الذكريات التي لم تعشها… لكنها تخصها
لم تكن الأرض باردة فقط تحت ركبتي سيرين،
بل كانت ترتجف…
كأنها تخشى ما سيحدث.
الرموز السوداء التي ظهرت حولها بدأت تدور ببطء،
ثم تسارعت،
ثم… انفجرت في ومضات من الضوء الداكن.
صرخت سيرين وهي تمسك رأسها بقوة.
"توقفي…! أرجوكِ توقفي!"
لكن الصوت لم يكن خارجيًا هذه المرة.
بل كان داخل عقلها.
صور.
كثيفة.
مؤلمة.
وحقيقية أكثر من الواقع نفسه.
رأت طفلة صغيرة…
تبكي داخل قصر هائل مظلم،
وجدرانه مغطاة بنقوش غريبة تشبه الرمز على معصمها.
اقتربت الرؤية أكثر.
الطفلة كانت… هي.
سيرين.
لكن بملابس سوداء فاخرة،
وعيناها ليستا خائفتين…
بل ساكنتين بطريقة مخيفة.
سمعت صوت امرأة، دافئ لكنه مرتجف:
"لا تنظروا في عينيها طويلاً…
إنها تحمل الخَتْم."
ثم صوت رجل آخر، صارم ومكسور في الوقت ذاته:
"إن تُركت، ستُعيد ما حدث قبل ألف عام."
تسارعت أنفاس سيرين في الحاضر.
"ألف عام…؟"
الصور لم تتوقف.
رأت قاعة عظيمة،
مليئة بأشخاص يرتدون أردية غامقة،
يقفون في دائرة حول طفلة صغيرة.
حولها سلاسل من نور…
ليست لتقييد جسدها،
بل لتقييد شيء داخل روحها.
الطفلة رفعت رأسها ببطء،
ونظرت إليهم جميعًا.
وفي تلك اللحظة…
انطفأت كل الشموع في القاعة دفعة واحدة.
ظلّها على الأرض لم يكن ظل طفلة.
كان أطول…
وأضخم…
وكأنه كيان آخر يسكنها.
همس أحدهم بخوف:
"الظل استجاب…"
ثم جاء القرار.
قرار لم تفهمه سيرين حتى الآن،
لكن قلبها بدأ يؤلمه قبل أن تسمعه.
"سنختم ذاكرتها."
قالها الرجل بصوت ثقيل.
"ونرسلها إلى عالم البشر… بعيدًا عن حقيقتها."
توقفت أنفاس سيرين.
"لا…"
همست وهي تبكي دون وعي.
في الذكرى،
اقتربت المرأة من الطفلة واحتضنتها بقوة،
وهمست في أذنها:
"سامحيني يا سيرين…
نحن لا نخاف منكِ…
بل نخاف على العالم منكِ."
ثم وضعت يدها على جبينها.
وانفجر الضوء.
صرخة طفلة مزقت القاعة.
صرخة مليئة بألم…
وأيضًا بشيء أعمق:
وحدة لا تُحتمل.
عادت سيرين إلى الواقع فجأة،
وسقطت على الأرض وهي تلهث.
دموعها تنهمر بلا توقف.
"أنا…
كنت مختومة؟
منذ طفولتي…؟"
الشاب لم يجب فورًا.
كان ينظر إليها بوجه شاحب،
كأنه كان يخشى هذه اللحظة تحديدًا.
"نعم."
قالها أخيرًا.
رفعت عينيها نحوه، مرتجفة:
"لماذا؟ ماذا فعلتُ؟!"
ساد الصمت.
ثم نظر إلى معصمها المضيء بالرمز،
وقال أخطر حقيقة حتى الآن:
"لأنكِ… في حياتكِ الأولى…"
توقف لحظة،
وكأن الكلمات ثقيلة حتى عليه.
"كنتِ سبب سقوط مملكة كاملة."
اتسعت عيناها بصدمة مرعبة.
"م-ماذا…؟!"
الهواء أصبح بارداً فجأة.
والظل خلفها ارتجف كأنه يتفاعل مع الحقيقة.
"لم تكوني شريرة."
أضاف بهدوء.
"لكن قوتك خرجت عن السيطرة."
ارتجف صوتها:
"وأنا الآن…؟"
نظر مباشرة في عينيها.
"القوة نفسها بدأت تستيقظ من جديد."
تجمد جسدها.
ثم همست بخوف لم تعترف به من قبل:
"هل… سأؤذي الناس؟"
هذه المرة لم يجب فورًا.
وهذا الصمت…
كان أقسى من أي جواب.
في تلك اللحظة،
ظهرت ذكرى أخيرة داخل عقلها فجأة.
سماء حمراء.
أرض متشققة.
وظل عملاق خلف فتاة تقف وحيدة فوق الدمار.
تلك الفتاة… كانت هي.
لكن عينيها كانتا مظلمتين تمامًا،
وصوتها في الذكرى قال ببرود مؤلم:
"أنا لم أطلب هذه القوة…
لكنكم أجبرتموني على أن أعيش معها."
اختفت الرؤية.
وعادت سيرين للحاضر وهي تبكي بصمت،
وهمست بصوت مكسور:
"هل… تم نفيي إلى هذا العالم… لأني خطيرة؟"
أغلق الشاب عينيه للحظة،
ثم قال الحقيقة التي أنهت آخر بقايا طمأنينتها:
"ليس فقط لأنكِ خطيرة…"
فتح عينيه ببطء.
"بل لأن نبوءة قديمة تقول:
عندما تستعيد سيرين ذكرياتها بالكامل…
إما أن تنقذ العالم،
أو تدمره مرة أخرى."
سقطت دمعة أخيرة على الأرض.
وفي السماء فوق القرية،
بدأت السحابة السوداء تكبر…
ببطء.
وكأن الماضي…
لم يعد مجرد ذكرى.
بل شيئًا عائدًا ليأخذها.