الفصل السادس ـ رماد الماضي
".
## الفصل السادس: رماد الماضي ودموع المحراب
غادر جسار القلعة في جوف الليل، لم يودع أحداً سوى نائبه الوفي "عثمان"، تاركاً خلفه غيمة من القلق تخيّم على قلب سلمى. كانت كلماته الأخيرة: "الماضي ينبش قبره" تطن في رأسها كالجرس. لم تكن سلمى تلك الفتاة التي تستسلم للفضول لمجرد الفضول، لكنها خافت على الرجل الذي علمها معنى "العزة لله".
###
دخلت سلمى إلى مكتبة جسار، كانت تبحث عن كتابٍ لدروسها في "دار النور"، فتعثرت قدمها بصندوق خشبي قديم مخبأ خلف المجلدات الضخمة. تردد قلبها بين الحياء والفضول، لكنها همست: "أستودعك الله يا جسار" وفتحت الصندوق.
لم تجد ذهباً ولا جواهر، بل وجدت "غمداً لسيفٍ مكسور"، ورسالة قديمة مهترئة، وثوباً صغيراً لطفلٍ تملؤه بقع دماء جافة. في الرسالة كُتب بكلمات مرتجفة:
> "يا جسار.. اهرب بجلدك، فقد أحرقوا القرية وقتلوا الجميع. والدك لم يخن الأمانة، لكنهم أرادوا رأسه لأنه رفض بيع ذمته للطاغية. لا تنسَ ثأر الحق، ولا تترك دينك."
>
هنا أدركت سلمى سر "اللثام" وسر "القسوة"؛ جسار لم يولد سيداً في قلعة، بل ولد من رحم مأساة. كان جسار الشاب يوماً ما مندفعاً، يطلب الثأر بالدم، وقضى سنوات من عمره تائهاً قبل أن يهتدي إلى أن "القوة الحقيقية" هي في إقامة العدل لا في سفك الدماء.
###
......
مرت ثلاثة أيام ولم يعد جسار. بدأت الشائعات تنتشر في القلعة: "الشيخ جسار هرب"، "الشيخ جسار وقع في فخ". شعرت سلمى بمسؤوليتها، فوقفت في وسط ساحة القلعة أمام الجند والنساء، وقالت بصوتٍ قوي استلهمته من نبرة جسار:
"يا أهل القلعة! إن كنتم تعبدون جساراً فإن جساراً قد غاب، وإن كنتم تعبدون الله فإن الله حيٌّ لا يموت. جسار ما خرج إلا ليحمي حمى هذه الدار من شرٍ أراد بنا كيداً. فلا تتركوا للشيطان مدخلاً بينكم بالظنون. املؤوا وقتكم بالذكر والعمل، فالمؤمن لا تكسره الغيبة!"
تعجب الجميع من قوة هذه الفتاة "المدللة" التي صارت تنطق بالحكمة واليقين.
...........
في الليلة الرابعة، فُتحت بوابات القلعة. دخل جسار، لكنه لم يكن يمتطي جواده بشموخ؛ كان يترنح، ثيابه ممزقة، وعيناه غائرتان. ركضت إليه سلمى، لكنه أشار إليها بيده أن تبتعد، ودخل محرابه الخاص وأغلق الباب.
لم تحتمل سلمى، وقفت خلف الباب وسمعت نحيباً مكتوماً. طرقت الباب برفق:
"جسار.. أنا أعلم أمر الصندوق. وأعلم أن الماضي قد عاد ليؤلمك. افتح لي، فالحمل على اثنين أخف من واحد."
فتح جسار الباب، كان لثامه ملقىً على الأرض، ووجهه يظهر لأول مرة بوضوح تحت ضوء القنديل؛ وجهٌ وسيم لكنه مجهد، تملؤه ندوب الزمان. قال بصوتٍ مكسور:
"لقد وجدته يا سلمى.. وجدتُ الرجل الذي أحرق قريتي وقتل عائلتي. كان بين يدي، وسيفي على عنقه. الماضي كله صرخ في أذني: (اذبحه!)، وشيطاني قال: (برد نارك!)."
حبست سلمى أنفاسها: "وماذا فعلت؟"
نظر إليها وعيناه تفيضان بالدموع:
"تذكرتُ قول الله: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}. تركتُه لله يا سلمى. تركتُه لأنني لا أريد أن ألقى الله ويدي ملطخة بدمِ حقد، بل بدمِ جهاد. لقد انتصرتُ على نفسي اليوم، لكن جرح قلبي انفتح من جديد."
###
...
جلست سلمى على الأرض قبالته، وقالت بلهجة فيها حنانٌ وموعظة:
> "يا جسار، اليوم أنت أعظم في عيني من يوم هزمت المرتزقة. القتال بالسيف يفعله كل شجاع، لكن القتال ضد النفس لا يفعله إلا الأنبياء والصديقون. الماضي لم يعد قبراً ينبش، بل صار جسراً للجنة. طهّرت قلبك بالعفو، فنم قرير العين."
>
ابتسم جسار ابتسامة حقيقية، وصلت لعينيه لأول مرة، وقال:
"أتديرين الدلال عليّ بالوعظ الآن؟ لقد غلبتِني يا ابنة القاضي. يبدو أن الله لم يرسلكِ لي لأحميكِ، بل لتردي لي روحي."
....
بينما هما في هذه اللحظة الروحانية، دخل "عثمان" فجأة وهو يصيح: "يا شيخ جسار! البنات في مدرسة سلمى يرفضن النوم، يقلن إنهن يردن تعلم 'رماية الورود' كما فعلتِ أنتِ مع الشيخ!"
احمرّ وجه سلمى خجلاً، بينما ضحك جسار بقوة وقال:
"أرأيتِ؟ لقد أفسدتِ جيشي يا سلمى! اذهبي إليهن قبل أن يحولن القلعة إلى بستانٍ من الفوضى."