الفصل العاشر ـ نور الاثر ـ الختام
".
## الفصل العاشر: جناتُ الأرض ونورُ الأثر
بعد انكسار الحصار، عاشت القلعة أياماً لم ترَ مثلها في تاريخها. لم تكن الفرحة بسبب وفرة الطعام فحسب، بل لأن القلوب صُقلت في تنّور الابتلاء، فخرجت أنقى وأقوى. وأصبح الناس ينظرون إلى جسار وسلمى لا كحكام، بل كقدوة في الصدق والثبات.
...........
مرت سنة على تلك الأحداث. "دار النور" التي أسستها سلمى لم تعد مجرد مدرسة صغيرة، بل أصبحت منارةً يقصدها طلاب العلم من الوديان المجاورة.
دخل جسار يوماً إلى الدار، فوجد سلمى تجلس على الأرض وسط الفتيات، تعلمهن آية: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. لم تكن تلبس الحرير الفاخر، بل ثوباً بسيطاً من القطن، لكن وجهها كان يشع بجمالٍ لم تكن تملكه أيام "الدلال" الأعمى.
وقف جسار عند الباب، متكئاً على سيفه، وقال بمرحه المهيب:
> "يا سيدة الدار، ألم يحن وقت الغداء؟ أم أن العلم قد أنساكِ 'جوع' سيد القلعة؟"
>
ضحكت سلمى وقامت إليه بوقار، وقالت:
"العلم هو الغذاء الحقيقي يا جسار. لكن أبشر، فقد أعددتُ لك مأدبةً تليق بـ 'الطاغية' الذي روّضه الإيمان!"
..............
في المساء، صعد جسار وسلمى إلى أعلى برج في القلعة، حيث تظهر القرى تحتهم كحبات اللؤلؤ المنثورة، والناس يعيشون في أمانٍ بناه العدل.
نظر جسار إلى الأفق وقال بصوتٍ هادئ ممتلئ بالخشوع:
"يا سلمى، أتذكرين أول يومٍ جئتِ فيه إلى هنا؟ كنتِ تظنين أن القوة بطش، وأنا كنتُ أظن أن الحزم لا بد أن يكون جافاً. لقد علمنا الله أن 'القوي' هو من يرحم، وأن 'الرقيقة' هي من تصمد في المحن."
ردت سلمى وهي تسند رأسها إلى كتفه (بكل حياء ودلالٍ حلال):
"تعلمتُ منك يا جسار أن السعادة ليست في ما نملك، بل في ما نعطي. وأن مخافة الله هي الحصن الحقيقي الذي لا تسقطه المدافع. لقد جعلتَ مني امرأةً تفتخر بسجودها أكثر من فخرها بجمالها."
أمسك جسار يدها ونظر إلى أهل القلعة في الأسفل، وقال وكأنه يكتب وصية للأجيال:
"يا سلمى، الدنيا زائلة، ولن يبقى منا إلا الأثر. فليقل الناس عنا ما يشاءون.. ليقولوا 'طاغية' إن كان العدل يتطلب الصرامة، وليقولوا 'زاهدة' إن كان الحق يتطلب البساطة. المهم هو ما يُكتب في صحائفنا عند ملك الملوك."
ثم التفت إليها بابتسامة دافئة:
"والآن.. هل أنتِ مستعدة للمغامرة القادمة؟ يقال إن هناك قرية خلف الجبال تحتاج إلى 'نور' مدرسة، و'حزم' قائد."
سلمى بابتسامة مشرقة: "معك يا جسار.. إلى حيث يرضى الله."
....................... تمت بحمد الله...........