الفصل السابع ـ ثبات العقيدة
## الفصل السابع: حُمّى الجسد وثبات العقيدة
لم تكد القلعة تستريح من عواصف الماضي، حتى حلت عليها عاصفة من نوع آخر. يبدو أن الرجل الذي عفا عنه جسار لم يغسل العفو قلبه، بل ملأه بالحقد؛ فقام بتسميم آبار المياه البعيدة التي ترد منها خيول القلعة وجنودها. أصيب الكثيرون بوعكة، وكان على رأسهم جسار نفسه، الذي أرهقه السهر والجراح القديمة، فسقط طريح الفراش بحمى شديدة.
........
استيقظت القلعة على خبر مرض الشيخ، فدبّ الذعر. الجنود يتساءلون: "من سيقودنا لو هجم الأعداء؟"، والناس في هرج ومرج. هنا، خرجت سلمى من غرفة جسار، كانت تلبس عباءة سوداء بسيطة، وقد لفت خمارها بإحكام، وبيدها "عصا" جسار التي يتوكأ عليها أحياناً.
وقفت في الشرفة العالية وقالت بصوتٍ جهوري أدهش الجميع:
> "يا جند الله! الشيخ جسار بين يدي الله، والجسد يمرض لكن الروح لا تغيب. أنا سلمى ابنة القاضي، وزوجة هذا الحصن بقلبي، آمركم باسم الله أن يعود كلٌ إلى ثغره. من كان يقاتل لجسار فجسار نائم، ومن كان يقاتل لله فإن الله حيٌّ قيوم!"
>
التفتت إلى عثمان، نائبه، وقالت بمرحٍ خفي:
"يا عثمان، لا تنظر إليّ هكذا كأنك رأيت غراباً! وزع العسل والحبة السوداء على الجند كما أمرنا النبي ﷺ، واجعل الحراسة مشددة. وإن حاول أحد التسلل، فأخبره أن في القلعة 'لبؤة' لا ترحم!"
###
دخلت سلمى لتعتني بجسار. كان يهذي من أثر الحمى، يهمس بآيات من القرآن، وأحياناً ينادي باسم والده. وضعت كمادة باردة على جبينه، ففتح عينيه قليلاً. رآها وهي تحاول جاهدة أن تبدو قوية، لكن دمعة خانتها وسقطت على يده.
قال بصوت واهن ومرح:
"أهذه.. أهذه دمعة دلالٍ جديدة يا سلمى؟ أم أنكِ تبكين لأنكِ اكتشفتِ أن إدارة القلعة أصعب من تطريز الحرير؟"
ابتسمت سلمى من بين دموعها وقالت:
"اسكت يا جسار، ولا تجهد نفسك. لقد أصبحتُ 'الحاكم بأمرها' الآن، وقد أمرتُك بالراحة. وإن لم تسمع الكلام، سأجبرك على شرب منقوع الصبار الذي كنت تسقيه للجنود!"
ضحك جسار بتعب وقال: "أعوذ بالله! لقد انقلب السحر على الساحر. يا سلمى.. تذكري، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}. لا تخافي من غدرهم، فالغادر يقتله غدره قبل أن يقتلنا."
### المواجهة المرحة مع عثمان
خرجت سلمى لتشرف على المطبخ الكبير، وجدت عثمان يحاول تنظيم القدور بخرق وضيق.
سلمى: "يا عثمان، هذا ليس معسكراً، هذا مطبخ! الطعام يحتاج نفساً طيباً، لا وجوهاً عبوسة."
عثمان: "يا سيدة سلمى، نحن رجال حرب، لا نفهم في الملح والبهار."
سلمى: "إذن تعلموا! المؤمن كيسٌ فطن، ومن لا يحسن إطعام جنده لا يحسن قيادتهم. ضع هذا الكركم في الحساء، فهو يرفع المناعة.. وهذا أمرٌ عسكري!"
ضحك الجنود من حولهم، وساد جو من الألفة خفف من وطأة المرض.
###
في المساء، جلس بعض كبار السن من أهل القلعة مع سلمى، كانوا خائفين من أن يستغل الأعداء مرض جسار. قالت لهم سلمى وهي تقلب صفحات مصحفها:
"يا أيها الناس، الابتلاء ليس عقوبة، بل هو تمحيص. الله أراد أن يختبرنا: هل نحن نؤمن بالمنهج أم بالشخص؟ جسار علمنا أن نكون أقوياء بالله. المرض ضعفٌ للجسد، لكنه رفعةٌ للروح. صرنا اليوم يداً واحدة، وهذا هو الانتصار الحقيقي. تذكروا أن النبي ﷺ مَرِض، ومات، وبقي الدين. فاستعينوا بالصبر والصلاة."
##
.....
بينما كانت سلمى تتحدث، سُمع دوي انفجار عند البوابة الخلفية! لقد استغل الغادرون انشغال القلعة بالمرض، وحاولوا تفجير السور ببارود جلبوه من تجار السوء.
ركضت سلمى نحو الساحة، رأت النيران تشتعل. تذكرت دروس الرماية مع جسار. لم تتردد؛ حملت قوسها وصعدت السور. رأت "الغادر" يقف بعيداً يضحك وهو يوجه رجاله.
تذكرت قول جسار: "الرمي بتركيز القلب".
سمت الله، وقرأت: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى}، وأطلقت السهم.
لم يصب السهم صدر الرجل (لأنها لا تزال تملك رحمة الأنثى)، لكنه أصاب "مشعلاً" كان بيده، فانفجر البارود الذي بجانبه، مما جعله يهرب مذعوراً هو ورجاله وهم يظنون أن جساراً قد تعافى وخرج إليهم.
......
.
عاد الهدوء للقلعة. دخلت سلمى لغرفة جسار، وجدته قد اعتدل في جلسته، وكان قد سمع ما حدث. نظر إليها بفخرٍ لم تره من قبل.
قال لها: "يا سلمى، اليوم أدركتُ لماذا وصى والدي بكِ. لم يرسل لي 'زوجة' لتؤنس وحدتي، بل أرسل لي 'قائداً' يسند ظهري. لقد غلبتِهم بسهمكِ، وغبتِني بصبركِ."
قالت بدلالها القديم: "إذن، هل أستحق مكافأة؟"
جسار: "اطلبي ما شئتِ، حتى لو كانت القلعة نفسها."
سلمى: "أريد أن تبتسم للجنود غداً حين تخرج إليهم، ليعرفوا أن 'الطاغية' قد روّضته فتاةٌ مدللة!"
ضحك جسار وقال: "أبشري، فمن يملك مثلكِ لا يعرف إلا الابتسام والحمد."