الفصل الرابع
.
الفصل الرابع: "كشخة العيد.. ودموع على عتبة الباب"
جاء عيد الفطر، والناس كلها فرحانة، والبيوت ريحتها بخور ومعمول. في بيت سديم، حصة قلبت الدنيا فوق تحت تنظيف وترتيب، وطبعاً الكرف كله كان على راس سديم المسكينة.
ليلة العيد، دخلت حصة ومعها أكياس مليانة ملابس جديدة لبنات أخوها اللي بيجون يزورونها. سديم كانت تناظر الأكياس وعيونها تلمع، تحريت إن فيه كيس لها.
سديم (بصوت يرجف من الأمل): "خالتي حصة.. أنا مريولي حق العيد وين؟"
حصة (ناظرتها بطرف عين وهي ترتب بخورها): "مريول؟ أي مريول يا بنت؟ أنتي نسيتي إن أبوتس عليه ديون؟ احمدي ربتس إن عندتس سقف يظلتس. اطلعي للمستودع، فيه فستان "نيلي" حق بنت أخوي نورة، قديم بس نظيف، البسيه وبلا دلع بنات!"
سديم راحت للمستودع، لقت الفستان.. كان باهت، وناقص منه زرارين، وريحته "نفتالين". بكت سديم بمرارة، كانت تتمنى لو مرة واحدة تلبس شيء جديد، شيء ريحته "محل" مو ريحة "مستودع".
الموقف "اللي يبكي الحجر": عزام والريال المقطع
في الجهة الثانية، أبو حمد كان قاسي على عزام حتى في العيد. عطاه "ريال واحد" مقطع، وقال له: "هذا عيديتك، ورح غسل الجيب قبل يروحون الناس للمصلى، لا بارك الله في ذا الوجه!"
عزام كان يطالع الجيران وهم يطلعون بملابسهم البيضاء اللي "تلق" لق، وهو بثوبه الوصخ يفرك كفرات السيارة. شاف سديم جالسة عند عتبة الباب بوسط الحوش، لابسة الفستان النيلي الباهت، ومنزلة راسها بين رجولها وتصيح بصوت مكتوم عشان ما تسمعها حصة.
عزام ما قدر يتحمل المنظر. ناداها بصوت واطي: "سديم! يا سديم! ارفعي راستس، اليوم عيد!"
سديم (رفعت راسها ووجيهها غرقان دموع): "أي عيد يا عزام؟ شف لبسي.. شف حالي.. حتى البنات بكرة بيضحكون علي في المصلى."
عزام سكت شوي، وقلبه يتقطع. تذكر "البلاطة" اللي يجمع تحتها القروش. راح ركض لغرفته، طلع "الكنز" اللي جمعه من بيع العلب المعدنية طول الشهور اللي راحت. كان المبلغ بسيط (15 ريال)، بس بالنسبة له كان يمثل "ثروة".
....
عزام استغل انشغال أبو حمد بالقهوة، وراح ركض للمحل اللي في طرف الحارة "محل الخردوات والألعاب". اشترى "ربطة شعر" حمراء تلمع، وعطر صغير بريحة الورد، و "كيس حلاوة" ملون.
رجع للسور، ونادى سديم: "غمضي عيونتس ومدي يدتس!"
سديم مدت يدها وهي مستغربة. حط في يدها العطر والربطة والحلاوة.
عزام: "هذا عيديتس يا سديم. واللبس ما يهم، تدرين ليش؟ لأن الوردة لو حطيتيها في علبة صدية، تبقى ريحتها ورد. وأنتي وردة هذي الحارة."
سديم شمت العطر وضحكت والدموع بوسط عيونها: "عزام.. أنت من وين جبت ذولي؟ أنت ما عندك فلوس!"
عزام (بمزح وكوميديا): "أفا عليتس! أنا "هامور" السكراب! بكرة بصير غني وأشتري لتس محل الملابس كله ونسكره علينا ونقعد نختار على مهلنا!"
......
سديم سألت عزام: "عزام، ليش أنت دايم تجبر خاطري وأنت خاطرك مكسور؟"
عزام تنهد وقال: "يا سديم، أبوي الله يرحمه كان يقول لي: (يا بني، ابحث عن الله عند المنكسرة قلوبهم). وأنا لما أفرحتس، أحس إن ربي يمسح على قلبي أنا. تدرين إن جبر الخواطر عند الله عظيم؟ يمكن هذي الربطة الحمراء تكون سبب في دخولنا الجنة."
سديم لبست الربطة الحمراء فوق شعرها، وفاحت ريحة الورد منها. دخلت حصة المطبخ وشمت الريحة.
حصة: "وش ذا الريحة؟ من وين لكتس عطر يا بنت؟"
سديم (بثقة وفرحة): "هذا عطر "الرضا" يا خالة.. ربي أرسله لي مع النسيم!"
حصة طارت عيونها: "نسيم؟ عز الله إن البنت استخفت!"
في ذيك الليلة، بينما الناس نايمين، كان عزام جالس تحت ضوء القمر يطالع في "الريال المقطع" اللي عطاه أبو حمد.
قال في نفسه: "والله يا أبو حمد، لـ يجي يوم وتتمنى إنك سلمت علي سلام.. والله لأخلي هالقروش تصير ملايين، وما تضيع دمعة سديم هدر."
هنا بدت فكرة "تجارة" صغيرة في راس عزام.. قرر إنه ما يكتفي ببيع العلب، قرر يبدأ يتاجر في "القدوع" (التمر) حق المزارع القريبة، ويبيعه في السوق الشعبي.
.....
ا