الفصل 106
ينهرني صقر المراهق عن العبث بأبريق القهوه ،لكنني اعانده واتحرش بالنار والابريق اكثر ..
يمد يده ليصفع بها كفي بخفه : بس ! اتركيها ..
بدأ غاضبا ومتعكر المزاج ، مما جعل متعه اثاره غضبه ترتفع عندي ..
اعاود لمس الأبريق وتحريكه ، يمد يده مره اخرئ ، ليمنعني
تتشابك الأيدي في عراك صغير وينفلت الأبريق ..
لينسكب بأكمله علئ الجمر المشتعل ، ويملئ الخيمه بغيوم تمتلئ بالرماد والندئ ..
ومن سوء حظي سحبت نفسا عميقا بفعل الصدمه ، فنقلت الأدخنه لصدري ..
لأنخرط في سعال حاد انقطعت معه انفاسي .
كنت اشعر بيده وهي تضرب ظهري بتوتر ، بدأ مشتت يركض في الأنحاء ويعود لي مجدداً ..
يعود هذه المره حاملا كوب ماء ، ليسقيني منه ويرحمني من خبطات كفه القويه علئ ظهري ..
اتجرع رشفات صغيره ، تطفئ موجه السعال الحاده ، وتبقي بعض منها لتزورني بين الفينه والأخرئ ..
تعود انفاسي من جديد ، ويسري الدم مجددا في عروقي ..
يسكب في كفه الماء ، يملئها ويغسل وجهي بسرعه ..
اشهق من بروده الماء اتراجع وأحاول منعه ان يكرر ذلك ، لكنه يعاود فعل ذلك مره اخرئ ..
تسيل قطرات الماء ، وتقطر عند حافه ذقني ..
اسحب كمي ليغطي كفي وارفعه لأمسح وجهي ..
لكن تسبقني كفه وهي تمسح وجهي بشماغه ، فتتسلل رائحته وتنتشر وتحاصرني ..
كانت لحظه غريبه ، فيها شيء عميق لا ينسئ ..
التصقت بذاكرتي جيدا منذ ذلك اليوم ، وزارتني الان ..
أحقاً ستعود ياصقر ؟!
لنعيد تصوير هذا المشهد القديم !
ستعود لتغسل حرقه فؤادي ؟!
ستعود لتمسح جرحي ، وتشفيه ؟!
...
——-
تحتظنني وهي تبكي ..
تتأكد من الخبر كل دقيقه، وتسأل : صدق ياسمر؟!
واهز رأسي مبتسمه أحاول تدارك دموعي لأجيب : وربي صدق ...
تداهمني رغبه ملحه لأشاركها الدموع ..
لكنني اترك الفرصه لها ، لتبكي كل ضغط الأيام السابقه وتطرده للخارج ..
لو علمت ان ملاذ القويه العنيده ستنخرط في بكاء سعيد بفعل هذا الخبر ..
لركضت البارح لمنزلها ، لما نمت وانا احمل خبر مثل هذا في صدري ..
انا سعيده لسعادتها ، ونادمه جداً علئ تركها تعيش الانتظار هذا وحدها ..
لم اعهدها بهذا الضعف ، اظن ان الحب يضعف الانسان ..
وانه عوضاً عن امداده بالحياه ، يسلبها منه ..
أي حب هذا يحضئ به صقر في قلبك ، لتبكي عودته هكذا بهذه السهوله .
وانتي التي لم تعتد علئ اظهار مشاعرها بهذا الوضوح .. ..
....
اطلب من الفتيات ان يخفضن صوت سماعه الموسيقئ الضخمه ..
شعرت ان هنالك ضجيج في الخارج ..
وحين انخفض صوت الموسيقئ ، بدا صوت الصراخ واضحاً ..
خرجت راكضه مع الجميع ، لأجد ملاذ تقف امام امي وزوجات اعمامي ..
وتنخرط في حديث صاخب معهن ..
اقترب لأحاول فهم ما بدا لي انها مشكله ..
تصرخ امي وهي تحاول سحب صلاح المنخرط في نوبه بكاء حاده من بين يدي ملاذ: وش سويتي للولد ، لاتكذبين ..!
تدفعه ملاذ بخفه نحوها ، وتدفع معه شتيمه خافته ..
لم احتمل سماعها تشتم امي ، فتدخلت غاضبه : ملاذ لاتغلطين علئ امي ..
تتأملني لبرهه ، وتدور بعينيها حول المكان ، تتأمل التجمع الذي يطوقنا ..
تتجاهلني وتوجه حديثها لأمي : لا تهملين ولدك ، ثم تتهمين الناس .
بعدين صدقيني لو ابي اذبحه ، كنت ذبحته من غير مااحد يدري ..
فماله داعي هالشوشره كلها ..
تختم حديثها بأبتسامه ، وهي تجمع شعرها الطويل وتفلته ..
تصرخ امي : والله اني داريه ، اشهدوا عليها ، كانت تبي تذبحه ..شوفوا ملابسه كيف ؟!
ركبه ويدينه مجرحه ، شوفوا بس عشان ماتقولون تتهمها ..
أحاول تدراك المشكله ، اسحب كم امي بخفه واحدثها : يمه خلاص خلينا نعرف وش القصه ، ماله داعي الصراخ ..
لكن امي تسحب كمها وترفع يدها بصفعه موجهه للواقفه امامها ..
تصد ملاذ كفها بسهوله وتدفعها للخلف بخفه ..
وقفت في المنتصف بينهما ، شعرت ان المشكله بدأت تكبر وتتطور اكثر ..
وان امي تتسرع في حكمها الان ، كعادتها ..
لأنه لسبب ما حين يتعلق الموضوع بملاذ ، تفقد امي كل اعصابها ..
....: تدرين ؟ مره ثانيه ابتركه للكلاب ، ابقف واكل فشار واتفرج ..
وانتظرك تجين تنقذين ولدك ، ماله داعي اخاطر بنفسي عشان قطعه منك ..
تغادر ملاذ بعد ان خلفت ورائها ضحكه مستهزئه صاخبه ، اشعلت امي اكثر ..
ذاكرتي تخونني حين يتعلق الامر بما حدث بعد ذلك ..
لكنني أتذكر صلاح الصغير من بين دموعه وتنهداته وهو يخبر امي بالكلاب السوداء التي كانت تلحق به ..
وان ملاذ تدخلت و حملته بعيداً عنها ...
أتذكر أيضا ً رؤيتها تبكي خلف المبنئ ، وهي تشتكي لشخص ما ..
-والله العظيم كنت خايفه ، الكلاب كانت تخوف ، سوداء كبيره ..
تخيل كان يمد كفه ويبكي يبيني اساعده ، كان خايف مثلي ..
عشان كذا تدخلت ..
احاول معرفه صاحب هذا الاكتاف العريضه ، اتمنئ ان يتحدث لأعرف من هو هذا الرجل ..
لكنه يكتفي بالتربيت علئ شعرها بصمت ..
لم انم ليلتها وانا افكر في هويه هذا الشاب الذي كان يقف امامها هكذا بلا أي حواجز تذكر ..
تمنيت لو انني لم اغادر حتئ اكتشف هويته ..
الان افكر !
ربما كان صقر ؟!
ربما كانت علاقتهما اعمق مما كنت اظن !
وانهما كانا منخرطين في علاقه حب من البدايه ..
وانه كان ملجئ لشكواها ..
فصقر اعلن خبر خطبته لها فجاءه !
ليثير علامات استفهام كبيره في العائله ..
....
اعود لملاذ الباكيه ، احتظنها واكبح رغبه اعتذار داهمتني ..
انا اسفه علئ كل الاتهامات والشتائم التي كانت تسكبها امي عليك ..
اسفه لأنني لم ابذل مجهودا للتدخل ، وبقيت اشاهدك تصارعين هجومها في كل مره ..
واسفه لأنني لم اسعدك البارحه بخبر عوده صقر ..
لو انني علمت ان رده فعلك ستكون كهذه ، لقدمت راكضه نحوك "لأبشرك ..
اغبطك يا ملاذ الان علئ مشاعر الحب التي كنتي ومازلتي تتشاركينها مع صقر ..
اتمنئ ان أشارك هتان هذه المشاعر ...
لكنه غريب جدا ، لا افهمه كما تفهمين صقر ..
يجذبني ويبعدني كما يشاء ، النقيض تمام لتعامل صقر معك ..
فهو البارح حين اتصلت عليه ...
بدأ مشغولاً ، ولايريد التحدث معي ..
برغم انه دائما ما يوبخني علئ عدم التواصل معه ..
بعض الأحيان اشعرني بأنني اتأرجح علئ الهامش بالنسبه له ..
وان هنالك الكثير من الأولويات التي تسبقني ..
شعور بائس هو شعوري ليله البارح ، وانا اتبادل معه صمت غريب ..
انتهئ بكلمته : مع السلامه، انا مشغول ..
لم يخبرني انه سافر ، لم يطلعني علئ احداث رحلته المفاجئه ..
كنت انتظره ان يخبرني لأنني علمت بالصدفه من اخته ..
لكنه لم يفعل ..
بعض الأحيان اتمنئ لو انني لم انخرط في هذه العلاقه من الأساس ..
فهو متناقض جدا ، لا افهمه ابدا ..
اعود لملاذ ، ابعدها قليلا : الكل بيجتمع في بيت جدتي ، تعالي معي هناك ..
تهز رأسها :مافيني حيل ، راح انتظره هنا ..
أحاول اقناعها : بيطول ياملاذ ، تعرفيني ابوي واعمامي ماراح يعتقونه علئ يسر ..
تعالي معي ، شوفيه وطمني قلبك ..
تصمت فأحثها اكثر : يالله اغسلي هالدموع ، وتزبطي للحبيب ..
انهيت حديثي بغمزه ، محاوله ا'ن ابعد هذا الحرج الخفيف الذي يطوق الجو ،
لكنها بدت شارده جدا ..
كما لو انها رحلت لعالم اخر ..
لطالما كانت هذه الفتاه غريبه ..
ملاذ لكل ماهو غير مفهوم ،خليط من كل شيء ..