجمال ؟ لا تملك اي مشاعر في قلبها ، هي تسعئ فقط لتجد نفسها وتأمن ذاتها .. ....: حلو بيتك مره .. تدير رأسها في انحاء الغرفه ، تجول بنظراتها علئ كل شي : ملك صح؟ اهز قدمي ، اصب كل ردات فعلي فيها ، وامنع نفسي من الاجابه .. تدخل اخيراً في صلب الموضوع التي جائت من اجله : ملاذ ابي مفتاح بيتنا القديم .. لن تيأس ابد من هذا الطلب .. هل تظن حقاً انني سأسلمها الشئ الوحيد الذي بقي لي من ماضي ، انني سأسلمه لها لتدنسه .. لتقلبه رأس علئ عقب وتحرق جمال الماضي الذي يسكنه ؟ اهز رأسي رافضه ، تطلب مره اخرئ بلهجه اخرئ اكثر حده .. اصمت ، لا مجال للنقاش معها .. ادرك تماماً انها ستسبب لي صداع ، لذلك سإتجاهلها فقط .. لن يفيد النقاش معها ابداً .. تبدأ في الحديث ، حده الكلام ترتفع اكثر واكثر .. تنتقل للشتائم ، تشتم جدتي علئ تربيتي ، يبدوا انها لم تقم بتربيتي جيداً ، حيث انني الان اتجاهل امي الضعيفه ، واتصرف بكبر وتعالي .. وحين شتمت جدي ، بقولها " كله من الشايب الملعون الله لا يرحمه ماعرف يربيك ... اشعلت النار في جوفي ، واجبرتني علئ كسر صمتي ... اظن انني فقدت قدرتي علئ تمالك نفسي حينها ، انسكب الحديث من بين شفتي بسلاسه ، كنت اذكرها بكل مافي الماضي ، منذ خسارتي لوالدي وحتئ اللحظه : وين كنتي انتي ، اجل تسمين نفسك ام ؟! وينك عني يوم سكنت عند جدي ، وينك يوم كنت اتجول بين بيوت عماني ، يوم كان عمي يضربني ؟ وينك عني في كل مراحل حياتي ؟ دراستي ، تخرجي ، زواجي ؟! انا خلاص نسيتك من اليوم الي سألوني عنك المعلمات زمان وقلت ماعندي ام .. تخرجت وتزوجت وحملت وسقطت ، وانتي وين ؟ وتدرين ، نفس الشي كان بيصير مع اختي ، بس انا هنا ماراح اتركها مثلك ... انانيتك هي سبب كل شي ، كل شي .. كانت الدموع تنساب براحتها علئ خدي ، اطلقت لها العنان ، حانت اللحظه التي اتخلص فيها من الماضي .. سأنفيها اخيراً من حياتي ، سأقتلع كل جذور مشاعري مره واحده وارميها هنا .. سأفضي لها بما في نفسي، لينتهي كل شيء ... كل هذا الوجع والحديث الذي حملته ، الذي مااستطعت اسقاطه عن كاهلي .. الذي ما استطعت ان ابثه لأحد ، حتئ صقر ، كانت مشاعري عصيه جداً امامه .. ... كنت اسرد عليها كل عذاب مر بي ، كل كسره خاطر ، كل صفعه ، اخبرها بأفكار الموت ، بالأكتئاب ، بالعقاقير التي تملئ دولابي ، بحنيني للماضي ، بكل شي .. انا ادرك ان وجع الماضي سيظل دائم يتبعني ، لا مجال للخلاص منه ، لكن هنالك مجال للتعايش معه ... انا افضي بكل شيء الان واطرده للخارج ، لأعود ربما لذاتي .. لحيث كنت قبل ان تتراكم علي كل هذه المشاعر والضغوط .. لأزيح عن جسدي ثقلها ، ابعد عني كل مايكمم فمي ويعيقه عن التعبير .. انا فقط اعود لنفسي ... ان افضل ماقد يواجهه الانسان بخصوص الماضي ، هو ان يلتقي باساس هذا الماضي وينخرط معه في حديث عميق ، هكذا قال طبيبي في السابق .. وهو يشجعني علئ الحديث مع امي ومع جدتي واعمامي .. قال لي : بعض الاحيان نحتاج وقفه جاده ، نفصح فيها عن كل شئ بخاطرنا ، كتمان الافكار التساؤلات والاسرار شئ يثقل النفس ، متئ ماجتك فرصه افصحي ياملاذ عن كل مافي نفسك للمعنيين بالامر .. يمكن تنتهي كل هالدوامه الي تشكين منها .. لا ادري هل حقاً ستنتهي دوامه الماضي القديمه ؟