الفصل الثاني
الفصل الثاني: "رغيف الخبز اليابس.. ودموع القايلة"
مرت سنة على صداقة "خلف السور". سديم صار عمرها 9 سنوات، وعزام 11 سنة. القسوة زادت، والظلم صار "روتين" يومي.
في يوم كان البرد فيه ينخر العظام، حصة (زوجة أبو سديم) قررت تسوي "جريش" وتوزع للجيران، بس سديم؟ مالها إلا الفضلة.
حصة (وهي تلبس جلالها الشتوي):
"سديموه! اسمعي، بروح لبيت أختي مضاوي، والقدور هذي لا تلمسينها. والله لو نقصت ملعقة واحدة، لأكوي يدك بالسيخ المحمي! فاهمة؟"
سديم وهي ترتجف من البرد: "طيب يا خالة، بس أبي بطانية، البرد ذبحني."
حصة (تضحك بسخرية): "تغطّي بالخيشة اللي في المستودع، يقولون تدفي!"
طلعت حصة، وسديم راحت للمستودع، لقت خيشة رز قديمة، ريحتها غبار، تغطت بها وجلست تصيح بصمت. الجوع قرصها قرص، والبيت فاضي.
.......
طلعت سديم للحوش، شافت عزام عند السور، بس هالمرة منظره يقطع القلب. كان وجهه أزرق من البرد، وأبو حمد حارمه من الأكل لأنه "تأخر" في تنظيف المجلس.
سديم (بصوت مخنوق): "عزام.. أنت حي؟"
عزام (يرتجف وصوته يقطع): "الحمد لله.. يا سديم.. الحمد لله على كل حال."
سديم شافت في يده كسرة خبز يابسة مثل الحجر، وعليها تراب.
سديم: "وش ذا يا عزام؟ بتاكل تراب؟"
عزام (بابتسامة باهتة): "هذي طاحت من كيس الخبز حق أبو حمد، أخذتها من الأرض. يقولون التراب طهور يا سديم. أحسن من الجوع اللي يخلي الواحد ينسى ربه."
سديم بكت بحرقة: "أنا عندي جريش في المطبخ، بس حصة حلفت تكويني لو لمسته."
عزام وقف بشموخ رغم تعبه: "لا تلمسينه! لا تسرقين يا سديم. تدرين وش قال النبي ﷺ؟ (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه). اصبري، والله ربي بيطعمنا من فضله."
في ذيك اللحظة، هبت ريح قوية، وطيرت غطاء قدر الجريش في المطبخ، وطلعت الريحة. سديم وعزام وقفوا يطالعون بعض.
عزام: "شفتي؟ الريحة رزق من الله، شمّي واشبعي بالخيال!"
موقف كوميدي: "تكتيك التمويه بالبصل"
عشان يخففون الحزن، عزام قرر يسوي حركة "نذالة" في أبو حمد وحصة.
عزام: "سديم، حصة متى ترجع؟"
سديم: "بعد المغرب."
عزام: "اسمعي، روحي خذي بصلة كبيرة وافركيها في عيونك، وإذا دخلت حصة، سوي نفسك تبكين بحرقة وقولي (يا خالة دعيت لك في صلاتي وبكيت من كثر ما أحبك)!"
سديم (تضحك وهي تمسح دموعها الحقيقية): "تتوقع تصدق؟"
عزام: "الحريم يحبون المدح، جربي وشوفي!"
وفعلاً، دخلت حصة، لقت سديم عيونها حمراء وتشهق (من البصل).
حصة (مستغربة): "وش بلاك يا بنت؟ من طقك؟"
سديم (بتمثيل متقن): "محد طقني.. بس تذكرت فضلك علي يا خالة، وكيف أنك ربيتيني، ودعيت لك لين انفجر راسي من الصياح!"
حصة انصدمت، ولأول مرة في حياتها، رق قلبها (شوي بس): "خلاص خلاص، لا تموتين علينا، خذي هذي الملعقة جريش كليها وسدي حلقك."
سديم أخذت الملعقة وركضت للسور، مدتها لعزام من الفتحة: "عزام! خطتك نجحت! خذ ذوق الجريش!"
عزام أخذ الملعقة ودمعت عينه: "شفتي؟ ربي سخر لنا البصل عشان ناكل جريش!"
...
عزام وهو ياكل الملعقة، قال كلمة خلدت في ذاكرة سديم:
"سديم.. تدرين وش حلمي؟"
سديم: "تصير طيار؟"
عزام: "لا.. حلمي أصير غني، لدرجة إني أشتري هذا الشارع كله، وأبني فيه بيت كبير، وأحط فيه مائدة طولها كيلو، وأعزم كل يتيم ومظلوم، وأخليك أنتي المشرفة على المطبخ.. بس بشرط، ما تفركين بصل في عيونك!"
سديم ضحكت من قلبها، وما كانت تدري إن هذا الطفل "المكروف" اللي يغسل سيارات أبو حمد، راح يجي يوم ويهز فيه سوق العقار في المملكة، وتصير صورته في المجلات!
.... ا