الفصل التاسع ـ خديعه الحرير
أ".
## الفصل التاسع: خديعة الحرير ونصر اليقين
اشتد الحصار حتى بلغت القلوب الحناجر، وصار "الغادر" وجيشه يضحكون خلف الأسوار، ينتظرون لحظة سقوط القلعة من الجوع. لكن سلمى، التي تعلمت الصبر في مدرسة جسار، قررت أن الوقت قد حان لاستخدام ماضيها "المدلل" في خدمة "الحق".
......
دخلت سلمى على جسار، وكان يدرس خرائط المداخل السرية للقلعة. قالت له بثقة لم يعهدها فيها:
> "يا جسار، العدو يظن أننا نهلك جوعاً، وهم يراقبون الأسوار ليروا علامات الضعف. ما رأيك أن نعطيهم ما يتوقعون.. ولكن بطريقتنا؟"
>
شرحت سلمى خطتها: ستقوم هي ونساء القلعة بجمع كل ما تبقى من أقمشة حريرية ملونة وزينة، وسيقمن بتمثيل "احتفال" وهمي فوق الأسطح، مع إظهار أوانٍ كبيرة تخرج منها أبخرة (وهي ليست إلا ماءً يغلي ببعض الأعشاب ذات الرائحة القوية)، ليظن العدو أن لدى القلعة مخازن سرية من الطعام والترف لم تُمس.
ضحك جسار من أعماقه، وقال بمرح:
"والله يا سلمى، لقد أخرجتِ 'كيد النساء' في طاعة الله! يظنوننا جياعاً ونحن نُظهر لهم الشبع. {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}. افعلي ما بدا لكِ، وسأكون أنا وجندي مستعدين للحظة التي يفقدون فيها توازنهم."
......
في عصر ذلك اليوم، ذُهل جيش "الغادر" حين رأوا نساء القلعة، وعلى رأسهن سلمى، يلبسن ثياباً زاهية (فوق دروعهن الخفيفة) ويقفن على الأسوار، وهنّ يضحكن ويوزعن "أرغفة" كبيرة (كانت مجرد خشب مغطى بالعجين الخفيف لإيهامهم).
صرخت سلمى بصوتٍ عالٍ ليصل للعدو:
"يا أيها المحاصرون! اذهبوا وكلوا، فنحن في قلعتنا نملك من خراج العام ما يكفينا لسنوات! أتظنون أنكم تمنعون عنا الرزق والله هو الرزاق؟"
بدأ جند العدو يتذمرون: "كيف يملكون كل هذا الطعام ونحن هنا في البرد والجوع؟"، بدأت عزيمتهم تنهار، وبدأ "الغادر" يشك في جواسيسه.
.......
تحت جنح الظلام، استعد جسار للخروج في هجوم خاطف لفك الحصار، مستغلاً ارتباك العدو. وقف أمام سلمى، وسوى لثامه، ثم نظر إلى عينيها طويلاً.
قال بهدوء إيماني:
"يا سلمى، هذه الليلة قد نلتقي في الدنيا، وقد نلتقي عند حوض النبي ﷺ. أوصيكِ بتقوى الله، وبأن تظلي 'سيدة القلعة' سواء عدتُ أو لم أعد. لا تدعي الدلال يعود ليفسد ما بنته الشدائد في قلبكِ."
بكت سلمى، لكنها مسحت دموعها بسرعة وقالت:
"لن أسمح لك بالرحيل هكذا! سأنتظرك عند الباب مع أول شعاع للفجر. وتذكر.. إن كنت أنت 'طاغية' في الحق، فأنا 'طاغية' في حبك ودعمك. اذهب، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً."
......
خرج جسار كالصاعقة. لم يكن يقاتل طلباً للملك، بل قال لجنوده قبل الانطلاق:
"يا رجال! لا تقاتلوا ليرى الناس شجاعتكم، بل قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا. أزيلوا هذا الظلم عن الضعفاء، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف."
كان المشهد رهيباً؛ جسار يقتحم خيمة "الغادر" وسط ذهول المرتزقة. وبدلاً من أن يقتله وهو نائم، ناداه: "قم يا شقي! واجه رجلاً لم يبع دينه، قبل أن تواجه ملك الملوك!"
فر "الغادر" كالجرذ، وتشتت جيشه، واندحر الحصار تحت وقع تكبيرات جسار وجنده التي كانت تهز أركان الوادي.
..........
مع خيوط الفجر الأولى، فُتحت بوابات القلعة. دخل جسار، وعلى درعه آثار المعركة، لكن وجهه كان كالفجر الصادق. وجد سلمى واقفة عند الباب كما وعدته، ومعها كوب من اللبن البارد.
جسار بمرح: "أهذا لبن حقيقي يا سيدة الخديعة؟ أم أنه ماء جير كما فعلتِ بالأمس مع العدو؟"
سلمى بضحكة رنّت في أرجاء القلعة: "بل هو لبنٌ من شياه القلعة التي دعوتَ الله أن يبارك فيها. اشرب يا بطل، فقد انتهى زمن 'خديعة الحرير' وبدأ زمن 'نصر اليقين'."
أخذ جسار الكوب، وقال للناس المحتشدين:
"يا أهل القلعة! اشكروا الله، فما انتصرنا بسيوفنا، بل بصدق توكلنا، وبثبات نسائنا. اليوم عطلة لكل الجند، ولتُقام المآدب للفقراء أولاً!"
.......