البداية التي لم تكن عادية
لم تكن الليلة تشبه أي ليلة أخرى.
السماء صامتة… والنجوم مختبئة كأنها تخشى النظر إلى الأرض.
في تلك القرية الهادئة، حيث كانت الأرواح تنام باطمئنان،
استيقظ شيء لم يكن يجب أن يستيقظ.
فتحت سيرين عينيها فجأة.
أنفاسها متقطعة، وقلبها ينبض بقوة غريبة، كأن أحدًا يطرق صدرها من الداخل.
نظرت حولها ببطء.
الغرفة كما هي…
النافذة مغلقة…
والقمر ينساب ضوؤه على الجدران مثل سرٍّ قديم.
لكن…
كان هناك همس.
همس خافت، عميق، قريب جدًا من روحها.
"لقد حان الوقت…"
ارتجفت أصابعها.
وضعت يدها على صدرها، وشعرت بحرارة لم تعهدها من قبل.
حرارة ليست مؤلمة… لكنها ثقيلة، كأنها تحمل شيئًا نائمًا منذ سنوات.
سيرين لم تكن فتاة عادية.
ولم تكن تعلم ذلك… بعد.
منذ صغرها، كانت ترى أحلامًا لا تشبه أحلام البشر.
مدن تحترق بلا نار،
ظلال تتحرك بلا أجساد،
وصوت يناديها باسم لم يخبرها به أحد.
لكن أسوأ ما في الأمر…
أن تلك الأحلام بدأت تتحقق.
في صباح اليوم التالي، حاولت تجاهل ما حدث.
جلست أمام المرآة، تحدق في عينيها طويلاً.
"لماذا أشعر وكأنني لست أنا؟"
همست بصوت مرتجف.
وفجأة…
تشققت المرآة.
ليس سقوطًا.
ولا ضربة.
بل تشققت وحدها…
تمامًا عند انعكاس عينيها.
تراجعت بخوف.
أنفاسها تسارعت.
وفي تلك اللحظة،
ظهر الرمز.
نقشٌ أسود خافت بدأ يتشكل على معصمها،
كأنه حبر يخرج من داخل جلدها ببطء.
صرخت… لكن الصوت اختنق في حلقها.
لم يكن ألمًا.
بل كان إحساسًا أخطر من الألم:
إحساس المعرفة.
معرفة شيء لم تعشه…
لكن روحها تتذكره.
ثم عاد الهمس مجددًا، أوضح من قبل:
"أنتِ لستِ بشرًا بالكامل يا سيرين…
أنتِ السر الذي خُبِّئ عن العالم."
تجمدت في مكانها.
وعيناها اتسعتا برعب لم تعرفه من قبل.
سر؟
أي سر؟
ولماذا هي؟
في الخارج،
كانت الرياح تعصف فجأة رغم صفاء السماء.
والأشجار تنحني كأنها ترحب بعودة شيء قديم.
شيء… كان نائمًا داخلها.
جلست سيرين على الأرض ببطء،
وعيناها تلمعان بدموع صامتة.
"أنا خائفة…"
قالتها لنفسها، بصوت بالكاد يُسمع.
لكن داخلها،
كان هناك شعور آخر يولد.
شعور بالقوة…
وشيء مظلم…
وشيء ينتظر.
وفي أقصى أعماق روحها،
انفتح باب لم يُفتح منذ ولادتها.
وفي تلك اللحظة تحديدًا،
لم تكن سيرين تعلم
أن هذه الليلة لم تكن مجرد بداية غامضة…
بل كانت بداية المأساة التي ستجعل العالم كله
يذكر اسمها،
ويبكيه.