الفصل الاول
.
الفصل الأول: "بين حلاوة المصاص.. وقسوة القراصة"
كانت سديم جالسة في زاوية الحوش، تمسح دموعها بطرف فستانها اللي صغر عليها وصار "مكرفس". سديم يتيمة الأم، وعايشة تحت رحمة زوجة أبوها "حصة"، اللي كانت تعتبر سديم "خادمة بمرتبة طفلة".
حصة (تصارخ من داخل المطبخ):
"سديموه! وجع يوجع عدوينك، وين المكنسة؟ قومي كنسي الحوش لا بارك الله في ذا الوجه، جالسة تناظرين العصافير؟ والله لو قلبتي عصفورة ما طرتي من عندي!"
سديم، ببراءة الأطفال، قامت وهي تتحلطم بصوت واطي: "يا ربي هذي متى تنام؟ ودّي أحط في قهوتها منوم مغناطيسي زي اللي في الكرتون وأفتك."
ا
.......
في البيت اللي جنبهم، كان يسكن "أبو حمد"، جارهم الغليظ اللي قلبه قاسي. أبو حمد تبنى طفل اسمه عزام، مو حباً فيه، بس عشان يخليه "صبي" عنده؛ يغسل سيارات، يشيل أغراض، ويسوي كل شيء.
في ذيك اللحظة، كان عزام واقف فوق سلم يمسح لوحة بيت أبو حمد، وهو يغني بصوت عالي:
"يا طيبة يا طيبة.. يا دوا العيانا.. اشتقنا لك والشوق نادانا!"
سديم وقفت تحت السور ونادته بهمس:
"هيه.. يا ولد.. يا اللي فوق السلم! أنت ما تتعب؟ من الصبح وأنت كرف، وأبو حمد كل شوي يعطيك بالخيزرانة."
عزام نزل راسه، وجهه كان فيه أثر شمس بس عيونه تلمع بسلام غريب. ابتسم وقال:
"يا سديم، اللي يشتغل يبارك له الله. وبعدين أبو حمد مسكين، يحسب إنه يملكني، ما يدري إن ربي هو اللي يملكنا كلنا."
سديم (بذهول): "وش ذا الكلام الكبير؟ أنت شكلك شارب حليب نيدو منتهي تاريخه! تعال خذ هذي المصاصة، خبأتها من حصة عشان ما تاكلها."
مدت يدها بمصاصة "فراولة" كانت ذائبة شوي. عزام أخذها وضحك:
"شكراً يا سديم. شوفي، الدنيا ذي مثل المرقوق، لازم تنطبخ على نار هادية عشان تطلع زينة. اصبري واحتسبي، ولك أجر."
......
مرت الأيام، وزاد ظلم حصة لسديم. في يوم من الأيام، كان فيه عزيمة كبيرة في بيت سديم. حصة طبخت ذيك الكبسة اللي ريحتها تجيب التايه، ومنعت سديم حتى تذوق المرق!
سديم كانت ميتة جوع، راحت عند السور ونادت عزام:
"عزام! الحق علي، الريحة ذبحتني والبطن يوصوص، وحصة تقول لي كلي خبز وجبن!"
عزام كان جالس يغسل سيارة الجيب حقت أبو حمد، فكر شوي وقال:
"سديم، السرقة حرام.. بس "الاستعارة القهرية" يبيلها فتوى! شوفي، أنا بجي عند الشباك وأسوي نفسي أكلم قطوة، وأنتي مرري لي صحن صغير من ورا ظهر حصة."
الخطة بدأت:
عزام صار ينادي: "بس بس بس.. يا قطوة يا حليوة!"
حصة كانت مشغولة ترتب السفرة، وسديم تسللت مثل "النمر المقنع"، سحبت فخذ دجاجة وشوية رز في صحن بلاستيك، ورمته من الشباك لعزام.
لكن الصدمة! عزام وهو يمسك الصحن، انزلقت رجله وطاح في سطل الموية والصابون اللي يغسل فيه السيارة!
طاااااخ!
سديم شهقت: "عزام! الدجاجة غرقت في الفيري!"
عزام وهو يمسح الصابون عن وجهه ويضحك: "الحمد لله، كذا الدجاجة صارت معقمة 100%! سديم، ربي ما كتب ناكلها، يمكن فيها شر."
سديم بدت تبكي: "حتى الدجاجة ما نبيها، أنا ليش حظي كذا؟ ليش أنا وحيدة والكل يطقني؟"
درس في الإيمان (يبكي الحجر)
عزام وقف، وترك الصابون، وجاء عند الفتحة اللي في السور. قال بنبرة هادية خلت سديم تهدا:
"سديم، تدرين ليش الله يبتلينا؟ مو لأنه يكرهنا، لا والله. الله يبي يسمع صوتنا وإحنا ندعوه. شوفي يوسف عليه السلام، إخوانه رموه في البير، وظلموه، وصار خادم.. بس في النهاية صار ملك مصر."
سديم (تمسح خشمها): "يعني أنا بصير ملكة مصر؟"
عزام ضكك: "يمكن تصيرين ملكة في الجنة، وهذا الأهم. يا سديم، لا تخلين حصة تسرق أخلاقك. إذا هي قست، أنتي ليني. إذا هي ظلمت، أنتي اعدلي. تذكري إن فيه رب فوق يشوف كل دمعة تنزل منك، ويعدها لك أجر. قولي (حسبي الله ونعم الوكيل) وشوفي كيف ربي يبرد قلبك."
سديم حست بكلامه يدخل قلبها مثل الموية الباردة في عز القايلة.
"عزام.. أنت ليش طيب كذا وأبو حمد يعاملك زي العبد؟"
عزام رفع راسه للسماء وقال:
"أنا عبد لله يا سديم، مو لأبو حمد. هو يملك وقتي، بس ما يملك قلبي. قلبي عند اللي خلقه."
.........
في هذيك الليلة، نامت سديم وهي تردد "حسبي الله ونعم الوكيل". كانت تسمع صراخ حصة وهي تهاوشها لأنها "ضيعت" فخذ دجاجة، بس سديم ما كانت مهتمة. كانت تفكر في كلام عزام، الطفل اللي ما يملك من الدنيا إلا ثيابه المشرطة، بس يملك "غنى" ما يملكه أغنى تاجر في الرياض.
حصة: "قومي يا سديموه! غسلي المواعين لا بارك الله فيك!"
سديم (بابتسمة رضا): "حاضر يا خالتي.. الله يسامحك."
حصة انصدمت: "وش فيها هذي؟ انجنّت؟ قامت تبتسم وتدعي لي؟"
ما درت حصة إن سديم لقت "كنز" ورا السور.. طفل اسمه عزام، كان يعلمها إن القسوة تكسر العظم، بس الإيمان يبني الجبال.