الخاتمه
*رواية مملكة سفيد(ج١)💙🪼*
*(الخاتمة)*
`من أجمل قنوات الوتساب لروايات ادخلوا اعملوا فولو لـكـل القنوات:`
*تمت مشاركة الرواية من قناة حكاية في رواية علي الوتساب)))):*
> *1-تابع قناة عالم الروايات)))💜🪻:* https://whatsapp.com/channel/0029VbBEfTF72WTxHAsCqN2a
> *2- روايات بلا حدود ♥💋)))* https://whatsapp.com/channel/0029VbC7okJG3R3oQMD1bP37
> *3-تابع قناة حكاية في رواية 💗🎀)))):* https://whatsapp.com/channel/0029VaDlnq3D8SE0iENtWr3G
> *4-تابع قناة عالم تحت ضي الروايات 💙🎁))):* https://whatsapp.com/channel/0029VbBfXK1ADTO9G2vTly0g
> *تابع قناة عالم الروايات 2♥🔥)))):* https://whatsapp.com/channel/0029VbCJyjb5kg75PMCMvZ1t
💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
#الخاتمة
#ليلة_كالحلم
هذه الخاتمة كانت جزء من الفصل السابق لكن ولحجمه الكبير قُسم على جزئين.
هنا وبكامل الأسف أخبركم للمرة الأخيرة في سفيد..
قراءة ممتعة .
صلوا على نبي الرحمة
__________________________
كانت خطوة واحدة اتخذها هو، وهي لم تستطع أن تؤتي بردة فعل، وكيف تفعل وهي شعرت بجميع أطرافها تُشل، هذا الذي يركع الآن أمامها يعلن خسارته على مرأى ومسمع من الجميع هو نفسه سالار ..
وعقلها في لمحة سريعة عرض صورًا له يحارب ويتحرك فوق حصانه بكبرياء، ويأمر الجنود، لمحات خاطفة لسالار القائد، تقارنها بهذا العاشق هنا، لترى أنها أحبت كلاهما بنفس المقدار .
وكل ما استطاعت أن تفعله هي أن رفعت أطراف ثوبها بصعوبة وبيد مرتجفة، ثم جلست ارضًا أمام سالار ترفع عيونها له من خلف الغطاء تتمنى لو استطاعت رفعه، لكنها في الوقت ذاته شاكرة للغطاء الذي استطاع احتواء مشاعرها عن أعين الجميع .
كان الجميع يتابع باهتمام شديد ما يحدث ولم يتجاوزوا بعد صدمتهم لما حدث، لا أحد يصدق ما حدث سالار يعلن خسارته بكل فخر أمام أحدهم ؟ حتى وإن كان هذا الاحدهم هو زوجته، فهو كان الشخص الذي يتباهى بعدم خسارته لأي حرب، ولم يدرك هؤلاء المساكين أن سالار سبق وأعلن خسارته في ثلاث معارك هذه رابعتهم .
مدت تبارك يدها تمسك خاصته، تهمس له بصوت مرتجف من هول مشاعرها :
" لا عاش من يتسبب في خسارتك يا قائد، وإن كان فوزي يعني خسارتي فأنا أعلنه خسارة، ولا حاجة لي بفوزٍ ضدك، لنعلنها معركة تعادل، لا فائر ولا رابح "
ابتسم لها متمنيًا رفع ذلك الغطاء والتأمل في ملامحها بحرية، لكن ليس الآن، رفع كفها لفمه يطبع على باطنه قبلة حنونة هامسًا :
" الخسارة لا تخزيني إن كانت أمام عيونك تبارك "
صمت ثم نظر لها يقول ببسمة :
" أنتِ الآن تبدين ....تبارك "
ضحكت بصوت خافت تهمس :
" وأنت تبدو سالار "
" يسعدني أن أكون الآن زوجكِ، مولاتي "
ختم حديثه ينهض وهو ينهضها بلطف شديد رافضًا أن تظل جالسة ارضًا بهذا الشكل، ثم مال بجسده يعدل لها من وضعية ثيابها يتأكد أنه لم يتأثر بجلستها ومن ثم استقام يضع سيفه في ثوبه، يمد يده لها يقول ببسمة :
" إذن مولاتي اسمحي لي بأن ازفك لنفسي "
ابتسمت تشعر بالسعادة وارادت أن تضيف بعضًا من الحركات الملكية على ما يحدث فأمسكت طرف فستانها ترفعه بخفة في الهواء، ليتراجع جسد سالار بحركة تلقائية منه لم يتحكم بها جعلتها تنظر له بعدم فهم .
وفي ثواني كانت هناك ضحكة تصدح في المكان بأكمله ولم تكن هذه الضحكة سوى ضحكة إيفان الذي تابع خوف سالار المرضي من هذه الحركة منذ بداية القصة، يا الله متى مر كل هذا بهذه السرعة ؟؟
ابتسم سالار يكتم ضحكته، لكنه لم يتمكن من فعل ذلك فشارك إيفان الضحك يمسك بكف تبارك يقول :
" إذن نتحرك سمو الأميرة ؟؟"
أبتسمت رغم عدم فهمها لشيء، وتحركت معه ليفسح لهم الجميع الطريق ويتحركوا بينهم صوب الخارج وخلفهم جميع الملوك في منظر مهيب، ومن ثم النساء خلف الجميع بعدما أغلقن الجناح وتحركن .
وفي الحقيقة كانت جملة " النساء اولًا " غير متبعة بشكل كبير في الممالك، ليس لافتقداهم اللباقة المطلوبة أو ما شابه، بل لثقتهم الكاملة أنه حتى وإن احتوت هذه الحركة على احترام دفين للمرأة، فهي مرفوضة إن كانت مع نساء لسن بنساءك ..
خرج الجميع ووصلوا لساحة القصر التي كانت قد زُينت بالكامل بالعديد من المصابيح الزيتية ذات الأشكال المبهرة، مصابيح أنارت الحديقة بأكملها وبددت الظلام صانعة لوحة جعلت تبارك تشهق وهي ترى هذا التنظيم، ابتسم لها سالار يقودها معه لمنتصف الساحة ..
وبدأ الجميع يصفق وكلمات المباركة تترد حولهم، وتبارك فقط تراقب ما يحدث بانبهار وسعادة لم تعتقد يومًا أنها قد تمتلكها، وفي خضم كل ما يحدث تناست تبارك ذلك الشعور الذي اعتقدت أنه سيلازمها خلال زفافها، نست شعور اليتم جواره .
ابتسم سالار ثم ترك كفها تقف هناك هامسًا لها :
" رغم أنني لا أحب أن أفعل ذلك، وفعلته مرغمًا المرة السابقة لأجل وعدي لإيفان، إلا أنني لا اجد أفضل من هذه الطريقة للتعبير عن حبي لكِ، تحركي مع النساء عزيزتي "
ختم حديثه بكلمات غير مفهومة لتبارك ليتحرك بهدوء صوب منتصف الساحة يلتقط الدف من دانيار، وهي فقط نظرت له بفضول شديد تراه يغمز لها غمزة سريعة، ثم شرع يغني بصوته الجهوري القوي وحوله الرجال يشاركونه ضرب الدفوف ..
وهي لم تشعر سوى بليلا تجذبها بخفة وهي تردد :
" هيا سنتحرك صوب قاعة النساء تبارك "
وهي فقط تحركت بصعوبة وعيونها مثبتة على سالار متعجبة من هذه الكلمات التي تشعر أنها تهز دواخلها رغم عدم فهمها لما يقول، فقد كانت كلماته بلغة غير مفهومة خمنت بسهولة أنها فارسية، يبدو الأمر كما لو أنها انشودة فلكلورية أو ما شابه، تحركت مع النساء بصعوبة تقول :
" ما هذه الأنشودة ليلا ؟!"
نظرت لها ليلا ببسمة تقول :
" هذه انشودة قديمة تحكي عن أسطورة كانت الأجيال تتناقلها عن قصة عشق، تحولت فيما بعد لأنشودة ينشدها البعض تعبيرًا عن حبه العميق، تعبر عن الوصول واخيرًا للحب بعد سنوات انتظار طويلة كما حدث مع بطل الأسطورة، ويبدو أن القائد يكن لكِ مشاعر عميقة إذ أن جميع كلماته تخرج لكِ ونظراته مصوبة لكِ تحديدًا "
وإن ظنت أن إجابة ليلا قد تقتل بعض فضولها، فقد اخطأت، ففضولها قد زاد لمعرفة تلك القصة الأسطورية، وقررت أن تسمعها، لكن منه هو فقط ..
تحركت بعيدًا مع النساء وهو ابتسم بسمة واسعة واستمر في ضرب الدف مع الرجال والغناء بسعادة لأجل نفسه ولاجلها، يحمد الله أنه لم يبصر أي نظرة حزن في عيونها .
فجأة وجد أحدهم ينتزع الدف من بين يديه وهو يلقيه لأحد الرجال ليكمل هو قرع الدف وجذب سالار لمنتصف الساحة حيث يحتفل الرجال يجبره على مشاركته الرقص وهو يحرك يديه في الهواء، ولم يكن ذلك الشخص سوى إيفان الذي تخلى عن كل ما يمكن أن يقيده لأجل الاحتفال بابن العم والاخ والصديق الاقرب له .
بدأت الحماسة تزيد بين الجنود وهم يزيدون من التصفيق بحماس شديد لا يصدقون أن الملك يشارك قائد الجيوش في الرقص يحركون الاقدام والأيدي بطريقة وحركات معروفة بينهما، وفجأة اقتحم أرسلان المكان دون أي دعوة أو إجبار يشاركهم الأمر تبعه دانيار وتميم ومهيار وكذلك مرجان الذي دفعه العريف يقول :
" أذهب يا فتى وشاركهم "
شعر مرجان بالتردد من الأمر، ما الذي سيفعله هو بينهم، هم اصدقاء وأكبر منه في المكانة والعمر حتى، وقبل أن يفكر أكثر أجبره العريف وهو يصرخ به :
" أذهب يا دودة الكتب أنت وتوقف عن التحليل، ألا تنفع في شيء سوى القراءة والدراسة ؟؟ يا ويلي منك مرجان اذهب وشاركهم الرقص يا رجل "
وقبل أن يعترض مرجان شعر بمن يجذبه وقد كان سالار الذي أبصر ما يحدث بينه وبين العريف وأدرك تردده ليبتسم وهو يجذبه يقول :
" لا يُرد طلبٌ لابي دارا يا فتى "
أُجبر مرجان بطريقة أو بأخرى على مشاركتهم الاحتفال، ليندمج دون أن يشعر وهو يضحك بصوت مرتفع وسعادة كبيرة وقد بدأ الجنود والرجال والملوك بأكملهم يشاركون، إذ بدد هذا الاحتفال أي قيود قد توضع بين ملكٍ وجندي، فترى أرسلان يضع يديه على كتف أحد الجنود وهو يتحرك معه للأمام والخلف وإيفان يصفق للجميع ويشاركهم بسعادة وبسمة، ولمَ لا واليوم زفاف سالار، والسعادة واجبة للجميع ...
رجال تراهم في ساحة الحرب ترتعب من ملامحهم، فمن كان يعتقد أن أشخاص مرعبين حين حملهم للسيوف كسالار وأرسلان، وأشخاص ترتعب لنظرة منهم كإيفان، وآخرين لا تستطيع مناقشتهم إذا ما منحتهم سلاحهم كدانيار وتميم، قد يندمجون بهذا الشكل مع الجميع ويتضاحكون ويغنون بهذه الطريقة؟؟
أما عن طبيبنا الهادئ، فتحفظه الدائم تلاشى وهو يشاركهم الاحتفال بسعادة كبيرة ..
وكل ذلك تحت أنظار بارق الذي كان يراقب سعادة سالار بقلب مضخم بالشجن، سعيد ومبتهج لأجل صغيره وربيب يده الذي كبر وجعله أكثر رجال العالم حظًا ليحظى به، فقد ابنًا واكتسب آخر.
وعلى ذكر ابنه الأول غامت أعين آزار بحزن شديد وهو ينظر حوله وسؤال واحد يتردد في عقله " لماذا يا نزار؟؟ ما الذي كان ينقصك لتخون وطنك وعائلتك ومن قبلهم ربك وتتعاون مع اوساخ دمروا بلادك وقتلوا اخوتك ؟؟"
سؤال رماه آزار يومًا في وجه ولده الذي يحتبسه في أحد السجون منتظرًا أن يمده الله بالقوة والتجبر الذي يجعله قادرًا على رؤيته يُعدم، لكنه لم يستطع حتى الآن، كلما أخذ قراره حاربته صور طفله الصغير المبتسم الذي كان يركض خلفه من مكانٍ لآخر، الأمر اصعب مما تخيل، أصبح وحيد في هذه الحياة بلا وريث، لكن الله ما كان ليظلمه ويقسم ظهره في ولده إلا وعوضه بقطعة من شقيقته، يشبهها تمامًا بهذه البسمة ...
محى دمعة كادت تهبط على وجهه حين أبصر سالار يستدير صوبه مبتسمًا، فابتسم له يراقبه بحب، وسالار رد له البسمة، ثم تحرك صوبه يعانقه بحب شديد :
" شكرًا لك يا أبي، لولا الله ومن بعده أنت، لكنت الآن هائمًا لا أجد لي مرسى "
وكلمة أبي التي خرجت من فم سالار أجبرت دموعه على الهطول مجددًا وهو يجيب بصوت متهدج :
" بارك الله لي بك يا بني، وليكون اليوم بداية سعادتك الكبرى عزيزي، تستحق كل الخير، فأنت لم تقدم سواه، ليت الجميع سالار "
ختم حديثه بتمنى خرج من اعماق صدره، ليدرك سالار ما يشعر به في هذه اللحظة يربت على ظهره هامسًا :
" هوّن على نفسك يا أبا نزار، فالنفوس متقلبة، ولا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا "
ختم حديثه وهو يبتعد عنه مبتسمًا يؤازره يفكر في زيارة قريبة بعد الزفاف لخاله ليرى أمور نزار، متمنيًا في صدره أن يرزقه الله بالتوبة قبل أن يتسبب في أذية والده حزنًا وقهرًا.
ثواني وسمع صوت إيفان يناديه لتقديم الهدايا ..
ابتسم يتحرك بلهفة شديدة صوب مكان الجلوس المخصص له ولزوجته وما هي إلا دقائق قليلة وسمع طرق الدف المعلن عن وصول النساء، قرع قلبه بانتظام وتزامن مع قرع الدف، حتى وصلت هي وتوقفت أمامه ليبتسم بسمة واسعة وهي فقط ظلت مخفضة الرأس لا تدري ما يجب فعله، رغم أنها جاهدت في زفاف كهرمان لحفظ تفاصيله، لكن لشدة توترها نست كل شيء .
ابتسم سالار وهو يستدير صوب نزار الذي تحرك صوبه يمنحه صندوق خشبي عليه الكثير من النقوش البديعة وهو يبتسم له، فتح سالار الصندوق يلتقط منه اسورة مزينة بشكل مبهر، ثم أمسك يد تبارك يرفعها له يلبسها السوار مرددًا بحنان :
" هذه هدية والدك "
رفعت تبارك وجهها بسرعة وصدمة من كلماته، تعابير لن تظهر بسبب غطاء وجهها الذي كان يشف بعض ملامحها .
ابتسم سالار يلبسها اسورة أخرى يهمس لها :
" هذه هدية والدتك "
ومن ثم اتبعها بسلسال رقيق يميل قليلًا كي يلبسها إياه هامسًا :
" وهذه هدية زوجك "
انتهى من باقي الحديث يحمل الصندوق من خاله يضعه بين يديها مرددًا :
" وهذه هدايا عاشقٍ لكِ مولاتي ....."
شعرت تبارك أنها أُصيبت بالخرس ولم تقوى على قول كلمة واحدة والجميع حولهم يتابع بسعادة كبيرة ما يحدث .
امسك سالار كتفها يديرها لتصبح في مواجهته وهو يعطي ظهره للجميع يكاد يخفيها بجسده ينزع عنها الغطاء، ثم أخرج شيئًا من جيب سترته يمسك كفها يضعه به :
" وهذا مهرك عزيزتي "
وتبارك التي كانت ما تزال في صدمتها لا تعي ما يحدث ولم تفق إلا حين شعرت بشيء معدني بارد وُضع في كفها، تحركت عينها ببطء لتبصر مفتاح غريب الشكل يبدو قديمًا بعض الشيء، رفعت عيونها له ليبتسم هو لها قائلًا :
" مهرك وحقك عليّ زوجتي "
" أنا.... أنا لا ...لا افهم "
ابتسم يشرح لها والجميع حوله يكاد الفضول يقتلهم لمعرفة ما قدم لزوجته عدا إيفان الذي كان يبتسم بسعادة كبيرة مدركًا هوية الهدية، وارسلان الذي كان يرمقهم بصدمة يقول :
" يا ويلي لا تخبرني أنه ما أفكر به "
هز ايفان رأسه بنعم لتتسع أعين أرسلان أكثر وأكثر يردد :
" حقًا ؟!"
ابتسم سالار على نظرات تبارك يقول :
" لا تفهمين ماذا تبارك ؟! هذا مهرك، حقٌ عليّ، وأنا لم اجد اغلى من هذا لاهديكِ إياه"
ونظرات الفضول التي علت وجهها وهي ترمق المفتاح جعلته يوضح لها أكثر :
" قصر عائش ..."
رفعت عيونها تحدق في وجهه بفضول اكبر ليبتسم قائلًا :
" القصر الذي يتوسط حدود سفيد مع آبى "
قاطعه إيفان بسخرية :
" يتوسط ؟؟ بل يحتل الحدود بأكملها "
ابتسم له سالار يكمل وهو يتذكر والده الذي بذل كل جهده ليقيم قصرًا لوالدته خارج هذا المكان بعدما أحالت شهرزاد أيامها لتعاسة، لكن الموت كان اسرع منهما :
" نعم، القصر الذي يحتل حدود سفيد مع آبى، قصر بناه والدي قديمًا لأمي ليكون قريبًا من حدود بلادها، وقد بناه بنفسه وبكل قرش يمتلكه تقريبًا، واستمر الأمر لسنوات طويلة حتى انتهى منه ولم ...لم يسكنه أحد منذ ذلك الوقت "
صمت ولم يوضح أكثر لتفهم تبارك ما يقصد، يبدو أنهم رحلوا قبل حتى أن يسكنوا به، لكن سالار لم يرد أن يفسد يومه بالحزن :
" الآن أصبح هذا القصر لكِ بكل ما فيه بالكامل "
نظرت له تبارك بصدمة كبيرة وعجزت عن الرد .
بينما أرسلان ابتسم بصدمة :
" أهداها قصر والديه ؟؟ يا ويلي لقد ...لقد كان لا يسمح لإنسان في هذه الحياة بأن يخطوه حتى، يهديه لها مهرًا "
ابتسم إيفان يضم يديه لصدره وهو يردد :
" أراد أن يمنحها مهرًا لم يُمنح لسواها، فمن يمنح زوجته قصرًا بحجم نصف قرية تقريبًا ؟؟"
نظر له أرسلان ثواني قبل أن يقول :
" أوه هكذا، إذن امنح شقيقتي سفيد "
استدار له إيفان متشنجًا ليبتسم له أرسلان ممازحًا باستفزاز كعادته :
" اريدك أن تمنح أختي مهرًا اكبر من خاصة سالار "
ربت إيفان بغيظ على كتفه مبتسمًا بسمة حانقة:
" حينما تمنح زوجتك المستقبلية مشكى سأفكر بذلك"
رفع له أرسلان حاجبه وهو يضم يديه لصدره :
" وما حاجة زوجتي العزيزة بمشكى إن كانت ستمتلكني؟"
" أوه"
ضحك أرسلان على ردة فعله ينتبه لسالار الذي كان قد بدأ يتلقى الهدايا من الجميع ليجذب يد أرسلان يقول :
" هيا دعنا نكون اول من يقدم الهدايا لهما ..."
تحرك معه إيفان بسرعة وقد بدأ المكان يمتلئ بهجة وسعادة والجميع يحدق بالعروسين في سعادة وعدم تصديق .
فها هو القائد وبعد ثلاثة عقود تقريبًا يقرر التخلي عن عزوبيته والرضوخ للزواج ويسلم حريته لامرأة، وليست أي امرأة، بل أمرأة من عالم المفسدين .....
وهكذا استمر الزفاف لمدة ساعات، حتى انتهى الجميع ونهض سالار يسحب يد زوجته يردد ببسمة :
" هيا سنتحرك "
نظرت له بتعجب وهي تسير خلفه تحت بسمات الجميع والتصفيق :
" إلى أين؟؟"
نظر لها بسعادة يهتف وهو يمسكها من خصرها يضعها على الحصان لتصبح جالسها وهي تضع كلتا قدميها في جهة واحدة وهو قفز خلفها يمسكها جيدًا هامسًا وقد تحرك حصانه بسرعة كبيرة بعيدًا عن الجميع ليبدأ الزوار بالتفرق للرحيل وقد بدأ البعض ينثر الورود على سالار وتبارك :
" إلى قصر عائش، سنقضي مساء زفافنا الاول هناك مولاتي ...."
_______________________
ويبدو أن المساء لم يكن موعدًا حصريًا لهما، بل كان كذلك لقاء مرتقب مؤجل منذ ايام طويلة ...
فبعد ساعات من انتهاء الزفاف ورحيل الجميع، وخلود البعض للنوم .
كانت تقف في نفس الساحة حيث بداية القصة، نفس الوقفة ونفس النظرات القديمة لكن مع لمحة مشاعر دخيلة على مشاعرهم القديمة .
شدد هو على مقبض سيفه وهو ينظر لها بأعين تظهر من لثامه الاسود، يراقب كل حركة تصدر من جسدهاء قبل أن يتخذ وضعية الدفاع يرفع إصبعه مرددًا بصوت خافت :
" أرني ما لديكِ جلالة الملكة "
اتسعت بسمتها وهي تحرك السيف بمهارة بين كفها، تقترب منه خطوات قصيرة بطيئة كنمر يتربص لفريسته، وهو كان يستمتع برؤيتها تلعب دور الصياد في لعبة هي فريستها من الأساس...
فجأة اندفع جسد كهرمان بقوة صوب إيفان الذي تلقى ضربتها بملامح جادة وهو يعتدل يدفع سيفها للخلف بسرعة وقبل أن تدارك صده لها بسهولة كان هو يهاجمها بضربة عكسية جعلتها تميل للخلف بقوة حتى كادت تسقط ارضًا، وهو مال عليها يهمس لها :
" يبدو أن مرونة جسدك ليست حصرية للرقص فقط جلالة الملكة "
رمقته بغضب وحنق تعترض على خداعه لها، ليهمس حين فهم نظراتها :
" لا بأس، كل شيء مباح في الحب والحرب مولاتي "
اتسعت أعين كهرمان التي تظهر له في كامل وجهها ترمقه بحدة ليبتسم لها هامسًا :
" لا تنظري لي هكذا، فأنا لا أخشى عيون القطط خاصتك"
رفعت حاجبها تبتسم بسمة صغيرة انعكست في نظراتها ليبتعد هو ببطء مرددًا :
" بل اذوب بها.."
اعتدلت كهرمان تتنفس بقوة وهي تعدل من وضعية اللثام، ثم رمقته بتحفز وهو أشار لها :
" سأمنحك فرصة هجوم ثانية فلا تضيعنها، أنا لن اكون بهذا الكرم طوال الوقت "
وبمجرد انتهاء كلماته حتى اخذت ضربات وهجمات كهرمان تتابع عليه كالسيل، حتى كاد يسقط سيفه سهوًا منه، لولا أن تمكن منه في اللحظة الأخيرة بسرعة يردد بجدية :
" لا بأس بكِ "
أجابته بحاجب مرفوع :
" لا بأس ؟؟ بل أنا أكثر من هذا مولاي "
ابتسم لها يجيب بهدوء وبكل بساطة :
" أنا كنت أقيم قتالك لا اقيمك أنتِ، لكن إن أردتِ تقييم لكِ، فأنتِ أكثر من مجرد لا بأس كهرمان ..."
ختم حديثه يستغل شرودها يرفع سيفه يضرب خاصتها بقوة ليسقطه، ثم ضربه بقدمه ليلتقطه، يرفع السيفين في وجهها وهو يدور حولها :
" مازلتِ كما أتذكر، محاربة فاشلة وامرأة ساحرة"
استدارت له كهرمان بقوة وغضب تمنحه نظرة مشتعلة ليبتسم هو مضيفًا وقد احب رؤية ملامحها الغاضبة التي تعيد له ذكريات قديمة :
" لو كنتِ ماهرة في القتال بقدر بهائك كهرمان، لهزمتي جيوشًا بنظرة "
ابتسمت له تقول بنبرة تماثله هدوءًا وخبثًا :
" ولو كنتَ ماهرًا في القتال بقدر مهاراتك في الحديث إيفان، لحكمت العالم بكلمة "
اتسعت أعين إيفان وبسمته كذلك يردد بعدما تلقى كلماتها في منتصف صدره :
" أوه يا ويلي من لسانك الحاد "
" ليس بقدر خاصتك صدقني "
أطلق إيفان ضحكات مرتفعة وهو يلقي لها بالسيف يقول :
" حسنًا اعتقد أن معركة الحديث بيننا لن تنتهي بسهولة ولن نجد فيها رابحًا، عكس معركة السيوف من السهل تحديد الفائز بها، لذا جولة أخرى ؟؟"
التقطت كهرمان السيف بكل مهارة قبل أن تنزع اللثام عنها لتتنفس بشكل مريح تقول :
" جولة أخرى "
وهو فقط راقب وجهها يقول ببسمة واسعة :
" تشهرين جميع اسلحتك في هذه الجولة، وهذا ليس بعدلٍ "
اتخذت كهرمان وضعية الهجوم هذه المرة وهي تشير له تردد جملته بنفس بسمته تراقب الاستمتاع يلوح في نظراته وقد أدركت أن ليلتها مع هذا الرجل لن تنتهي بهذه السهولة وستكون أطول وأكثر ليالي حياتها جمالًا :
" لا بأس، كل شيء مباح في الحب والحرب مولاي ....."
ابتسم لها إيفان وهو يشير لها بالهجوم قائلًا ببسمة :
" اجعليها حربًا أو حبًا، لا يهمني طالما أنكِ طرفًا في أي منهما"
هجمت عليه كهرمان بسرعة وهو أخذ يصد ضرباتها تارة ويهاجمها تارة أخرى في استمتاع شديد، حتى صوبت نحوه ضربة عنيفة تجنبها بمعجزة وهو يميل ينصف جسده بسرعة مرعبة للخلف ينظر للسيف الذي كاد يخترقه :
" يا ويلي أنتِ جادة بهذا حقًا ؟! هل سلطّك شقيقك عليّ ؟؟؟"
نظرت له كهرمان ببسمة تقول :
" كنت اعلم أنك ستتجنبها "
اعتدل يقول وهو يدور حولها وكأنه يبحث عن مدخل لها :
" وإن لم أفعل ؟؟"
" كنت سأوقفها في الوقت المناسب، لا تقلق أنا لست بمثل هذا التجبر لأقتل نفسي بيدي مولاي "
ابتسم لها إيفان يقول :
" لا بأس سأسامح بالموت إن كان على يديكِ "
ختم حديثه يرفع سيفه عاليًا، ثم هبط عليها بقوة تصدت لها بسرعة وهي تتنفس بصوت مرتفع جعل بسمته تتسع، يلقي السيف جانبًا، يرفع يديه في الهواء :
" حسنًا ستتوقف هنا فلا نود أن يستيقظ الجميع في الغد ليجمعوا اشلائنا "
ضحكت كهرمان عليه ليقترب هو منها، يمسك يدها يقول ببسمة واسعة :
" ما رأيك في فعل شيء رائع آخر "
نظرت له بفضول تنتظر أن يشاركها ما يقصد، ليبتسم يجذب يديها خلفه وهي تبعته دون قول كلمة واحدة وهو كان يحقق أحلامه في هذه اللحظة، يقضيها مع امرأته في ليلة باردة لطيفة ...
توقف بها أمام الاسطبل يشير لها بعيونه صوب الخيل، لتتسع بسمة كهرمان بقوة وهي تقول متقدمة من الأحصنة :
" مُصر على تذوق الهزيمة مني في كافة المجالات اليوم ؟؟"
" سنرى "
وبعد دقائق قليلة كانت الخيول تنطلق بسرعة كبيرة خارج الاسطبل تحمل فوقها الاثنين وصوت ضحكات كهرمان يبدد صمت الليل الخانق ورؤيتها تسعد قلبه ليشعر إيفان واخيرًا أنه نال نصيبه من السعادة في هذه الحياة، بل ويزيد ...
علقت عيونه بكهرمان التي كان الهواء يداعب حجابها وبسمتها متسعة بقوة وسعادة لتصنع لعيونه اجمل لوحة قد يبصرها، اقترب منها بحصانه ينافسها يهمس لها :
" هيا أرني ما لديكِ "
" الكثير مولاي ...."
وبهذه الكلمات ختمت الحوار لتشتعل المنافسة وتحفر حوافر الأحصنة مكانها في أرضية القصر، وتُحفر قصتهما في التاريخ .
عن ملك وقع ضحية عشق لأميرة هاربة ......
__________________
نالها من طلبها ..
وعلى العكس هنا، هو لم يطلبها ونالها، لم يطلبها لكنه رغبها وسرّها في نفسه، على عكس شقيقه الذي طلبها صراحة ودون خجل ولم ينالها حتى الآن..
بمجرد أن خطى مهيار جناحه الذي يقطن به في المبنى المجاور للمشفى، نبض قلبه بسرعة يبصر أمامه ليلاه ترتدي فستان بالاسود يتخلله بعض الفضة، وهي تردد بعض التهويدات وتدور في حركات راقصة راقية لطيفة .
وهذا المسكين الذي في حياته كلها لم يختلط بالنساء سوى لمامًا، ولم يعرف من الزهور عداها، كان فقط يقف فارغًا فمه بدهشة يراقبها بذهول وكأنه جاء من عالم آخر يستكشف اسرار عالمها، وهي حينما رأته ابتسمت وأخذت تدور حوله، وهو فقط يحرك عيونه معها ببسمة غير مصدقة ..
وفجأة توقفت ليلا عن الحركة وهي تعيد خصلات شعرها للخلف تقول بسعادة ولطف وهي تضم كفيها أمامها بترقب :
" ما رأيك ؟!"
نظر لها مبتسمًا بذهول مرددًا بشبه بلاهة :
" في ماذا ؟؟"
" في هذا العرض الذي قدمته لك منذ ثواني مهيار ما بك "
اجاب ببسمة واسعة وصدق التمع في حدقتيه :
" حسنًا هو رائع، بل العرض الأفضل الذي رأيته حتى الآن، في حياتي لم أر عرضًا بهذا الجمال والابداع "
رفعت حاجبها تسأله ببسمة ممازحة:
" وكم عرضًا شاهدت سيدي الطبيب لتصنف خاصتي بالاول ؟؟"
" واحد فقط ...عرضك "
أطلقت ليلا ضحكات مرتفعة وهي تقول :
" إذن صنفت عرضي بالمركز الأول في منافسة لا تضم سواه، أي نوع من المشاهدين أنت ؟؟ "
اقترب منها بخطوات بطيئة قبل أن يتوقف أمامها يراقبها بانبهار، انبهار لا ينتهي، هو كل يوم ينبهر بها أكثر من سابقه:
" مشاهد مخلص لا يهتم بمشاهدة غير هذا العرض، ولن يمل مشاهدته لو قضي اعمارًا طويلة يفعل، ببساطة لأنه عاشق لهذا العرض ومن يؤديه "
تنفست ليلا بصوت مرتفع تتراجع خطوات للخلف:
" حسنًا نكتفي بهذا القدر للان، عندما استوعب ما تقوله يمكننا الاكمال "
أطلق عليها ضحكات وهو يراها تتحرك في الجناح تردد ببسمة واسعة، ترتب كل ما فسد أثناء تحضير هذه الليلة له :
" لقد كان الزفاف رائعًا، ألا تظن هذا ؟!"
" نعم كان كذلك، وأروع ما به وجودك ليلتي "
استدارت له نصف استدارة وهي تمنحه بسمة واسعة تردد بصوت خافت ممازح :
" انتبه لئلا اعتاد الدلال فأفسد سيدي الطبيب "
" تدللي كما تشائين "
ألقت ليلا الثياب في السلة المخصصة لها، ثم أشارت له أن يقترب :
" هيا اعددت لك الطعام "
نظر لها ثواني قبل أن يتحرك بعيونه صوب الاطباق المرتصة على الطاولة، ومقارنة سريعة بين هذه الحياة الدافئة الجميلة وحياته البائسة السابقة التي كان يعود فيها ليجد فراشه فيلقي عليه جسده ليستيقظ في الصباح يعيد نفس يومه السابق .
شتان بينهما .
اقترب من الطاولة ينظر لملامحها وهي اخذت تلملم خصلات شعرها في رباط صغير، ثم حملت بعض الثياب المريحة للنوم وتحركت صوب المرحاض :
" سأبدل ثيابي واعود "
هز رأسه ثم تحرك هو الآخر ليبدل ثيابه وحينا فتح خزانته تفاجئ بمجرد أن أبصر حقيبة الأدوية التي تناساها في خضم ما حدث، كيف نسيها .
حملها يلقيها على الفراش، ثم أخذ يبدل ثيابه ولم ينتبه على خطوات ليلا خلفه التي خرجت مبتسمة تراقبه بسعادة لا تصدق أن حلمها يتحقق الآن..
من كان يصدق أن الطبيب الذي عاشت عمرًا تهيم به سرًا، سيجمعها به مكان واحد وهي تراقبه دون خوف أو خجل .
ما أجمل أن يكون الحبيب هو نفسه النصيب ..
استدار لها مهيار ليبصرها تراقبه ببسمة شاردة فابتسم لها يقول متسائلًا وهو يتحرك صوبها :
" ماذا ؟؟"
" فقط احاول إدراك انتي أحيا احلامي في هذه اللحظة "
مد يده يضم وجهها بين كفيه، ثم اقترب منها يهمس أمام وجهها بصوت خافت :
" أخبركِ سرًا ؟؟"
رمقته بفضول وترقب فهمس لها :
" هذه كانت احلامي قبل أن تعي أنتِ معنى الاحلام"
اطالت نظراتها في عيونه ليبتسم هو لها بسمة واسعة يقص عليها متى بدأ هذا الحلم :
" اثناء دراستي الطب وترددي على محل والدك، ذلك اليوم الذي اتذكره جيدًا، دخلت المحل لإحضار بعض الأعشاب التي احتاجها في الدراسة، أخذت صدمة حياتي مدركًا أن السماء الصافية الممتلئة بالنجوم ليست المشهد الاجمل الذي رأيته في حياتي، هناك مشهد اجمل بكثير .."
نظرت له تحاول تذكر أول مرة دخل لها محل والدها، هي حقًا لا تتذكر وهو فقط ضحك على محاولتها يقبل وجنتها بحب يهمس جوار أذنها:
" ذلك اليوم حينما كنتِ ساقطة ارضًا حولك العديد من الزهور وبعض السلال المحطمة، كان ومازال ثاني اجمل المشاهد التي ابصرتها في حياتي "
ابتسمت تقول بصوت خافت :
" ثاني ؟!"
" الاول كان حين رأيتك تُزفين لي "
وهذا كان أكثر مما تتمنى هي لتلقي نفسها بين أحضانه تضم خصره بقوة تهمس :
" أحبك مهيار "
اتسعت بسمة مهيار بقوة وهو يشدد من ضمها له أكثر وأكثر وعيونه معلقة على الأدوية مبتسمًا، يدرك أن القادم معها سيكون فصل آخر في قصتهما، لكنه لأجلها يستطيع فعل أي شيء، سيخوض كل ما يمكن خوضه لأجلها ولأجل أن تكون بخير .
حتى إن اعتزل مهنته ووهب نفسه وحياته كلها لعلاجها هي، ستكون مريضته الوحيدة إن أرادت ..
" وأنا اعشقك ليلتي الجميلة ...."
___________________________
" أخبرتك يوم زفافنا دانيار "
رفع دانيار يديه في الهواء بكل براءة، فهو بمجرد أن دخل الغرفة الخاصة بها حتى باغتته بهذه الجملة ظنًا أنه جاء لأجل مطلبه، لكنه فاجئها يقول ببسمة حنونة هادئة :
" صدقي أو لا تصدقي، لكن غرض وجودي الآن، في غاية البراءة "
نظرت له ثواني دون تصديق، ليبتسم هو لها يتحرك داخل المكان وهو يضم يديه خلفه يحرك نظراته حوله وكأنه يبحث عن شيء فقده، وهي فقط تتابعه لا تدري سبب ما يفعل، حتى تحدث هو ببسمة صغيرة :
" جميل هذا المكان، غرفتك تبدو جميلة حقًا "
نظرت زمرد حولها بتعجب تتساءل هل هذه هي المرة الأولى التي يرى غرفتها، ويبدو أنها نطقت كلماتها بصوت مرتفع، ولم تدرك ذلك إلا بعدما سمعت رده يقول :
" نعم هذه المرة الأولى التي اتأمل بها غرفتك، فأنا في جميع زياراتي لكِ سابقًا، لم يكن لدي الوقت الكافي لأفعل كنت انشغل بأمور أخرى "
كان يتحدث بجدية وهو يحرك عيونه في المكان لتقوب هي بحاجب مرفوع مبتسمة :
" كالتواقح عليّ!!"
وإن ظنت أنها ستصمته وتخجله بهذا السؤال فهي مخطئة إذ ابتسم يقول بجدية :
" نعم صحيح، كالتواقح عليكِ "
صمت ثم أضاف بجدية :
" أنا حقًا لا ادري ما يمكن قوله الآن، لقد كان التواقح فكرة أفضل من محاولة إيجاد أي موضوع للتحدث به معكِ الآن "
ابتسمت تقترب منه وهي تردد ببسمة ممازحة :
" إذن أنت لم تأتي للتواقح كما تقول، ولا تمتلك شيئًا تتحدث به عدا التأمل في غرفتي ؟!"
صمتت ثم ضمت ذراعيها لصدرها تردد بجدية :
" إذن ما سبب تشريفك لي الآن سيدي قائد الرماة؟؟ "
حدق بها دانيار واطال التحديق قبل أن يقول بكل بساطة وتلقائية :
" فقط أردت الجلوس معكِ وتمضية الوقت، حتى وإن لم امتلك ما اتحدث به، يمكنني الجلوس صامتًا طوال الليل طالما اتأمل وجهكِ "
رمشت زمرد بصدمة وتراجعت للخلف، لم تتوقع هذه الإجابة، وقد اخرسها بكلماته ووترتها، تحاول ايجاد كلمات تجيبه، لكنه ابتسم يقول بهدوء :
" اجلس أمامك احدق بكِ طوال الليل، تبدو فكرة مغرية أكثر حتى من الرقص لي أو التواقح عليكِ، من الأساس استطيع قضاء المتبقي من عمري أفعل هذا دون الملل "
اقترب اكثر يقف على بعد خطوة واحدة هامسًا :
" فقط أنا وأنتِ وليلة لا تنتهي وأنا احدق بكِ، هذا جُلّ ما أتمناه "
ابتسمت له زمرد وهي تقترب منه تضم وجهه بين كفيها بحنان ليبتسم لها دانيار بكل الحب الذي يقبع داخل صدره لهذه المرأة والتي لا يدري من أين خرجت له، لكنه يدرك أنها هي مكافأة صبره في هذه الحياة، فإن لم تكن زمرد، فمن ستكون امرأته ؟؟
لا سواها يصلح ليكون معه ولا بغيرها يرتضي ....
ابتسمت تقول بصوت هامس وهي تقترب منه أكثر بحنان :
" انظر إليك كيف تكون رائعًا وأنت بهذه البراءة ؟؟ "
رفع حاجبه لها يقول ببسمة :
" أنا أكون رائعًا بجميع الأحوال عزيزتي "
" نعم وأنا أشهد بذلك، لكن حين تكون نظراتك صافية بريئة بهذا الشكل تزداد جاذبيتك "
ابتسم لها وقد مد يده ببطء صوب خصرها يضمها له يحرك رأسه لها :
" إذن مستعد أن أصبح بهذه البراءة طوال الوقت إن كان هذا يزيد من جاذبيتي في عيونك يا امرأة، سأكون ببراءة طفلٍ لأجلك إن أردتي "
نظرت له بشك من حديثه قبل أن تقول بهدوء وجدية :
" إذن هذا يعني أنك لا تريد ذلك العرض الراقص الذي كنت ارتبه لأجلك اليوم ؟؟"
اتسعت أعين دانيار بقوة وبحماس شديد يعدّل على حديثه السابق :
" أو ...يمكنك اعتباري مراهق فاسد، سيكون هذا مناسبًا أكثر"
دفعته زمرد بعيدًا تصيح بحنق شديد :
" والله كنت اعلم أنك لن تستقيم بهذه السرعة والبساطة، تدعي البراءة وأنت ابعد ما تكون عن البراءة، تخبرني اشعار عن اكتفائك بليلة تأمل فقط وأنت تتلهف لما وراء ذلك "
أطلق دانيار ضحكات مرتفعة وهو يحاول الامساك بها، لكنها عاندت وهي تتراجع للخلف، بينما دانيار استند بيديه على ركبتيه يحاول التحكم في ضحكاته :
" حسنًا أنا آسف، حقًا آسف، لقد كنت امزح معك اقسم لكِ، لا أريد رؤيتك ترقصين، كنت فقط امازحك"
نظرت له بشك وهو فقط ليثبت لها حسن نيته تنهد بصوت مرتفع، ثم مال وأحضر لها حجاب موضوع على المقعد يضعه على رأسها، ومن ثم تحرك بها لخارج الغرفة صوب النافذة يجلس على الأرضية، ثم جذبها لتجلس أمامه ونظر للسماء يأخذ نفسًا طويلًا :
" هذا ما قصدته بقضاء الليلة معكِ، أنا وأنتِ والسماء الصافية هذه وفقط "
كانت زمرد ما تزال تحاول استيعاب ما يحدث، قبل أن يرتخي جسدها شيئًا فشيء لينتهي بها الأمر مستندة على صدر دانيار بهدوء شديد، تستمتع بالهواء حولها، هذه الحياة التي تحياها الآن، انستها ما عانت في الماضي، هي لم تتخيل أن تخرج يومًا من مستنقعها، أو ان تحيا هكذا حياة، لكن رحمة الله بها كانت أكبر من أي شيء آخر...
" أنا أشعر بالراحة الشديدة "
نظر دانيار حوله يتأكد أن لا أحد سيبصرهما من هذا الارتفاع، وايضًا بسبب هذا الظلام، ليبتسم وهو يمد يده يزيح حجابها جانبًا، ثم أخذ يفرك لها خصلات شعرها بحنان لتتنهد زمرد براحة أكبر وتشعر بالنعاس الشديد .
" إذن كل يوم مستعد لقضاء الليلة بالطريقة ذاتها لاجلك إن أردتي "
ابتسمت له وهي ما تزال مغلقة عيونها تتمتم ببعض الكلمات الغير مفهومة، ليشعر دانيار أنها لم تعد تعي ما يحدث حولها، فابتسم واستند بظهره على جدار الشرفة خلفه يخفض رأسها ببطء حتى استقرت على قدمه، يجعلها تتمدد في وضع مريح، ثم مال يطبع قبلة صغيرة على وجهها :
" نومًا هنيئًا مليئًا بجميل الاحلام، مثلك زمردتي "
تمتمت هي قبل أن تغرق بشكل كامل في النوع :
" أنا أحب هذا، وأحبك"
ابتسم يستند برأسها على خاصتها يهمس بكل الحب :
" وأنا أحب هذا وذاك وكل ما ينتمي لك، واخيرًا مع كامل الحب أعشقك زمردتي ...."
رفع رأسه يستند بها على الجدار بعدما طبع قبلة أخرى رقيقة على جبينها، ثم نظر لها يحقق واخيرًا حلمه الذي أخذ يردده عليها منذ ساعة ..
يقضي ليلته بالكامل في تأمل عالمه وحياته القادمة، تأملها ......
__________________________
تراجع للخلف بعناد شديد يبعد عيونه عنهم رافضًا :
" أنت لا تستطيع اجباري على ما لا اريد "
انتفض تميم وهو يتحرك صوبه بتحفز شديد وغضب يواجهه بكل الحنق الذي يملئ صدره تجاه هذا الرجل الذي كان بلا قلب ليرفض طلب ابنته بأن يزفها له.
" أي نوع من الآباء أنت يا رجل ؟؟ بالله ما رأيت من هو بمثل ...."
صمت يكبت كلماته القادمة لأجل برلنت التي كانت تقف في ركن السجن وهي تبكي بصوت منخفض حزينة من رفض والدها لطلبها .
تحركت صوب تميم تجذب يده وهي تشعر بخطأها لحضورها هنا ومطالبته بأن يزفها بعد كل ما فعل، كان خطأ كبير على أية حال .
" لنرحل تميم، لقد غيرت رأيي، أنا لا أريد، لا أريد أن أُزف لك مع أبي، سوف ...سوف اجعل أمي تفعل، أو يمكنك أنت المجيء واخذي بنفسك و..."
كانت تتحدث بكلمات مرتعشة حزينة، رغم كل ما فعل بها، إلا أنها تغاضت عن الأمر حتى تُزف كجميع الفتيات، أرادت الشعور لمرة واحدة بحبه لها، لكن حتى هذا استكثره عليها .
توقفت عن الحديث بسبب صرخة تميم الجنونية التي هزت جدران السجن :
" تالله وبالله ووالله لن يزفك لي غير هذا الرجل، إن كان الأمر عنادًا فأنا اسوء منه، أردتي أن يزفك والدك وسيفعل ولو زفّك لي مكبلًا يدفعه الجنود دفعًا "
استدار صوب عبدالله الذي كان ينظر ارضًا دون الحديث بكلمة، فقط كلمة " لا " خافتة هي ما خرج منه منذ دخلوا عليه السجن.
وتميم كان في هذه اللحظة قد جن جنونه، إذ جذبه من تلابيب ثيابه بعنف جعل برلنت تتحرك صوبه برعب وهي تهمس :
" لا تميم، لا أريد، دعه "
لكن تميم لم يهتم وهو يهتف بغضب :
" سمعت عبدالله ؟؟ ستزف ابنتك لي ولو دون إرادتك، لن يزفها لي غيرك، تحلي ببعض الرجولة والإنسانية وعاملها كابنة لك، ارادتك أن تزفها بعد كل ما فعلت وتغاضت عن الأمر ليأتي الرفض منك ؟؟"
رفع عبدالله عيونه لتميم والتي كانت حمراء مليئة بالخزي يهتف بصوت موجوع :
" دع والدتها تزفها، لا أريد أن يفسد وجودي يومًا كهذا، أن يحضره أحد المساجين، هذا ...هذا لا اقبله لها، صدقني في المستقبل لن تكون ذكرى جيدة لتتذكرها "
تراخت يد تميم عن ثيابه شيئًا فشيء قبل أن يتراجع ببطء للخلف، وقد أخذ صوت بكاء عبدالله يرتفع وهو يهتف من بين دموعه :
" أنا لا أريد إفساد يومها كما أفسدت كامل حياتها، لا أريد فعل ذلك "
انفجرت برلنت في البكاء بقوة وهي تتحرك صوب عبدالله دون شعور تهتف بحزن لنبرته المكسورة تلك :
" ابي لا تقل هذا "
ختمت كلمتها وهي تضم نفسها لاحضانه لينفجر الأثنان في بكاء عنيف، أما عن تميم فتراجع للخلف يترك لهما مساحة للتعبير عما يجول في خاطر كل منهما، وبعد دقائق من البكاء أخذت برلنت تردد من بين شهقاتها :
" أنا لا اهتم لشيء بقدر تواجدك جواري أبي "
نظر لها عبدالله بضعف ليهتف تميم بصوت خافت :
" سأطلب من الملك اخراجك صبيحة زفافنا، وسأقدم طلبًا للعفو عنك سيد عبدالله، اتمنى فقط أن تكون قد تعلمت درسك وعلمت قيمة ابنتك التي ورغم كل ما فعلته بها لا تزال تراك ابًا تحبه وتبره "
ختم حديثه وهو ينظر صوب برلنت ثواني ومن ثم تحرك للخارج بسرعة تاركًا إياها مع والدها لتشعر بالرعب من فكرة أنه غضب منها لأي سببٍ كان .
كلمات سريعة قالتها لوالدها على وعد بالعودة، ثم هرولت للخارج تدعو الله ألا يكون قد ابتعد كثيرًا، لكن وبمجرد أن خرجت من باب الحجرة الخاصة بوالدها وكادت تهرول للخارج شعرت بيد تمسكها وتجذبها، ولم تكد تصرخ حتى سمعت صوته الحنون :
" انتهيتي ؟؟"
توقفت برلنت وهي تنظر له ينتظرها جوار الحجرة من الخارج :
" أنت هنا ؟؟ ظننتك رحلت "
" كيف ارحل واتركك بيرلي ؟؟"
ابتسمت له برلنت وهي تقترب منه قبل أن ترمي نفسها بين أحضانه وهي تدمع دون شعور منها، لطالما كان تميم الحامي والمنقذ لها والمدافع عنها من كل شرور هذا العالم، كان ومازال ...
" لِمَ البكاء بيرلي، ألستِ راضية الآن ؟؟"
هزت رأسها وهي لا تستطيع التحدث من بين دموعها ليتنهد وهو يتحرك بها صوب الخارج، ومن ثم تحرك صوب المعمل الخاص به والذي كان اول ما قابلهما، هنا حيث بدأ الفصل الجديد من قصتهما ...
اجلسها على فراشه هناك، ثم جلس أمامها يردد بصوت خافت :
" أخبريني ما يرضيكِ وافعله، فقط أطلبي "
" وجودك معي "
ابتسم لها بحنان وهو يداعب بأصابعه باطن كفها :
" هذا ليس طلب برلنت، بل واقع حبيبتي، وجودي معك واقع لا اخطط أن يتغير لا الآن ولا لاحقًا، يكفيني أعوام طويلة عشتها دونك، جربت شعور فقدك مرة ولا أريد تجربته ثانية "
نظرت له بأعين دامعة رغم بسمتها:
" إذن أنت تعدني أنك ستظل معي طوال الوقت؟! "
" اعدك "
" رغم كل ما أفعله من تصرفات غبية؟! "
" رغم كل ما تفعلينه من تصرفات غبية "
" ستحبني مهما مرت السنون ؟؟"
"سأفعل "
" وستظل تدللني كطفلة صغيرة؟!"
" لكِ كل الدلال "
ابتسمت وهي تضحك ضحكة خافتة بسبب يده التي بدأت تداعب وجهها بلطافة، ثم قالت وقد شعرت باشتياق شديد لفعل ذلك مجددًا :
" متى آخر مرة صنعت فيها فخار تميم ؟؟"
نظر لها تميم بعدم فهم لثواني قبل أن يجيب ببساطة :
" لا أتذكر في الحقيقة، لكن لماذا ؟"
" اريد أن نصنع واحدة سويًا، تمامًا كما كنا نفعل قديمًا، أريد استعادة ذلك الشعور الذي كان يدور داخل صدري حين تعلمني صناعة الفخار، هل يمكنك أخذي غدًا لفعل ذلك ؟؟ "
نظر لها ثواني قبل أن يبتسم بسمة واسعة وهو ينتفض من أمامها يجذب يدها بسرعة صوب غرفة جانبية في المعمل والتي كان بها باب يطل على الحديقة الخلفية يردد بحماس شديد وقد أثارت هذه الفكرة لهفته لماضٍ ولّى :
" الآن إن أردتي "
ولم تدري برلنت بنفسها سوى وهي تجلس في منطقة تبصرها للمرة الأولى في هذا الجزء من الحديقة وأمامها الكثير من الطمي وأداة صناعة الفخار، نزع عنه تميم سترته العلوية واحتفظ فقط بثوبه السفلي يشمر اكمامه وأمامه هي تجلس وقد ازداد الحماس بصدرها.
مدّ يده ببطء يضعهم على كفيها بعدما وضع قطعة طمي كبيرة على الآلة، واخيرًا بدأت جولة صناعة الفخار، لشيء غير معلوم الهوية حقًا، فلا هو يدري ما يريد صناعته ولا هي تهتم لذلك، وكل ما يفكران بهما أنها الآن يحيان ذكريات قديمة، ويغوصان في ماضٍ بعيد.
مال تميم برأسه يستند بها على كتف برلنت وهو يحرك يديها بحنان على الطمي ..
وهي فقط لا تستطيع التفكير بشيء سوى أنها الآن بين احضان تميم وانفاسه تداعب رقبتها وفجأة توقف قلبها للحظات حين سمعت صوته يهمس :
" ما تزال يدك مرتجفة كما السابق وضربات قلبك متسارعة، ألم نتجاوز كل هذا منذ سنوات صغيرتي؟!"
نظرت له برلنت وهي تستدير فقط برأسها له تهمس بصوت خافت :
" لا أظن سأستطيع ولو بعد مئات السنين تجاوز هذا الشعور تميم "
" وأنا لا أطمح لهذا، فهذا يساعدني على معرفة تأثير قربي عليكِ، وهذا للحق يعجبني "
ابعدت وجهها عنه تنظر للطمي تدعي التركيز به مبتسمة بسمة واسعة وهو اتسعت بسمته هو الآخر يضمها له أكثر، وهو يميل عليها كل ثانية يقبل وجنتها بسرعة، ثم يعود لإكمال عمله كأنه لم يفعل شيء، وهي كل ما تستطيع فعله هو الضحك من أفعاله، أما هو كان فقط يغرق في ضحكاتها كما سبق له وغرق في عشقها مذ كانت مراهقة صغيرة لا تفقه من الحياة سوى أنه رفيقها، ولا يعلم من الحياة سوى أنه عاشقها .
وها هي مرت الحياة لتكون من الإنصاف وتجمعهما بعد كل هذه السنوات .....
_____________________
ذلك المشهد الذي يظهر به البطل مع البطلة في نهاية أي مسلسل تلفزيوني أو فيلم، مشهد ختامي يرضي جميع المشاهدين المحبين للنهاية السعيدة، المشهد الذي يضم به البطل البطلة وهو يعدها بكل الحب والسعادة ومن ثم تُسدل الستارة عليهما وتنير كلمة النهاية الشاشة، ليغادر الجميع مبتسم سعيد حالم ...
كان ما يحدث معها في هذه اللحظة وما تحياه، يصلح ليكون أحد مشاهد النهاية السعيدة .
هي أمام سالار على حصانه يضمها ويتحرك بها بين الأشجار وأسفل السماء المليئة بالنجوم وعلى صوت أنفاسه تغمض عيونها، بالله أي مشهد آخر يصلح لتختم به قصتها ؟!
ابتسمت بسمة واسعة حين سمعت صوته يقول :
" لا احزن الله لكِ قلبًا عزيزتي، لكن ما سبب هذه البسمة ؟؟"
أجابته تبارك وهي تجيبه بسعادة كبيرة وما تزال عيونها مغلقة :
" اشعر فقط أنني، أنني وإن انتهت قصتي عند هذه اللحظة سأكون أكثر من راضية "
" أي نهاية مُهجتي، ونحن ما نزال نخط بداية القصة ؟؟ ما تزال هناك فصول عديدة نعيشها سويًا"
فتحت عيونها تنظر لعيونه الخضراء التي كانت تسحرها وخصلاته الصهباء التي تعشقها، وهي تجيب ببسمة واسعة :
" نعم ما يزال عليّ رؤية صغار يشبهونك سالار، هناك الكثير لاحياه معك، الكثير من الأحلام التي حلمت بها يومًا في يقظتي لم تتحقق بعد "
" إذن اسمحي لي مولاتي أن أهب حياتي لتحقيق كامل احلامك "
ابتسمت وهي تغمض عيونها تستند على صدره والحصان يتحرك بخفة صوب وجهتهما تقول بهدوء :
" يمكنك بدء تحقيق تلك الأحلام بأن تغني لي تلك الانشودة التي كنت تغنيها"
صمتت ثواني، ثم نظرت لعيونه تقول بجدية :
" أو تخبرني ما معناها تحديدًا ؟!"
ابتسم لها وهو يجذب جسدها أكثر حينما شعر بيده ترتخي عنها، ومن ثم قال :
" تلك انشودة فلكلورية قديمة تحكي قصة عشق قديمة لا أحد يدري أحقيقة كانت أم أسطورة "
" نعم أخبرتني ليلا ذلك، ما لم تخبرني به هو ما هي القصة تحديدًا "
بدأ الحصان يبطء من سيره شيئًا فشيء وهو ابتسم يقول بصوته الهادئ الاجش، نفسه الصوت الذي كان يرافقها في أحلامها :
" هي قصة تناقلتها الأجيال عن ملكٍ عاش حياته وحيدًا، آمن بالحب والحب لم يؤمن به، ولم يمنحه شرف عيش لذته، عاش الملك وحيدًا يبحث بين الوجوه عمن تشاركه حياته، لكنه ما عثر عليها يومًا، حتى وصل لعمر الخامسة والثلاثين وقرر أنه قد يأس ولن يضيع المتبقي من حياته على سرابٍ يحياه، ومن هنا بدأ يزداد تصلبًا وكأنه سلّح قلبه بالجمود..."
صمت ثم رأى الفضول يضغي على وجهها يكمل ببسمة :
" إلى أن هجمت غارة من الأعداء على إحدى قرى الحدود الخاصة به فذهب مع جيشه لحربٍ ضدهم، وحين وصل وخاض حربه، غدر به أحد الأعداء ليصيبه ويسقطه ارضًا، فتقهقر جيشه مرتعبًا وهُزم في تلك المعركة ظنًا أنهم خسروا ملكهم، وحينها ظهرت امرأة من نساء تلك القرية التي اغار عليها الأعداء لترى جسد أحد الرجال ملقى جانبًا مضجر في دماءه، فأخذته للعلاج وقضت شهور عديدة تفعل ذلك "
كانت تبارك تسمع له متشوقة للنهاية وقد خمنت ما سيحدث وصدق تخمينها حين ابتسم هو يقول :
" نعم تمامًا ما تفكرين به، كانت هي المنشودة، اول ما أبصر الملك حين أفاق من غيبوبته ليسقط في عشقها من النظرة الأولى ويلين قلبه وهو يخبرها أول ما نطق أن تتزوجه ..."
ابتسمت تبارك تقول بمزاح :
" محظوظة هذه الفتاة الرجل سقط في عشقها من نظرة واحدة، ليس كأحدهم أخذ شهور لينطق كلمة "
نظر لها سالار بحاجب مرفوع، ثم قال ساخرًا :
" كان عليكِ رؤية نظراتي حين رأيتك المرة الأولى في المشفى وسرت خلفك كالمسحور "
نظرت له تبارك بأعين ملتمعة منبهرة بما يقول وهو ابتسم لها، ثم مال يقول بمزاح :
" أظن أن هذا ما دعم نظرية صامد وصمود أنكِ قمتي بسحري "
ابتسمت له تقول وهي تبعد عيونها عنه بخجل :
" ومن ثم ؟؟"
" لا شيء، فقط اخذت اقع بحبك كل ثانية أكثر، واتحين أي فرصة لوجودك جواري وأعاند أمام الجميع قربك، لكنني في داخلي كنت ابحث عن طيفك في كل ركن من أركان القصر معللًا ذلك بأنكِ مسؤولة مني منذ جئت بكِ "
ابتلعت ريقها لكل ما قال تهمس بصوت مهتز بعض الشيء :
" أنا أقصد ... أقصد القصة "
ضحك سالار عليها وهو يميل عليها هامسًا بصوت خافت جعلها ترتعش :
" نهاية قصتهما معروفة عزيزتي، الآن اتركي قصتهما واهتمي بخاصتنا، ولولا أنني اغار على اسمك من أن ينطقه لسان غيري لجعلت قصتنا انشودة تتناقلها الأجيال، فلا أظن أن قصة ذلك الملك تمثل شيئًا مما مررنا به سويًا "
ختم حديثه يتوقف بحصانه أمام بوابة حديدية ضخمة لترفع هي عيونها التي اتسعت بقوة وهي تتأمل ذلك الصرح العملاق ..
تحرك الحصان يدخل بهما للقصر الذي اناره سالار بالعديد من المصابيح يهمس لها بحب :
" مرحبًا في قصرك مولاتي ..."
كانت أنظار تبارك تمر على كل شيء حولها وهي تحاول استيعاب ما ترى عيونها، سمعت صوت خرير مياه لتهمس :
" نافورة ؟؟"
ابتسم ينفي وهو يشير لجزء بعيد في غرب القصر :
" بل شلال عزيزتي "
شهقت تبارك بنبهار وهي تراه يهبط ثم يساعدها لتفعل ومن ثم أمسك يدها يسحبها خلفه صوب منطقة الشلال التي نشر بها مصابيح ارضًا وبعض المصابيح العائمة في البحيرة التي تتوسط الحديقة يهمس لها :
" أعجبك ؟؟"
" قطعة من الجنة "
ابتسم بسعادة لانبهارها :
" كله لكِ الآن، إن أردتي الانتقال والعيش هنا سنفعل"
استدارت له ترمقه مصدومة تسأله إن كان جادًا، وهو ابتسم يؤكد لها كل كلمة نطق بها، لتقترب هي منه تقول ببسمة :
" ما أسعد على قلبي من العيش هنا المتبقي من عمري معك، لكن ....حياتك وعملك وجميع من يخصك هناك في القلعة سالار، لا استطيع انتزاعك من بينهم، وأنا... أنا انتمي حيث أنت "
" يمكنني الموازنة بين الأمرين تبارك، فقط أخبريني إن أردتي الاستقرار هنا "
نفت تهز رأسها تدرك أنها ستكون أنانية منها إن وافقت على هذا :
" يكفيني أن تحضرني كل اسبوع مرة لنقضي يوم معًا هنا، سيكون هذا كافيًا لي "
" سمعًا وطاعة مولاتي..."
اخذ بيدها يتحرك بها بين الحدائق صوب مدخل القصر الذي كان ممهدًا للسير يحده حدائق وزهور من كل مكان، حتى توقفوا أمام البوابة الداخلية والتي كانت من الالوان الابيض والازرق، دفعها سالار بهدوء لتتسع عين تبارك مما أبصرت، قصر ورغم بساطة تجهيزه إلا أنه كان مبهرًا، كانت كمن سُحبت داخل إحدى القصور القديمة الفاخرة في العصور الفكتورية، لكن بلمسة فارسية نابعة من تراثهم ...
اخذت تدور في المكان وهي تتلمس كل شيء حتى وصلت في النهاية لنقطة البداية أمامه حيث كان يتوسط البهو الرئيسي منتظرًا أن تنتهي من جولتها دون أن يقاطعها ..
" سالار هذا ....هذا ...هذا مبهر، بكل بساطة مبهر وأكثر من ذلك "
" سعيد أنه اعجبك، أنتِ أول شخص اسمح له بالدخول هنا "
نظرت له ثواني قبل أن تركض وتلقي نفسها بين أحضانه وهي تهتف له بحب :
" والله لا يهمني ما قدمت لي بقدر كلماتك تلك سالار، لا حرمني الله منك "
تراقص قلب سالار فرحًا من كلماتها يرفع جسدها عن الأرض وهو يضمها بقوة لدقائق لا يعلم هو مقدارها، وهي لم تهتم بحسابها، فقط لحظات مقتطعة من هذا العالم ..
ثواني وابتعدت عنه تقول ببسمة واعين ملتمعة من السعادة :
" لو عشت عمري بأكمله احلم بزفاف والله ما تجرأت وتخيلت نصف ما حدث لي "
" أخبرتك عزيزتي، احلمي وأنا احقق "
نظرت حولها تتنفس بصوت مرتفع من هول المشاعر التي تدور داخلها، ثم أمسكت كفه تضمه لها تقول بملامح غير مفسرة ولهفة واضحة في عيونها وبشدة :
" راقصني يا قائد "
نظر لها سالار بعدم فهم، لا يدرك ما تقصد أو تريد قوله، وهي اقتربت منه أكثر تمسك كفيه تضعهما على خصرها، ثم رفعت عيونها له تقول :
" لطالما حلمت برقصة مع زوجي يوم زفافنا"
ورغم جهله بما تريد، إلا أنه شدد يده على خصرها رغم أنه لم يقسو عليه، يجذبها صوب صدره أكثر متعقمًا في عيونها :
" لا افهم ما تقصدين "
" فقط غني لي..... وراقصني "
وهو فقط رأى الرجاء في عيونها ولم يدرك ما عليه فعله، إلا أنه فقط يدرك أنه لا يريد أن يرفض لها شيئًا ترغبه بهذا القدر :
" علميني "
ابتسمت وهي ترفع كفها تضعه على موضع صدره تمسك بالآخر طرف فستانها تبعد عن طريقها لتتحرك بحرية ثم قالت :
" فقط غني لي وضمني لك واجعلني اتمايل سالار "
وكان لها ما أرادت، لم يهتم لشيء لا لأنه لا يحب الغناء كثيرًا، أو أنه لا يفقه بما تتحدث عنه، لم يهتم سوى لرغبتها التي نفذها وهو يشدد ضمها له وبدأ يردد كلمات غير مفهومة على مسامعها بصوت هامس، يتحرك معها حركات بسيطة لطيفة وهي فقط أغمضت عيونها تحيا أحلامها ...
في ساحة القصر الواسعة وفي هذا المساء، بدئا الاثنان يتحركان بخفة وتبارك توجهه لما يفعل فكانت تدور حول نفسها تارة ويميل بها تارة، وهناك بسمة سعيدة ترتسم على شفتيها، لا تصدق أنها الآن جعلت قائد جنود لجيوش الفرس يراقصها في قصر متطرف على حدود بلاده .
كالحلم ها ؟!
لكن حتى وإن كان كالحلم، فقائدها تعهد أن يجعله واقعًا، وقد صدق وعده لها....
لتنقضي ليلة كالحلم على تبارك، ليلة تصلح نهاية سعيدة كما قالت لسالار، لكنها لا ترتضي بها نهاية، بل ستكون بداية لها، مع ذلك القائد الذي جاء واختطفها عنوة من عالمها ليزج بها في عالمه الخاص ويجبرها على التأقلم، حتى ترضخ هي لكل شيء طالما سيقربها منه .
وهو ذلك المتجبر الصخري الذي لان لأجلها فقط، وكأن الله ما أرسله ذلك اليوم لعالمها، سوى ليجد سكنه وسكناه ومسكنه، وجدها واختطفها من عالمها لتصبح هي عالمه ..
زوجته واميرته وملكة قلبه والمرأة التي كان وما يزال مستعدًا لإقامة حروب على العالم لأجلها، المرأة التي خسر وأحب الخسارة لأجلها .
وهذه يا سادة كانت الخسارة في المعركة المائة وخمس وعشرين للقائد سالار ......
____________________________
عوالم مختلفة اندمجت لتخلق لنا قصص كالاساطير، ورغم كل الاختلاف ورغم كل المعوقات إلا أن النهاية كانت واحدة.
فمن كان يتوقع أن قائد الجيوش الذي ارعب اعداءه، والذي ذهب لإحضار ملكة بلاده سيقع في عشقها ويأثم بحبها إن كان حبها إثمًا، بل ويقيم حروبًا إن طالبته بهذا ؟؟
أو من تخيل أن الملك الذي كان يزن كل كلمة منه ويحرص على كل نفس يخرجه، سيفقد تماسكه وتعقله أمام امرأة امتلكت كل ما أفقده عقله، ليأثم بحبها وأفكاره بها ...
أو تلك المسكينة التي عانت من ماضٍ مخزٍ وفرت من القرية الظالم أهلها، لتعيش بسلام بين جدران سفيد، فما وجدت سلامها إلى في عيون من لا تستطيع الاقتراب منه، وهو لم يهتم لكل ذلك، بل كان مستعدًا ليأثم بحبها ..
والتائه الذي عاش عمره هائمًا يبحث عن صغيرة بضفائر فقدها بين زحام الحياة وغدرها، أخذ يبحث عنها في كل الوجوه، متغافلًا أنها تراقبه من بعيد تنتظر فرصة لتعلن عن وجودها ....
وطبيب متزن لم يجد مسكنه سوى بين سماء ليلاه اللطيفة التي كان يتحجج بكل ما يمتلك فقط ليحظي بنظرة أو بسمة منها ....
سفيد لم تكن مجرد مملكة، بل كانت عالمًا، حللنا به ضيوفًا، عشنا معهم بين طرقات المملكة، خضنا معهم حروبهم واحتفلنا بأنتصاراتهم، سفيد ومشكى وأبى وسبز، بلاد في أواخر العالم انعزلوا عنا، لكننا هنا وفي هذه الحكايات عاندنا حكمهم واندمجنا بعالمهم دون علمهم، وها نحن نخرج من بوابة سفيد.
نتحرك بهدوء في الطريق الممهد صوب البوابة، بقلوب حزينة وجزء مشتاق، نستدير للخلف نلقي النظرة الأخيرة صوب القلعة على أمل بعودة قريبة...
قلعة سفيد، حيث صاحبنا أول الآثمين في رحلته، وها نحن نودعه صوب رحلة أخرى ومغامرة أخرى ..........
دمتم سالمين
رحمة نبيل .
تمت بحمد الله
2024/7/22 م
1446/1/16 ه*رواية مملكة سفيد(ج١)💙🪼*
*(الحلقة 42)*
`من أجمل قنوات الوتساب لروايات ادخلوا اعملوا فولو لـكـل القنوات:`
*تمت مشاركة الرواية من قناة حكاية في رواية علي الوتساب)))):*
> *1-تابع قناة عالم الروايات)))💜🪻:* https://whatsapp.com/channel/0029VbBEfTF72WTxHAsCqN2a
> *2- روايات بلا حدود ♥💋)))* https://whatsapp.com/channel/0029VbC7okJG3R3oQMD1bP37
> *3-تابع قناة حكاية في رواية 💗🎀)))):* https://whatsapp.com/channel/0029VaDlnq3D8SE0iENtWr3G
> *4-تابع قناة عالم تحت ضي الروايات 💙🎁))):* https://whatsapp.com/channel/0029VbBfXK1ADTO9G2vTly0g
> *تابع قناة عالم الروايات 2♥🔥)))):* https://whatsapp.com/channel/0029VbCJyjb5kg75PMCMvZ1t
💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞💞
#الثاني_والاربعون
#خطوة_اخيرة
قبل القراءة متنسوش التصويت والتعليق برأيكم على الفصل.
صلوا على نبي الرحمة .
_____________________
كانت تقف في المنتصف وهي تحدق في الأوجه حولها، الأجساد التي تدور حولها بتحفز شديد رغم جهلهم لهويتها بسبب لثامها الذي يخفي نصف وجهها تقريبًا، وهي ابتسمت بسمة ظهرت في عيونها، تراقب نظراتهم تلك لتنتزع اللثام الخاص بها تقول بحماس مصطنع :
" يا ويلي لا تخبروني أنكم لم تتعرفوا عليّ، هذه أنا زمرد "
نظر بعضهم للبعض، البعض بصدمة لمعرفته هويتها والبعض الآخر بجهل لها، فهم للتو فقط سقطوا في هذا الوحل ولا يدركون من تكون تلك المرأة التي رسمت كل هذه الصدمة على أوجه الباقيين ؟!
اتسعت بسمة زمرد تقول بقلة حيلة :
" وإيفان ينصحني بوأد شيطاني "
حركت يدها تمررها على الجميع وهي تقول بسخرية :
" آهٍ لو يرى هذه القذارة التي تبصرها عيوني، لمدني بالأسلحة بيديه حتى اتخلص منكم "
تحدث أحد الرجال وهو ينظر للباقيين مستفسرًا :
" من هذه المرأة التي تتجرأ وتتحدث معكم بهذه الطريقة ؟! "
رفعت زمرد حاجبها وتعجبت من ذلك الرجل الذي تبصره لأول مرة، تنفست تقول بصوت منخفض :
" وافد جديد؟ يا الله تتكاثرون كالحشرات، ما الذي تفعلونه هنا في سفيد بعد كل ما حدث لكم ؟؟"
تقدم أحد الرجال يقول بصوت جاد:
" جئنا نقتص منكم ومن الجميع لنستعيد أرضنا "
تشنجت ملامح زمرد بقوة وهي تمرر عيونها عليهم قبل أن تهمس بصدمة حقيقية :
" أرضكم ؟؟ حقًا ؟؟ هل تصدق ما تقوله ؟؟ "
نظر لها الرجل بإصرار مخيف جعلها تتراجع مصدومة من تلك النظرات في عيونه، لقد كذب القوم كذبتهم وصدقوها، اقنعهم بافل أنهم أحق بأرض _ لا علاقة لهم بها_ من أهلها .
" هل تمزح معي ؟! يا قوم أنتم لا وطن لكم، أنتم منبوذون، ليس من أهل البلاد فقط، بل من البلاد نفسها، البلاد نبذتكم، من أين أيتت أنت ببلادكم تلك، ما هذه الكلمة الشاذة المريبة ؟؟"
كانت تتحدث ببسمة غير مصدقة في اللحظة التي وصل بها دانيار لهم ليبصر تجمهر عدد من الرجال حولها فتحركت يده ليحمل المزيد من السهام يضعهم داخل قوسه يقول بجدية :
" ابتعدوا عنها "
استدارت له زمرد تراقبه يرفع سهامه كلها في وجوه الجميع بشكل مريب وهي فقط تحدق في الجميع قبل أن تقول :
" تعال واسمع تلك النكات التي يطلقها القوم "
حرك دانيار سهامه على الجميع، وهو يمرر عيونه عليهم بنظرات جامدة دون بسمة صغيرة حتى :
" لا اعتقد أنني أحب سماع النكات من هؤلاء القوم أو حتى التحدث معهم، تحركي خلفي "
نظرت له باعتراض ولم تكد ترفض طلبه، حتى رمقها هو بصرامة جعلتها تتحرك، لكن وقبل أن تفعل امسكها أحد الرجال بسرعة يجذبها صوبه مخرجًا سيفه :
" أتظن الأمر بهذه السهولة ؟! لقد رأيتمونا وهذا سبب كي لا نتركك ترحل وإياها "
همست له زمرد بحنق :
" صدقني تركك لنا احياء بعد رؤية وجهك اكبر عقاب قد تسقطه علينا "
ابتسم دانيار يدفع أحد الرجال الذين يشكلون حلقة حول زمرد جانبًا، لكن وبسبب دفعته الغير متوقعة والتي باغت بها الرجل، سقط الاخير ارضًا وبقوة، ثم خطى دانيار للحلقة وهو يقف أمام ذلك الرجل الذي يهدد زمرد بسيفه، وقبل أن يتحدث بكلمة واحدة كان سهمه قد أصاب يد ذلك الرجل ليطلق صرخة مرتفعة يعود للخلف، ودانيار أشار بعيونه لزمرد أن تقترب :
" ومن أخبركم أننا سنترككم ونرحل احبائي ؟! ليس بهذه السهولة "
ختم حديثه ثم جذب أربعة سهام يشير لزمرد بالتحرك خارج الزقاق حيث الحراس الذين أمرهم بالترقب، ومن ثم توقف هو يقول ببسمة :
" والآن ما رأيكم أن نتحدث حديث رجال ؟!"
صمت يدير عيونه بين الجميع ثم أكمل ببسمة أوسع :
" على الاقل من طرفي "
نظر الرجال لبعضهم البعض قبل أن يتحدث أحدهم وهو يشير للرجال ألا يسمحوا لهم بالتحرك :
" لا تدعوا أحد يتحرك من هنا ليس بعدما ابصرونا "
تنهد دانيار يقول بجدية وهو يشير للجندي :
" خذ الأميرة بعيدًا عن هنا وأنا سأنتهي من كل هذا والحق بكم "
نظرت له زمرد باعتراض، لكنه قاطع كل تلك النظرات يقول بغضب شديد :
" تحركي معه "
تدخل أحد الرجال وهو يحاول منعها من الرحيل :
" أخبرتك أن أحدًا لن يتحر..."
وقبل أن يكمل جملته كان سهم دانيار يتوسط ذراعه وهو يتحدث بصوت مرتفع آمرًا :
" اخبرتك خذ الأميرة وارحل من هنا "
وبالفعل أشار الجندي لزمرد بالتحرك، لكن زمرد أبت أن تفعل وتترك دانيار وحده، لولا نظرة دانيار لها التي جعلتها تتحرك مكرهة، وهي تفكر في الرحيل لتحضر أي سلاح تراه، فهي عزلاء لن تنفعه، تحركت ببطء مع الجندي الذي أشار لها بالتحرك سريعًا، بينما دانيار راقبها حتى تحركت مع الحارس الذي أبعدها عنهم وكان آخر ما رأيته هو دانيار الذي أخرج سهامه ..
نظرت أمامها، تشعر أنها ترتكب خطأ كبير برحيلها، لذا أسرعت الخطى وهي تنظر حولها في كل مكان تبحث عن الحراس المنتشرين عادة في الأسواق بين الطرقات .
لكن ما أبصرت منهم أحد، ظلت تنظر حولها بجنون وهي تحاول إيجاد أثر لهم حتى شعرت بالتوتر يتملكها لتتحرك بعصبية شديدة صوب أحد محلات الأسلحة تنتزع منه سيف، ثم هرولت متجاهلة نظرات البائع المصدومة وهو يصرخ بأعلى ما يمتلك من صوت :
" لصة...أمسكوا تلك اللصة "
__________________
كان يتحرك بحصانه صوب الحدود وبسرعة كبيرة، منذ الصباح عقد العزم على التحرك للبلاد كي يعتني بشؤونها قبل أن يعود لمتابعة أمور الحرب .
خطى أرسلان للبلاد ليقابله اول ما يقابله اطلال بعض المنازل التي تقع على الحدود، المحطة الأولى التي طالها أذى هؤلاء الخنازير .
هبط عن خيله وقد ارتأى أن يكمل الطريق سيرًا على الأقدام، يتأمل مشاهد الدمار التي لم تبرأ بلاده منها بعد.
ربما تخلصوا من المرض، لكن آثاره لم تمح بعد .
تحركت عيون أرسلان على كل تلك المنازل الشبه محترقة، وتلك الثياب البالية، والالعاب المحطمة و...بقايا الأجساد التي علقت بين الركام، مشاهد لم ينزع عيونه عنها بغية حفظ كل تفصيلة صغيرة بها.
تقدم أرسلان من ركام أحد المنازل وجلس جواره يستند على بقايا الجدار الذي ضم يومًا من الايام عائلة كاملة، عائلة امتلكت من الاحلام الكثير، لكن يبدو أن الموت كان اسرع من أحلامهم
هو لم يبصر موت تلك العائلة أو غيرها من الأسر التي راحت ضحية قذرين استحلوا لأنفسهم بلاد ليست ببلادهم ودماء؛ القطرة منها اطهر من كامل أجسادهم كاملة، لكنه سيتخيل ما حدث، يمكنه أن يبني صورة عما حدث مما يرى أمامه .
طفل يلعب أمام منزلة ببعض الالعاب البلاستيكية، وام تخرج الثياب في صبيحة يوم مشرق كي يجف بعد الانتهاء من غسله، وأب يتجهز ليتحرك صوب عمله، فتاة تقف في مطبخ منزلها تعد الفطور للجميع قبل أن ينصرف كلٌ لعمله .
صوت ضحكات الصغير تنافس صوت صراخ الام صخبًا، صوت تأفف الاب واستغفاره يعلو في المكان، والابنة تتحرك تصرخ بشقيقها الأوسط أن يستيقظ للفطور، اصوات صاخبة يضج بها المنزل ومن ثم ..
صمت تام عم في الأجواء، صمت جاء يفسح الطريق للعاصفة؛ صمت يعقبه صرخات مرتفعة من الخارج، صرخات جهل الجميع سببها، وقبل أن يتحرك الأب ليرى ما يحدث أو تهرول الأم لتجذب صغيرها بعيدًا عن تلك الضوضاء، وقبل أن يفتح الشقيق الأوسط عيونه، أو تركض الفتاة للنافذة، وقبل أن يفكر أحدهم في أخذ خطوة واحدة لمعرفة ما يحدث أو لأخذ ساتر كان كل شيء يُباد على بكرة أبيه ..
وتلاشت ضوضاء العائلة ليحل محلها ضوضاء الجميع حولهم والنحيب والصراخ والذهول وهم يبصرون الأجساد تذوب من الانفجار ...
مشهد رسمه عقل أرسلان ببراعة بناءً على ما يرى من بقايا المنزل، ربما لم تكن هي نفسها قصة هذه الأسرة تحديدًا، لكنها ربما كانت قصة أخرى لعائلة أخرى، فما أكثر العائلات المنكوبة في بلاده ؟!
" نحن لم ننتهي بعد، عودة البلاد كانت بداية الحكاية، ومازال الطريق طويلًا، والنهاية أنا فقط من سأخطها بأناملي "
دار بعيونه في المكان حوله قبل أن يتحرك ليجذب الخيل خلفه وهو يردد بعض الكلمات بصوت جامد غاضب مقهور :
" أرادوا بالبلاد خرابًا، وستُرد عليهم حسرات، ساقوا لنا الموت، وسنسوق لهم من الأهوال ألوانًا، لكنه الصبر فالغد موعدنا، وما اقرب الغد لليوم..."
تحرك وهو ينظر أمامه بأعين ضبابية مبتسم يدور بعيونه في جميع الأماكن حوله والتي هجرها أهلها خوفًا :
" ما سبق كان لهم، والقادم لن يكون سوى لنا ..."
_______________________
استيقظت تنظر له طويلًا وهو كان يضمها له مغمض الأعين، لا يعي بنظراتها أو ربما يدعي أنه لا يعيها .
اقتربت تبارك منه أكثر تتأمل ملامحه لاول مرة وهو يغط في نوم عميق، لأول مرة تبصر ملامحه بهذا القرب دون أن تخجل من نظراته .
ابتلعت ريقها تشعر برغبة عارمة في إكمال نومها، لكنها أبت أن تفعل، فقط ابتعدت عنه بصعوبة شديدة بعدما جذبت نفسها من بين أحضانه بصعوبة تتحرك بعيدًا عنه، تجذب حجابها من أسفله، لكنها وجدته عالقًا، مالت بعض الشيء تحاول جذبه دون أن يشعر، لكن يبدو أن ذلك الحجاب كان حجة سالار الوحيدة ليبقيها جواره إذ تمسك به بقوة كبيرة رافضًا تركه وهي زفرت بغضب :
" دع الحجاب سالار .."
لكن لا رد وصل لها وهذا زاد غضبها، هي في هذه اللحظة تريد الرحيل من هنا، تدرك أنه إن استيقظ وتحدث لها قد تضعف وتستسلم له، وهذا ما ترفضه، ليس الآن على الأقل .
وحين أبصرت تشبثه بالحجاب تركته بغيظ شديدة ملقية إياه على الفراش جواره :
" لا؟؟ إذن يمكنك الاحتفاظ به، وانا سأخرج بهذا الشكل، لا اعتقد أن هناك حراس في هذا الوقت في الخارج، صحيح ؟!"
اكمل سالار ادعاءه للنوم يدرك في نفسه أنها لن تتجرأ وتفعلها، لكن صوت فتح الباب، وغلقه بقوة، أخبره أنها فعلتها دون أن تهتم لشيء، وفي ثواني قليلة كان ينتفض بسرعة يجذب الحجاب صارخًا بغضب وهو يهرول :
" تبارك لـ ..."
وقبل أن يكمل كلماته صمت وهو يراها تقف جوار باب جناحه تراقبه بسخرية .
ضغط سالار على الحجاب بقوة، يهتف من بين أسنانه :
" اياكِ وأن تحاولي يومًا اللعب معي بهذه الطريقة تبارك، ليس بهذا الشكل الذي قد يدفعني للجنون "
مدت تبارك يدها بكل هدوء تقول :
" حجابي رجاءً .."
" لا، ليس الآن، وليس قبل أن نتحدث "
رفعت حاجبها ترفض الحديث، ليس وهي لم تستعد له نفسيًا :
" وأنا لا أريد الحديث في هذه اللحظة "
امسك سالار يدها رافضًا اي ملامح اعتراض أو كلمات كانت على وشك نطقها وهو يجرها خلفه بهدوء شديد يضعها على الفراش، ومن ثم جذب أحد المقاعد يجلس عليه أمامها بشكل جعلها تتذكر آخر مرة جلس هذه الجلسة قبل أن يتحول للوحش الاسطوري ويرحل .
فتح فمه للحديث، لتقاطعه هي بسرعة :
" أريد العودة لمنزلي"
نظر لها بعدم يتحدث :
" هذا منزلك .."
" لا ليس هذا، اقصد منزلي الذي اخذتني منه دون إرادتي سالار "
نظر لها سالار ثواني قبل أن تتسع عيونه بصدمة كبيرة من كلماتها، ليس لهذه الدرجة، ليس لأنه ثار عليها دون وعي .
" أنتِ تمزحين معي ؟!"
" لا أنا بس كنت ..."
قاطعها سالار بنبرة شبه جنونية يخشى أن تكمل حديثها، ليس بعد كل هذا تخبره أنها تود العودة، ليس الآن وليس أبدًا، ليس وهو حي على الأقل .
" أنتِ لا تعنين كل هذا، بالطبع لن تتركيني لأنني صرخت في وجهك مرة واحدة، وللعلم كنت محقًا"
نظرت له بغضب، ثم تنفست بصوت مرتفع تقول :
" أريد العودة لشراء أدوية تكفيني، أنت لا تريد لي الموت هنا بسبب سوء علاج مرضي سالار "
شهق سالار بصدمة كبيرة وقد شحب وجهه يتفحصها بأعين سريعة محاولًا معرفة إن كانت تعاني في هذه اللحظة أو لا .
" أنتِ بخير ؟؟"
" حتى الآن"
تأوه سالار يتحرك عن المقعد بسرعة وهو يقترب يجلس على ركبتيه ينظر لعيونها متحدثًا بجدية كبيرة وحنان :
" تبارك لا تتحدثي بهذا الشكل، ليس هكذا أرجوكِ "
نظرت له تقول بصوت منخفض :
" هكذا كيف سالار ؟؟"
ابتلع ريقه يهمس لها :
" بهذا الشكل الذي يشعرني أنني... أنني ربما على وشك ...على وشك فقدانك تبارك، أنا اترجاكِ ليس هذا الشعور أنا يكفيني ما أمر به في حياتي"
نظر لعيونها يهتف بجدية كبيرة وكبرياء رغم جلوسه بهذا الشكل أمامها:
" معاذ الله أن اقنط أو أيأس لكنني تحملت هذه الحياة فقط لأنكِ بها، فلا تختبريني بفقدانك فلا قِبل لي بعيشة لا تشاركيني بها "
امسك كفيها يداعب باطن يدها بحنان :
" لا تقسمي ظهري بكِ تبارك، اختبريني بأي شيء وإياكِ أن يكون بكِ "
كانت تبارك تسمع حديثه وهي تحاول أن تستوعب أنها تتلقى كل ذلك الحب والاهتمام من أحدهم، أنها وبعد سنوات من عيشها كشخص مهمش في العالم، أضحت العالم لشخصٍ لم تكن تدري أنه يعيش معها على هذا الكوكب .
رجل كان يستطيع أن ينتقي من النساء ما يشاء وسيكن في غاية السعادة، رجل لو جلست في ليلة هادئة تتأمل السماء وتجمع كل الصفات الخيالية الخارقة في عقلها ما اوفته حقه..
هذا الرجل هو نفسه قائد جيوش مملكة ضخمة، رجل يقود مئات الآلاف من الرجال ويدربهم، رجل متجبر للبعض مخيف للآخر، حنون عليها .
في هذه اللحظة أدركت تبارك للمرة التي لا تدرك عددها أنها أكثر نساء هذه الأرض حظًا بسالار .
ابتسمت بسمة صغيرة :
" معاذ الله أن أفعل يا قائد، فأنت ظهري كيف اتسبب لك بضرر، وأين لي من ملجأ إن فعلت؟؟"
هبطت عن الفراش تجلس أمامه ورغم فرق الطول والحجم بينهما إلا أنها مدت يديها تضم وجهه بحنان شديد :
" أنت فقط استوصي بي خيرًا سالار "
نظر سالار لعيونها يقول بحب :
" أنتِ كل الخير تبارك "
ابتسمت له تهمس بجدية :
" أنا أتعجب من كلماتك، احيانًا تكون كرجال الكهف لا تفقه التعامل مع النساء، وأحيان أخرى اشعر بك شاعرًا "
" أنا فقط مجرد عبد فقير إلى الله، لا يطلب منه سوى الصحة وراحة البال وجوارك تبارك، ولأجل جوارك استطيع التحول لشاعر إن أردتِ "
ابتسمت له تبارك تقول وهي تميل عليه تضمه :
" يكفيني أن تكون سالار، فقط احرص على ألا تتسبب لي في أي وجع، لا أريد أن يتخذ الشيطان غضبي منك ذريعة ليزرع بيننا بغض سالار "
ضمها له سالار يربت على ظهرها يتنهد بصوت مرتفع :
" إن شاء الله ستكون المرة الأخيرة التي اسمح فيها لغضبي بالتغلب عليّ، أنتِ فقط احرصي على الإنتباه لنفسك، فالقادم لن يكون بالهين، اعتني بنفسك لأجلي في لحظات غيابي تبارك، اريدك بخير "
ابتعدت عنه تبارك تهمس بعدم فهم :
" وما هو القادم سالار ؟!"
" الخطوة الأخيرة عزيزتي ...."
_________________
"ماذا تعني بأنها خرجت ؟! ولمَ لم يخبرني أحدكم ؟؟"
كانت تلك كلمات إيفان التي خرجت متعجبة بعدما سمع رد بعض الحراس على سؤاله " أين سمو الأميرة زمرد " ويبدو أن الرد لم ينل رضاه كثيرًا إذ بدأ غضبه يشتعل تدريجيًا وهو يكمل حديثه :
" أنا فقط اريد معرفة سبب أن اوامري لم يعد لها أهمية في هذا القصر، ما الذي حدث لكم ؟!"
تحدث أحد الرجال وهو ينظر أمامه بملامح خالية من أي مشاعر أو تعابير كرجل من الثلج عدا الاحترام :
" لقد جاء أحد الجنود يخبرنا أنه سيخرج لحراسة الأميرة في الأسواق رفقة قائد الرماة سيدي ."
رفع إيفان حاجبه يردد :
" قائد الرماة ؟؟"
شعر بالغضب يزداد اضعافًا وهو يتوعد لدانيار بالويل، تنفس بصوت مرتفع يصرفهم عنه متحدثًا بجدية :
" حسنًا كلٌ لموقعه وليحضر لي أحدكم حصاني، سأذهب للأسواق بنفسي .."
ترقب تميم رحيل الجميع حتى لم يعد يبصر سوى إيفان فقط، ابتسم يقول بهدوء شديد وهو يحاول أن يهدأ من غضبه الواضح على ملامحه :
" مولاي ..."
نظر له إيفان بترقب فتحدث تميم بجدية :
" اقترح أن اتحرك أنا للأسواق للبحث عن الأميرة ودانيار، وأنت يا مولاي يمكنك البقاء هنا، فأنت كما ترى أمور القصر غير مستقرة "
رمقه إيفان ثواني قبل أن يقول ساخرًا من حديثه :
" أمور القصر غير مستقرة أم أنك تخشى على رفيقك مني تميم ؟؟"
ابتسم له تميم بسمة صغيرة :
" أنت بالفعل تعلم الإجابة مولاي، لذا لا اعتقد أن هناك حاجة للمراوغة "
تنفس إيفان بصوت مرتفع وهو ينظر حوله وقد أضحى يشعر أن كل شيء يتسرب من بين أنامله، الأمور في القصر أضحت شائكة وخطيرة هذه الأيام، هذا دون ذكر شقيقته وسالار وكهرمان ووو
الأمر يزداد كل ثانية وهو قاب قوسين أو أدنى من الانفجار، مسح وجهه بغضب ثم تحرك وهو يقول :
" قل لرفيقك أنه يثقل ميزانه بأفعاله تلك وأنني لن اتحمله طويلًا "
هز له تميم رأسه مبتسمًا وبمجرد اختفاء إيفان عن مرمى بصره تنفس بصوت مرتفع غاضب يتحرك تمامًا بسخط :
" يا الله يا دانيار منذ متى أصبحت بمثل هذه الحماقة ؟؟ "
تحرك صوب غرفته كي يبدل ثيابه ويتجهز للخروج وهو يفكر في الجميع والقادم، وقد كان تميم في هذه اللحظة شاكرًا لكل هموم العالم التي تمنعه التفكير في أموره هو وبرلنت، أو هذا ما يدعيه هو على الأقل.
أما عن إيفان فقد تحرك بين الطرقات بهيبته المعتادة يشمر أكمام ثوبه وكأنه على وشك الدخول في شجار مميت، يتحدث لمن يحيط به من الحراس :
" ارسلوا لإحضار العريف، أريده أن يأتيني للقاعة في دقائق معدودة "
ختم حديثه يدخل لتلك القاعة ينتزع عنه كل ما يقيده من أسلحة وثياب يرتديها كملك في العادة، تحرر من كل شيء وجلس بهدوء شديد يستند بذقنه على كفيه، قبل أن يسمع صوت الخاجب في الخارج يطلب إذن الدخول، لكن على عكس التوقع لم يطلبه للعريف، بل كان لها هي ...
" أميرة مشكى تطلب الإذن بالدخول ..."
رفع إيفان حاجبه متعجبًا لكنه رغم ذلك ابتسم يقول بهدوء :
" لها ما تريد من الإذن، ادخلها "
ثواني هي حتى طلعت عليه بثياب غريبة عن ثياب نساء مملكته، لكنها تميزها وبشدة، كانت تضع على وجهها الغطاء كما اعتادت قديمًا حين إقامتها في قصره .
" سمو الأميرة ؟؟ لمن أدين بالفضل لمجيئك حتى هنا ؟؟ "
ابتسمت له كهرمان من أسفل الغطاء تردد بهدوء :
" لقراراتك الحكيمة مولاي ..."
رفع إيفان حاجبه بتعجب من كلماتها :
" عفوًا ؟!"
" هل جننت ؟؟"
اتسعت أعين إيفان بقوة من كلماتها تلك يتحرك عن مقعده يهبط من فوقه يهيمن عليها لتشعر بضائلتها في هذه اللحظة لكنها حاولت أن تدعي العكس وهي ترفع ذقنها بكل كبرياء، بينما إيفان نظر لها من أعلى لاسفل يقول ببسمة غير مصدقة :
" أنا من جننت ؟؟ هل نسيتي أمام من تقفين سمو الأميرة ؟؟"
قالت كهرمان بكبرياء غبي ذكره بكبرياء شقيقها، بينما وجهها يختفي خلف الغطاء وكأنها اتخذته ساترًا لها عنه .
" أمام شخصٍ تناسى شقيقته وواجبه نحوها ولم يتذكر سوى دوره كملك، كيف تفعل ما فعلت ؟! تُعرض زمرد لمحاكمة ؟؟ هل تمزح معي ؟؟"
رفع حاجبه وقال بصوت هادئ:
" نعم أفعل، أي اعتراض من سموك ؟؟"
" نعم، ولا ليس اعتراضًا واحدًا، بل دزرينة اعتراضات لك جلالة الملك، بالله عليك هذه شقيقتك كيف تجرأ على وضعها في هذا الموقف، ومن قبلها سالار، أنت لا تفرق بين قريب وغريب "
هز رأسه يجيب ببسمة هادئة شبه باردة :
" نعم أحسنتِ، أنا لا افرق بين غريب او قريب، هذا العدل، الجميع مطالب بتقديم دليل براءته سمو الأميرة، من يخطأ يُعاقب، وأمام أعين الجميع يُحاسب، العدل اساس الملك "
بُهت وجه كهرمان من خلف الغطاء تقول بصدمة :
" أنت.... أنت حقًا ..."
صمتت ولم تدرك ما يجب قوله فمن ناحية هو محق ألا يفرق بين أبناء شعبه وعائلته، ومن ناحية أخرى، هذه أخته كيف يفعل بها هذا .
وإيفان نظر لها بحسرة وهو يراها وقد ابصرته كما يبصره الجميع لا أحد يراه خلف قشرته الصلبة، الجميع يراه جامدًا وهو أكثرهم لينًا، يرون ما يفعل بعائلته ولا أحد يبصر أنه يدفعهم صوب المحاكمة كي يبرأهم وينظف حياتهم من أي جريمة قد تلتصق بهم، ما كان ليتخذ يومًا الهرب كحل دائم، لذا كان يلجأ للمواجهة وحل كل شيء ببساطة، وهي لم تر كل ذلك ..
شحب وجه كهرمان مما ترى، كل تلك المشاعر التي مرت فجأة في أعين إيفان، شعرت بضربة توجه لصدرها وهي ترى لوم وعتاب يعلو عيونه بشكل واضح رغم بسمته الهادئة وملامحه الباردة .
ابتلعت ريقها تقول بهدوء وصوت خافت :
" أنا فقط لم ...لم أصدق أنك قد تعرض اختك لكل هذا وهي مرت بالكثير بالفعل، تجلس على عرشك تحكم عليها وهي المسكينة لا حول لها ولا قوة تـ .."
" لست أنا من سيحكم عليها، أنا تخليت عن مكانتي لسالار ليحكم هو وأنا سأكون شاهدًا مع اختي، كي لا يتهمني البعض بالتواطؤ معها بالحكم، أو ربما يتهمونني بالظلم في حق أختي ."
شعرت كهرمان بطعنة توجه لها من كلماته القليلة التي نطق بها، وابتلعت ريقها تقول بهدوء :
" أنا لم اقصد ما فهمته أنا فقط لم أشعر بنفسي من شدة الغضب حين سمعت ما حدث من بعض العاملات هنا، أنا فقط...."
صمتت ترى نظرات إيفان الباردة لها، وكأنه لا يهتم بما تقول ليصيبها كل هذا في مقتل، فهي ما اعتادت منه هذه النظرات .
عادت للخلف تردد بصوت منخفض :
" يبدو أنني تماديت في شيء لا يعنيني "
أمسكت طرفي ثوبها وهي تميل قليلًا ثم رفعت رأسها تقول بهدوء ورقي ورسمية كبيرة :
" اعتذر عن وقاحتي جلالة الملك، استأذنك الرحيل رجاءً تقبل آسفي الشديد عن تدخلي بهذا الشكل "
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا ببطء تحت أعين إيفان الذي ظل يراقبها لا يدرك ما يجب أن يحدث، هل يوقفها أم يتركها ارحل بهدوء .
تنفس بصوت مرتفع وهو ينظر لها مجددًا ودون شعور فتح فمه يقول دون أن يبتسم ولو بسمة صغيرة يهز رأسه لها هزة خفيفة وقد على نظراته التحدي والبرود الشديد :
" اعتذار مقبول سمو الأميرة، ولا تحملي في المستقبل هم قبول اعتذارك فهو مقبول لدينا طوال الوقت، نحن اهل مروءة وكرم، لا تمسنا كلمات النساء العاطفية الغبية، يمكنك الرحيل إن أردتي "
ختم حديثه وهو يستدير عنها يتحرك صوب أحد الأبواب في القاعة معلنًا انتهاء الحديث بالنسبة له، وبشكل مهين لكهرمان التي شعرت بالسخافة من كل ما يحدث ليعلو صوتها دون شعور وبملامح مستنكرة :
" أنت من تظن نفسك يا هذا ؟!"
توقف إيفان فجأة عن التحرك واستدار لها مبتسمًا باستنكار أكثر من خاصتها :
" عفوًا منكِ ؟؟"
رفعت كهرمان رأسها أكثر تهمس بصوت حاد وكبرياء غاضب :
" أخبرك من تحسب نفسك لتتحدث معي بهذه الطريقة ؟؟"
" ملك سفيد آنستي، أنا ملك سفيد، وأنتِ ؟؟"
رفعت رأسها أكثر حتى كادت رقبتها تُكسر تقول بصوت قوي :
" أميرة مشكى و..."
قاطعها ببسمة صغيرة وكأن الأمر لا يعنيه حقًا :
" أميرة، مجرد أميرة لمملكة وما أكثر الاميرات"
صمت ثم أكمل بهدوء:
"في الترتيب الهرمي الملك يسبق الأميرة كما تعلمين سمو الأميرة "
" هذا في ترتيبك الهرمي أنت ومملكتك جلالة الملك، أما في مملكتي فأنا امتلك صلاحيات لا اعتقد أنك تمنحها للاميرات في مملكتك إن كان تفكيرك بهذا العقم "
ارتفع حاجب إيفان يبتسم بسمة جانبية ساخرية :
" الأميرات في قصري لا يناطحن الرجال بهذا الشكل، ولسن مضطرات للوقوف أمام الرجال ليثبتن أنهن تمتلكن مكانة عالية، لأنهن بالفعل يفعلن دون الحاجة لمجادلة عقيمة منهن "
ختم حديثه يبتسم لها وهي اشتعل وجهها تقول :
" أشفق عليهن لاضطرارهن التعامل مع ملك مثلك مولاي "
انحنى إيفان برأسه مبتسمًا :
" اشكرك سمو الأميرة، يمكنك الشفقة على نفسك سلفًا سيكون هذا مفيدًا أيضًا "
رفعت كهرمان الغطاء عن وجهها تبتسم بغضب وقد أصرت على أن يرى نظراتها الحانقة الرافضة وهي تنطق بقوة :
" ولماذا عليّ القلق وأنا لا انتمي لمملكتك والحمدلله؟؟"
اقترب منها إيفان ينظر لملامحها الحبيبة بحب شديد :
" لأنكِ ولسوء حظك سمو الأميرة وحسن حظي بالطبع، سترافقيني نفس مكانتي في الهرم حينما تصبحين ملكة هذه البلاد التي لا تطيقين ملكها "
أطلقت كهرمان ضحكة خافتة ودت لو جعلتها صاخبة رنانة لولا اخلاقها التي تمنعها، نظرت لعيونه من بين ضحكاتها :
" يا ويلي من تلك الثقة التي تتحدث بها "
ابتسم لها بسمة جانبية وقد بدأت بسمته تتسع بشكل خطير ...عليها .
" رائعة صحيح ؟؟"
" ماذا ؟؟"
" ثقتي، رائعة أليس كذلك ؟؟"
تنفست كهرمان بصوت مرتفع وهي تبعد وجهها عنه :
" بل مضحكة "
ابتسم لها يتحدث بجدية وهو يهز كتفيه بهدوء شديد يردد ببساطة :
" ليس أكثر من عنادك الغبي وكبريائك الاحمق "
اتسعت أعين كهرمان بقوة تستدير صوبه بشكل عنيف تهتف بصوت شبه مرتفع :
" جلالة الملك أنت تتخطى حدودك معي "
" أي حدود تلك ؟؟ أنا لم أفعل شيء بعد "
وقبل أن تستفسر كهرمان عما يقصده، قاطع ذلك الحوار المشوق بالنسبة لإيفان والحارق للأعصاب بالنسبة لكهرمان والتي كادت تفحمه بخطبة طويلة تصمته _ كما اعتقدت _ فمن ذا الذي يستطيع أن يضمن إيفان أو أرسلان حتى إن تحدثوا ؟؟
قاطع كل ذلك استئذان أحد الجنود للدخول ومن ثم ارتفاع صوته يتحدث بجدية وهو ينظر لإيفان باحترام :
" سيدي وصلتنا أخبار من أحد الحراس الذين يشرفون على نظام الأسواق أن هناك قتال قوي نشب هناك "
نظر له إيفان ثواني يقول بصوت عادي قبل أن يستوعب ما يحدث :
" وما الذي في ذلك ؟؟ دعهم يتدخلون ويفصلون بين المتقاتلين وليأتوا بهم لأرى ما حدث بينهم"
لكن الحارس ابتلع ريقه يقول بصوت هادئ وهو ينظر للملك بتردد :
" مولاي القتال ليس مجرد مشاجرة بين تجار أو تاجر وشاري، بل هو قتال أشبه بالحروب بين قائد الجنود و...الأميرة زمرد وبعض الأشخاص مجهولي الهوية، لقد تحول السوق لساحة حرب بكل ما للكلمة من معنى "
اتسعت أعين إيفان بصدمة كبيرة وهو يهتف دون تفكير :
" زمرد ؟؟"
ابتسمت كهرمان بسمة واسعة :
" نعم ستفتخر بما تستطيع اميرات مملكتك فعله مولاي ...."
_________________________
تشاهدهن بأعين متسعة، تراقب الحركات باهتمام شديد وسؤال واحد فقط هو ما طرأ على عقلها في هذه اللحظة، هل يعلم رجل الكهف خاصتها هذه الأمور ؟!
هل سبق ورأى من قبيل الصدفة حتى ولو لمرة واحدة في حياته امرأة ترقص بهذا الشكل في المملكة ؟؟
وعقلها الذي يدرك أي نوع من الرجال تزوجت نفى تلك الفكرة، لكن الجزء الذي يحب أن يحيل حياتها لجحيم أخبرها أن رجل في عمر الثالثة والثلاثين تقريبًا، لا يعقل أنه عاش كل هذا الوقت لم ير امرأة ترقص ولو بالصدفة لثواني، أو ربما فعل .
كانت تجلس في تجمع نسائي بعدما ملت الجلوس وحدها حينما فشلت في إيجاد إحدى الفتيات، فعرضت عليها إحدى العاملات مرافقتها إلى الغرفة التي تقع في أقصى حدود القصر بعيدًا عن الرجال والتس تقضي النساء فيها معظم وقتهن .
حدثها عقلها في هذه اللحظة وهي تسمع صوت تلك المرأة الجميل وحركاتها الرشيقة وقرع الدف جوارها يزيد من حماسة الأجواء "وماذا في ذلك تبارك ؟؟ لا تقسي على نفسك عزيزتي، أنتِ وُلدتي في بيئة مختلفة عنهن لذا من الطبيعي ألا تعلمي فنونهن، لا بأس أن تجهلي رقصاتهن، لكن ما حجتك لتجهلي كذلك الرقصات التي ترعرتي وسطها أيتها الجاهلة الغبية عديمة النفع ؟؟"
" حاسة إن باجي على سالار بزيادة، اكمنه يا عيني على الله وميعرفش حاجة في حياة الستات ومش فاهم أي حاجة بستغل ده اسوء استغلال "
ابتسمت بعد تلك الجملة بحسرة وقد قررت أنه الوقت المناسب للانسحاب من بينهن كي لا تظهر نظراتها الحاسدة لهن على الملأ.
خرجت وهي تحمد الله، على زوجها العزيز الذي ربما لا يعلم عن الرقص سوى أنه نوع من أنواع الرياضة ربما .
وعلى ذكر زوجها البدائي المسكين الذي لا يفقه عن حياة النساء سواها هي، ابصرته يركض بسرعة كبيرة في الإرجاء وخلفه العديد من الرجال، يركضون بسرعة كبيرة حول ساحة القتال وقد أظهرت قطرات العرق التي تعلو وجهه والجميع أنهم يركضون منذ فترة ليست بالقصيرة و.....
مهلًا، ساحة القتال ؟؟ ما الذي جاء بها لساحة القتال هي ؟؟
نظرت حولها بصدمة كبيرة تحاول إدراك كيف وصلت بقدمها صوب هذا المكان، ربما هو عقلها الباطن الذي تمنى رؤيته في هذه اللحظة، و...حسنًا عقلها الباطن كان محقًا فمن يستطيع تفويت مثل هذا المشهد عليه ؟؟
ابتسمت دون شعور وهي تراقبه .
بينما عند سالار كان يركض بسرعة كبيرة وقد بدأ العرق يتساقط بشدة وهو يصيح بصوت جهوري كل ثانية :
" تبقى خمس جولات، أكملوا "
تنفس الجنود بصوت مرتفع، أو ربما كان زفير تعب، لكن سالار لم يعنيه كل ذلك وهو يكمل طريقه دون أن يهتم بأي شيء حوله، دار بعيونه في المكان بشكل سريع كعادته، ومن ثم عاد بعيونه صوب الطريق أمامه يكمل ركض، لكن فجأة توقف جسده بسرعة كبيرة مخيفة جعلت جميع الجنود يتوقفون كذلك دون مقدمات وبشكل كاد يسقطهم ارضًا .
نظر لهم سالار يهتف بجدية :
" لا عليكم أكملوا الركض، تبقى خمس جولات "
أشار لهم بالاستمرار وهو تحرك بسرعة صوب تلك التي تقف هناك في منطقة الرجال والتي حذرها مئات المرات أن تطئها .
نظر حوله بغضب قبل أن يتحرك بسرعة صوبها يقترب منها وهي ابتسمت له بسمة واسعة جعلت يود لكمها لتتوقف عن كونها حمقاء يمكن خداعها أو اذيتها .
وبمجرد أن وصل لها رفعت يدها تقول ببسمة واسعة :
" مرحبًا يا وسيم ..."
وهو فقط وبدون مقدمات امسكها من يدها يجرها خلفه بعيدًا عن منطقة تدرب رجاله :
" مرحبًا يا كارثة ..."
جذبها بعيدًا خارج منطقة التدريبة بالكامل قبل أن يتسدير وينظر لها بغضب وهي فقط ابتسمت له تقول :
" كنت رائعًا هناك "
" أنتِ تصرين على جعلي أخرج بالشكل الشرير في هذه الحكاية، تظهرين بشكل لطيف مستفز لي، وأنا أظهر بشكل قذر، لو أن ما يحدث معنا قصة لقال الجميع أنني الشرير الخاص بها بسبب تصرفاتي التي تدفعينني إليها بتصرفاتك "
نظرت له تبارك بعدم فهم لا تدرك ما يريده من كل ذلك الحديث :
" لا افهم ما تريد قوله، هل تريد تحويل حكايتنا لقصة مكتوبة ؟؟ ربما يستطيع العريف فعل الأمر اعتقد أنه يجيد الكتابة أو ربما ساعدنا مرجان في ذلك، تخيل أن نصنع كتاب يضم حكايتنا ونورثه لابنائنا"
كانت تتحدث يكل عفوية وهو يراقبها مصدومًا حقًا من طريقة تفكيرها، قبل أن يبتسم بغضب يقترب منها خطوات أكثر وهي تراجعت للخلف بريبة :
" ايه بتقرب ليه ؟؟ احنا برة الغرفة على فكرة "
تشنج وجه سالار يهمس لها باستنكار :
" من يسمعك الآن سيظن أنني افعل اشياء مخجلة داخل الغرفة، يا ويلي أنا أكثر شيء منحرف فعلته كان عناقك تبارك "
اشتد خجل تبارك وهي تتراجع عنه ترفض أن تستسلم لكلماته تلك، وهي من كانت ترثيه منذ ثواني وتصفه بالمسكين الذي لا يفقه شيء، تالله ما من مسكين سواها هنا .
" سالار أنت بدأت تتجه لطريق آخر لا أحبذه، أنا افضلك جادًا عن كونك منحرفًا "
اتسعت أعين سالار بصدمة يهمس :
" منحرف ؟؟ أنا ؟؟ لأنني عانقت زوجتي ؟؟ ما هذه المسميات التي تصفين بها افعالي يا امرأة ؟؟"
نظرت له بحنق :
" لقد كنت منذ ثواني في الغرفة المنعزلة للنساء "
" ومن ثم ؟!"
" هذا يجعلني أتساءل، هل سبق وحضرت حفلة مختلطة أو ربما زفاف، سبوع ...صباحية ..أي حاجة فيها ستات ؟؟"
لم يفهم سالار ما تقصد يهمس باستنكار :
" ماذا ؟! ما هذه الجملة الأخيرة ؟!"
" باختصار سالار هل سبق لك وحضرت أي احتفال بوجود النساء ؟؟"
" لا نحتفل بوجود النساء تبارك، النساء لهن احتفالات خاصة والرجال كذلك "
ابتسمت له تهز رأسها براحة شديدة وهي تهمس في نفسها كلمات خفيفة :
" جميل، لسه بيور "
" ماذا ؟!"
" ايه ؟!"
" ماذا قلتي للتو ؟!"
" أنا ؟؟"
" تبارك توقفي عن هذه التصرفات وادعاء الحماقة عزيزتي، ما سبب سؤالك هذا ؟؟ هل تخططين لعمل احتفال في القصر ؟!"
فتحت تبارك عيونها بصدمة تحاول أن تبعد أفكاره عن مجرى أفكارها بعرض أسخف الأفكار في رأسها وهي تنفي بكلمات غير مرتبة :
" لا يا شيخ متقولش كده هو أنا يعني معنديش دم اعمل احتفال في وسط الظروف المنيلة اللي بتمر بيها سفيد دي ؟؟ ايه معنديش دم ؟! أي نعم أنا مش سفيدية بس كلنا عرب في الآخر يا جدع "
تشنجت ملامح سالار وهو يستمع لكلماتها وهي نظرت له تقول بترقب :
" ايه ؟؟"
اجاب سالار بهدوء وبمنتهى البساطة :
" نحن لسنا عرب "
" أنت بتستعر من اصلك ؟؟ "
فرك سالار ذقنه يقول بجدية :
" تبارك عزيزتي نحن لسنا عرب، نحن من اصل الفرس "
صمتت تبارك ثواني وكأنها نست تلك النقطة خلال هذه الفترة التي عاشتها بينهم لكثرة تحدثهم معهم بالعربية :
" أوه صحيح لقد نسيت الأمر، حسنًا وأنا مصرية، تشرفت بمعرفتك "
ابتسم لها سالار ثواني قبل أن يضحك ضحكة خافتة :
" نعم أعلم، تشرفت كذلك بتعرفي لأحد المصريين "
هزت تبارك رأسها بتفاخر وهي تحرك حاجبيها له بمزاح :
" نعم يحق لك التفاخر بذلك، ستمتلك زوجة مصرية عربية مسلمة "
اقترب منها سالار خطوات بطيئة يقول بصوت هامس بالقرب منها :
" وأنتِ ستمتلكين زوجًا فارسيًا مسلمًا "
رفعت عيونها له تهتف ببسمة وهي تطيل التحديق بعيونه :
" يسعدني أن أفعل "
ابتسم لها سالار يمد يده لها بحنان لتغمض هي عيونها تنتظر لمساته الحنونة المعتادة لوجنتها، لكن فجأة شعرت بشيء يوضع على وجهها، فتحت عيونها بتعجب تبصر وجه سالار الذي قال بتنبيه :
" هذه ستكون المرة الأخيرة التي تتحركين بها دون غطاء وجه "
نظرت تبارك ليده التي أعادت غطاء الوجه لها، لترفع حاجبها بحنق شديد، ولم تكد تتحدث بكلمة حتى انتبهت هي وسالار على تلك الجلبة التي حدثت في المكان، تحركت الأعين صوب تجمع الجميع ليبصر سالار إيفان يمسك الحصان من أحد الجنود ويتحرك بسرعة كبيرة وخلفه بعض الجنود .
تحرك يتحدث بجدية وهو يشير لتبارك بالعودة لغرفتها :
" تحركي صوب الغرفة تبارك "
ختم حديثه يتحرك صوب إيفان بسرعة كبيرة، وتبارك تحركت خلفه وكأنه لم يأمرها منذ ثواني بشيء، تتحرك بفضول وهو اقترب من إيفان الذي صعد فوق حصانه بتحفز :
" إيفان ما الذي يحدث ؟!"
نظر له إيفان يقول بسرعة قبل أن يتحرك :
" يبدو أن زمرد أشعلت حربًا مُصغرة في الأسواق بدعم من قائد الرماة سالار "
تقدم بسرعة مبتعدًا عن سالار الذي قال بصدمة :
" الأميرة زمرد ودانيار ؟؟؟"
__________________________
قبل ساعة من كل ذلك في أسواق العاصمة ..
سحبت السيف من المحل دون اهتمام بصراخ الرجل أو الجندي، بل ركضت في الأسواق تتوعد بالويل للرجال، تكره نفسها أنها ازعنت لحديث دانيار وتركته وحده في وسط كل هؤلاء القذرين وهي أكثر من تعلم غدرهم .
نبض قلبها برعب تزيد من ركضها بين الجميع في السوق بشكل جذب انتباههم ليحاولوا معرفة ما يحدث، وهي لا ترى سوى الزقاق الذي تركت به دانيار تردد بإصرار شديد :
" أنا قادمة دانيار، سأقتلهم إن مسه خـ...."
فجأة توقفت بصدمة في منتصف السوق وهي تبصر اندفاع شديد لقومها يركضون برعب وهم يصرخون يحاولون الفرار من أحدهم، يركضون حولها في كل مكان وهي تنظر لهم بعدم فهم .
تتنحى جانبًا بعيدًا عن ركضهم تضم يديها لنفسها لا تدرك ما يحدث، مما يركض هؤلاء القوم، وفجأة أبصرت دانيار يركض بجنون مخيف وهو يحمل قوسه والسهام، يلاحقهم بضراوة واعين حمراء غاضبة وقد تخطى زمرد دون حتى أن ينتبه لها .
كل ذلك وزمرد تقف في منتصف الطريق متسعة الأعين فاغرة الفاه، وفي ثواني أدركت ما يحدث لترفع سيفها وهي تركض في نفس الاتجاه تصرخ بجنون :
" انتظرني أنا قادمة "
وبهذا أصبح المنبوذون يركضون وخلفهم دانيار ومن ثم زمرد ..
ودانيار الذي وبمجرد تحرك زمرد مع الجندي تحول بشكل مخيف يتذكر كل ما نال زمرد بسببهم ليخرج سهامه ويسقط منهم ما يسقط مصيبًا إياهم إصابات سطحية تمنعهم الحركة ولا تقتلهم، فهم سيحتاجونهم في التحقيق ...
ولأنه يستطيع إصابتهم من على بعد كبير دون الحاجة للاقتراب، كان هذا في صالحه ليتفادي تكالبهم عليه، وانتصارهم لكثرة عددهم، لم يعطهم فرصة التنفس وهو يخرج أربعة سهام يصوب على كل من تقع عيونه عليه حتى فروا مرتعبين أن تصيبهم سهامه ..
وها هو يركض خلفهم حتى حاصرهم في إحدى الزوايا واخيرًا وقد خرجوا بالكامل من منطقة الازدحام في الأسواق وهذا لصالحه بالطبع .
ابتسم دانيار يخرج السهام المتبقية معه يقول :
" متبقي ثلاثة أسهم فقط، ترى من نصيب من منكم ستكون ؟!"
نظر الرجال لبعضهم البعض وهم يحاولون الاقتراب منه لإيقافه، لكن دانيار رفع السهام في وجوههم يهمس بشر :
" إياك أن تفعل أيها اللقيط، تراجع للخلف يا وسخ، لعنة الله عليكم اجمعين "
تراجع الرجل للخلف يقول بصوت خافت وانفاس لاهثة :
" ما الذي تريده أنت ؟! أنت تتهجم علينا دون سبب، أوليس هذا مرفوضًا في دينك الذي تتغنوا به ؟! ام هي شعارات فقط ؟؟ ترفع سلاحك في وجه عُزل ؟؟"
ابتسم لهم دانيار وهو يسخر منهم :
" من يتحدث الآن ؟! سفير السلام في الممالك ؟؟ لا ينقصك سوى أن تخرج مسبحة من جيبك وتستغفر ربك "
صمت ثم قال بشر :
" ديني يأمرني ألا اقاتل اعزلًا أو امارس قوتي على ضعيف، لكن أي أعزل هذا وأنتم تمتلكون كل هذه السيوف ؟؟ وأي ضعيف هذا وأنتم استكبرتم في الأرض؟!"
اقترب خطوات أكثر منهم وهو يحدق فيهم بشر :
" والأهم من كل ذلك، أي سلام مع شعب غدر ببلاد آمنة وقتلوا منهم ما قتلوا وانتهكوا النساء وشردوا الاطفال بعدما قتلوا نصفهم، أي تبجح هذا الذي يجعلك تطالبني برحمتي ؟؟"
كانت كل خطوة يقتربها منهم دانيار يعودها الجميع للخلف .
اتسعت بسمة دانيار وهو يرفع سهامه في وجوههم سوى دموع زمرد وشهقاتها ترن في أذنه وهو يردد :
" أي أمنية أخيرة ؟؟"
واخيرًا وصلت زمرد التي كانت تحاول أن تلتقط أنفاسها وهي تردد :
" انتظر ...انتظر .."
كانت تحاول التنفس وهي تستند على ركبتيها، ترفع لهم إصبعها إشارة منها أن ينتظروا والجميع يحدق فيها بترقب واستنكار حتى اعتدلت تنفخ بصوت مرتفع تقول :
" حسنًا أين كنا ؟!"
نظر لها دانيار بغضب شديد :
" كان من المفترض أن تكوني في القصر الآن"
" نعم لكنني هنا الآن، لذا دعنا ننتهي من الأمر سويًا ونعود للقصر "
ازداد غضب دانيار وهو يحرك عيونه عليهم وعليها بسرعة كبيرة ومازال يرفع سهامه في وجوههم ..
وقبل أن يتحدث أحدهم بكلمة تحرك أحد المنبوذين بسرعة كبيرة يرفع سيفه متحركًا صوب زمرد بغية الامساك بها وأخذها رهينة للنجاة من هذا المجنون هنا، مجرد تفكير غبي متهور من شعب لا يفكر سوى في الغدر والنجاة بأي طريقة ..
لكن وقبل أن يصل لها كان سيف زمرد يلوح أمام عيونه وهي تردد بسخرية مخيفة :
" ليس بهذه السهولة يا وسخ، ألم يخبرك هؤلاء الحمقى عني ؟!"
نظر لها الرجل وللسيف بارتجاف غير محسوس، وفي ثواني كان رفاقه يشتبكون مع دانيار، لتشتعل المعركة بينهم في ثواني .
بدأت سهام دانيار تنفذ وهو ينظر لهم بغضب يطلق سبة منخفضة، ثم مال يخرج خنجرًا من حزام صغير يعقده جوار حذائه :
" عليّ التفكير جديًا في حمل سيوف معي "
انتهى من حديثه يتحرك صوب أحد الرجال الذي هاجمه بسيفه ليحاول دانيار تجنبه، لكن كانت النتيجة جرح شبه عميق في كتفه، كتم تأوهه يطلب سبات متتالية جعلت أعين زمرد التي كانت تقاتل اثنين تتسع وهي تردد :
" انظروا من سليط اللسان الآن، هذا لتدرك أنني مسالمة وهم من يخرجون اسوء ما في "
رفع دانيار قدمه يضرب الرجل في معدته بقوة وحين سقط ارضًا انقض عليه بخنجره يصيبه، ثم اعتدل يمسح الخنجر في ثيابه ينظر صوب زمرد يقول :
" لست اسفًا لقول هذا لكن في الحقيقة قومك قذر وسخ حقير "
" نعم عليك ألا تكون آسفًا في الحقيقة "
في هذه اللحظة وحين بدأ القتال يشتعل استمع الجميع لصوت جهوري يجمدهم ارضًا تبعه اصوات كثيرة صاخبة .
" ما الذي يحدث هنا في مملكتي ؟؟"
تجمدت جميع الاجساد واستداروا صوب الصوت ليبصروا إيفان الذي كان يقف بكل قوة يحمل سيفه، وجواره سالار الذي كان يضم يديه لصدره يراقبهم بأعين غامضة متفحصه، وتميم الذي حمل سيفه والسلسلة الحديدية الخاصة به، وبعض الجنود المتحفزين لحرب ضارية وليس مجرد قتال في الشارع.
في هذه اللحظة فقط أدرك المنبوذين أنهم أصبحوا في عداد الموتى، وأن الحل الأسلم لنجاتهم هو ...الاستسلام .
________________________
كان يجلس على مقدمة الطاولة وهو يحمل كتابه كالمعتاد يراقب الجميع من خلف صفحاته ببرود شديد قبل أن يزفر قائلًا بسخرية :
" أنتم لا تتذكرون وجودي إلا في حالة سقطت كارثة على روؤسكم صحيح ؟!"
نظر الجميع لبعضهم البعض وتحدثت برلنت بصوت هادئ وخافت تحاول أن تدعي القهر :
" أولست أنت العريف في هذه المملكة !!"
نظر لها العريف بترقب لتكمل ببسمة :
" وامي كانت تخبرني منذ الطفولة أن مهنة العريف هي أعلى وأسمى مهن المملكة، وأن الشخص الذي يصبح عريفًا يتسم بالحكمة والصبر والذكاء الخارق، حتى أنني للحظة كنت اريد أن أكون عريفة "
تشنج وجه العريف ساخرًا :
" نعم هذا ما ينقصنا، كل من يجد نفسه متفرغًا يصبح عريفًا "
ختم حديثه ينظر صوب مرجان الذي كان يجلس في أحد الأركان جوارهم يجمع حوله العديد من الكتب، لكن حين شعر بالانظار توجه عليه رفع عيونه للجميع يقول بعدم فهم وهو ينظر حوله :
" ماذا ؟؟ هل تحتاجون لشيء ؟؟"
ابتسمت له تبارك تجيبه بهدوء :
" لا، شكرًا لك مرجان، عد لما كنت تفعل "
هز مرجان رأسه وهو يعود للقراءة والتفحص، بينما زمرد لوت شفتيها بحنق تهمس :
" هذا الشاب لن يتوقف حتى ينفجر عقله ومقلتيه بسبب القراءة، غبي "
عادت بانظارها للعريف الذي كان ينتظر ما يريدونه منه، بينما كهرمان تتابع كل ذلك بملامح متذمرة .
وبرلنت أكملت حملة مدح العريف التي أقامتها منذ جاءت :
" إذن أنت هنا لتساعد الشعب في حل مشاكله صحيح ؟؟"
" وهل أخبرك أحدهم أنني أعمل مستشارًا نفسيًا أو قاضيًا؟؟ دعوني ومشاكلي في الحياة فهي تكفيني لاحمل مشاكل غيري "
نظرت برلنت لزمرد التي أحدثت بحنق شديد :
" اسمع أيها العريف "
أشار لها العريف بتحذير :
" تحدثي باحترام يا فتاة كي لا اطردكم جميعًا للخارج "
زفرت زمرد بسخرية تبتسم له :
" أنت في كل الأحوال ستطردنا، لذا سأتحدث كيفما اشاء "
هز لها العريف رأسه باقتناع :
" نعم هذا صحيح، ما الذي تريدونه ؟؟"
تحدثت برلنت بصوت خافت :
" أريد أن تساعدني في مراضاة تميم "
قالت زمرد وهي تتدخل بسرعة :
" وأنا أريدك أن تتوسط لي عند إيفان و...دانيار كذلك"
تنحنحت كهرمان تقول بصوت خافت وهي تحاول ألا تمحو نظرات الكبرياء في عيونها :
" وأنا ربما الملك غاضب مني بسبب طريقتي الوقحة بعض الشيء في الحديث، لذا ربما تساعدني في هذا الأمر فأخلاقي لا تسمح لي بالإساءة لأحدهم وتجاهل الأمر "
تحركت أنظار العريف صوب تبارك التي كانت تتابع الجميع بانتباه يقول :
" وأنتِ لا تريدين مني أن اتوسط لكِ عند أحدهم ؟؟"
نظرت له تبارك بعدم فهم قبل أن تستوعب فجأة ما يقصد :
" أوه لا، أنا بخير جئت فقط معهن لأنني لا امتلك ما افعل في الحقيقة "
رفع العريف حاجبه، ثم نظر للنساء وهو يقول بحنق :
" هل تتحدثون مع مستشار في العلاقات الإنسانية ؟؟ أنتم الآن أمام أكثر انسان يشجع قطع أي علاقة في هذا العالم، ثم على تظنون علاقتي بالرجال جيدة لدرجة التوسط لكم عندهم ؟؟ إن كنتن تسعين لخراب كل تلك العلاقات فلا بأس سأتوسط "
تحدثت زمرد بكل وقاحة دون أن تأبه لشيء :
نحن لم نأتي هنا لتتوسط لنا، بل جئنا لتحل لنا مشاكلنا فقط، أولست أنت العريف هنا تعلم حل جميع المشاكل ؟!"
رمقها العريف ثانية قبل أن يردف بسخرية لاذعة :
" من ذلك الاحمق الذي أخبرك بهذا ؟؟"
نظر الجميع صوب برلنت التي قالت بغيظ :
" ماذا امي هي من كانت تخبرني ذلك كل يوم "
التوى ثغر زمرد وهي تتمتم بغضب شديد وقد سئمت من كل ذلك :
" وهل تصدقين كل ما تخبرك به والدتك قبل النوم برلنت ؟! لقد كانت والدتي تخبرني أن هناك وحش يتناول الصغار الذين يسرقون الأسلحة ويضربون بها صغار المنبوذين، لكن هل حدث وتناولني ؟؟ لا، كل هذه اساطير كأن يساعدك العريف "
هزت تبارك رأسها وهي تضيف بجدية :
" بالضبط زي امنا الغولة كده "
تنفست برلنت بصوت مرتفع :
" حسنًا، دعونا من كل ذلك ولنجد حلولًا لما يحدث معنا هنا "
شردت زمرد بعيدًا وهي تحاول إيجاد حل لما فعلت وعقلها يعيد عليها آخر مشهد مع إيفان الذي بمجرد أن أبصر بقايا قومها الذين نجوا من دانيار حتى تحرك صوبهم بغضب يجرهم صوب القصر هم ومن تركهم دانيار مصابين في الزقاق، وقبل ذلك لم ينس أن ينظر لها بشر راميًا بآخر كلماته معها :
" عودي للقصر مع الجنود، لنا حوار يجمعنا بعدنا ننتهي من الكارثة الاولى زمرد ."
ومنذ تلك اللحظة وهي تحاول أن تفكر في شيء قد يقلل من ميزان خطاياها عند إيفان والذي تشعر أنها أثقلت عليه أكثر مما يجب وهي لم تكمل شهرًا واحدًا معه حتى .
وعلى ذكر ميزان خطاياها، ها هو أول ثقل يقترب منها حين سمعت صوت الحارس يهتف بجدية في الجميع :
" الملك يستدعي الجميع لأجل المحاكمة "
نظر الجميع صوب زمرد بتردد وهي فقط ابتلعت ريقها تنهض عن مقعدها تقول بضيق :
" لنتحرك جميعًا "
وبالفعل تحركت والجميع خلفها دون كلمة واحدة والعريف نهض يزفر بغيظ شديد متمتمًا :
" حتى وهي ميتة تصر على تحويل حياتنا لتعيسة يا الله من تلك المرأة .."
________________________
" سيكون كل شيء بخير "
رفع إيفان أنظاره لسالار الذي كان يرتدي ثوبه العادي باللون الاسود المطرز بالاحمر، مرددًا :
" ستكون أختك بخير اطمئن "
ابتسم إيفان بسمة صغيرة يحاول صرف ذهنه عما سيحدث بعد قليل :
" ربما، لكن مكانة القاضي لن تكون بخير بعدما تتولاها أنت بهذا الثوب سالار "
نظر سالار صوب الثوب بعدم فهم والذي كان ستكون من بنطال وسترة، ثياب مريحة تصلح للخروج مع زوجته، أو تصلح للتحرك بها بين ممرات القصر بكل راحة، أو ربما تصلح للسفر بها إلى مشكى وزيارة أرسلان، لكنها بالطبع لا تصلح بأي شكل من الأشكال أن تكون ثوب رسمي لقاضي في محاكمة سفيد ...
نظر سالار لنفسه ثواني قبل أن يرفع عيونه بسخرية صوب إيفان مرددًا :
" صدقني لم يمنحني أحدهم المعطف الملكي والتاج ورفضت "
أطلق إيفان ضحكات مرتفعة في وقتٍ كان في أمس الحاجة لشيء يهون عليه، وفي نهاية ضحكته خرجت زفرة متألمة استشعرها سالار بكل وضوح، لذا أراد صرف انتباهه عما سيحدث بعد قليل :
" حسنًا نحن على موعدنا بعد المحاكمة صحيح ؟؟"
نظر له إيفان ببسمة واسعة يقول :
" ستكون هذه النزهة هي الشيء الوحيد الذي يرفه عني هذه الأيام حقًا، أنا فقط انتظر أن ننتهي من كل هذا لتنفس بعض الهواء النقي وأخرج للاستمتاع بعض الوقت، سيكون هذا مفيدًا "
" نعم سيكون مفيدًا للجميع وممتعًا كثيرًا، خاصة أننا لم نتجمع في مثل هذه الجلسات منذ سنوات طويلة، تحديدًا منذ تغابيت أنت وارسلان وتشاجرتما .."
تجاهل إيفان جملته الأخيرة، ونهض بحماس شديد وهو يربت على كتف سالار بسعادة :
" إذن نلتقي بعد المحاكمة، والآن اسبقني لقاعة العرش، سأحضر زمرد والحق بك "
هز له سالار رأسه وهو يتحرك ليسبقه، بينما إيفان تنهد بصوت مرتفع، ومن ثم تحرك خارج الغرفة يتوجه صوب غرفة زمرد وهو يفكر في تلك الرحلة التي ربما ستساهم في تحسين مزاجه للفترة القادمة، هو عانى من ضغط كبير الايام السابقة ورحلة كهذه ستفيده كثيرًا .
توقف أمام باب غرفتها يطرق الباب الخاص بها وانتظر ثواني قبل أن يُفتح الباب على مصراعيه أمام عيونه، فتح فمه للحديث، لكن فجأة توقفت كلماته يبصرها تواجهه بملامح مصدومة قليلًا متوترة وبشدة .
ترددها جعل إيفان يبتسم بسمة واسعة يدرك تأثير حضوره عليها، أو هذا ما تمناه هو في الحقيقة .
" مرحبًا "
ابتسمت له بسمة صغيرة :
" أوه مرحبًا جلالة الملك "
رفع حاجب إيفان بسخرية :
" مرحبًا سمو الأميرة .."
نظرت له ثواني قبل أن تتحرك تقول بسرعة:
" زمرد تنتظرك سأناديها لك "
وقبل أن تتحرك ظهرت زمرد من خلفها تقول :
" أنا هنا "
ابتسم إيفان بحنان شديد وهو يمد يده لها قائلًا :
" اقتربي حبيبتي "
نظرت له بتوتر شديد ليطمئنها بنظراته :
" لا تقلقي لن يمسك سوء، أما أن يبرأك سالار من هذه التهمة، أو يثبت تهمة القتل على كلانا بعدما اتخلص منه "
ضحكت زمرد ضحكة صغيرة وهي تقترب منه تسلمه يدها براحة وشعور أمان بدأ يتسلل لها، بينما كهرمان تتابع ما يحدث وهي تلوم نفسها على تفكيرها الغبي الذي دفعها للظن أنه يسيئ معاملة زمرد .
نظرت لها زمرد وهي تبتسم بسعادة وكأنها تخبرها أن ترى ما يفوتها لأنها ليست زوجة إيفان، وفي الحقيقة زمرد لم تكن من ذلك النوع الذي يحب التلميح، بل قالت بكل صراحة :
" انظري إلى أخي حنون وسيم حكيم ذو هيبة تبارك الرحمن، أنتِ يا ابنتي فاتك الكثير في تلك السنوات التي قضيتها دون أن تكوني زوجة لهذا الوسيم "
ابتسم لها إيفان يكتم ضحكاته، يحاول عدم الاندماج في مثل تلك الأحاديث، يجذب يد زمرد :
" هيا زمرد الجميع ينتظرنا.."
تحركت معه بسخرية :
" وكأنهم يترقبون لحظة زفافي، وأنتِ يا زوجة أخي الحقي بنا "
رمقتها كهرمان بشر وهي تود الصراخ في وجهها، لكن زمرد قاطعتها تقول بجدية :
" تذكري كم محاكمة وقفت فيها جوارك ودافعت عنكِ "
ختمت حديثها تتحرك مع إيفان تاركة كهرمان ترمق أثرهما وهي تفكر في حديث زمرد تهمس باعتراض وحنق :
" تلك الحقيرة تنافس شقيقها إزعاجًا...."
لحقت بهما بسرعة تتحرك صوب المحاكمة لتقابل تبارك التي كانت ترتدي فستانًا جميلًا وحجاب زادها بهاءً ولثام يغطي وجهها بالكامل .
" تبدين جميلة تبارك ؟؟ هل هناك مناسبة ما أم هذه الثياب خصيصًا لأجل محاكمة زمرد ؟؟"
ابتسمت تبارك تقول:
" حسنًا هذا هو الثوب الوحيد الملائم لي في ثيابي النظيفة لذا ارتديته، لم أرد أن افوت هذه المحاكمة بأي شكل من الأشكال ."
هزت كهرمان رأسها تقول :
" نعم لا نستطيع لأجل زمرد "
أسرعت تبارك الخطى وهي تقول بجدية وبساطة شديدة :
" زمرد من ؟؟ أنا أريد رؤية زوجي وهو قاضي، سيكون رائعًا وهو يحكم على زمرد سليطة اللسان هذه، لقد اوصيته بها "
اتسعت أعين كهرمان تسير خلف تبارك بأقدام سريعة لا تصدق حقًا ما يحدث حولها تردد بصوت منخفض :
" صدق أرسلان حين أخبرني أنكم مملكة مجانين ...."
تحرك الجميع داخل القاعة ليبصروا سالار يتوسط القاعة وأمامه زمرد وإيفان وكذلك العريف وقد انتبه لهم الجميع وانتشر الترقب بين الكل للمحكمة المرتقبة، مقتل الملكة على يد الأميرة الجديدة .
وها نحن ذا ......
______________________
تبقت خطوة واحدة على المعركة الأخيرة، خذها إن استطعت .....
وتذكر أنها حرب إما أن تنتصر أو تنتصر، لا خيار ثالث أمامك.
دمتم سالمين .
رحمة نبيل