خلف لثام العز - الفصل الثالث ـ كبرياء الروح - بقلم نور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خلف لثام العز
المؤلف / الكاتب: نور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث ـ كبرياء الروح

الفصل الثالث ـ كبرياء الروح

". ## الفصل الثالث: فتنة الذهب وكبرياء الروح مرت أيام والقلعة تغلي بصمت. سلمى بدأت تشعر بشيء غريب؛ لم يعد يزعجها غياب الحرير بقدر ما بدأ يزعجها "صمت جسار". كانت تراقبه من بعيد، تراه يخرج في جوف الليل ليتفقد الحراس، وتراه يجلس مع الصبية الصغار يعلمهم القرآن في ساحة القلعة، فتتعجب: كيف لهذا الرجل الذي يرتعد المحاربون من صوته أن يكون بهذا الحنان مع الصغار؟ أرادت سلمى أن تلفت انتباهه، أن تكسر ذلك الحاجز الصخري الذي يضعه بينه وبينها. فقررت أن تستخدم سلاحها القديم: الدلال الممزوج بالشكوى. ### ............ في ضحى يومٍ مشمس، دخلت سلمى إلى ديوان جسار حيث كان يراجع حسابات الزكاة مع كاتبه. كانت ترتدي أغلى ما بقي لديها من حلي، وصوت خلخالها الذهبي يرن في أرجاء القاعة الصامتة. وقفت أمامه وقالت بدلالٍ مصطنع: > "يا شيخ جسار، ضاق صدري بجدران هذه القلعة الصماء. أريد أن أخرج للأسواق، أريد أن أشتري عطراً وعقوداً من اللؤلؤ. والدي ترك لي مالاً وفيراً عندك، فلماذا تمنعني من التمتع بحلالي؟" > رفع جسار رأسه ببطء، ونظر إلى الذهب الذي يكسو معصمها، ثم قال بصوتٍ فيه وعظٌ مرّ: "يا ابنة القاضي، المال حلالكِ لا أمنعكِ منه، وسأرسل معكِ حراساً للأسواق. لكن تذكري.. الذهب الذي تلبسينه زينةً، قد يسد رمق مئة بيتٍ من بيوت المسلمين الذين يمرون بضائقة هذا العام. أتمتعين بصرير الذهب وأنين الجياع خلف الأسوار يصل إلى مسمعكِ؟" ردت سلمى بحدة: "أنا لم أظلم أحداً! هذا مالي." قال جسار بيقين: "الظلم ليس فقط بأخذ حق الغير، بل بإسرافٍ يكسر قلب الفقير. اذهبي للسوق، واشتري ما شئتِ، لكن اعلمي أن العبد يُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه. الموت لا يترك لصاحب الحرير إلا كفناً من قطنٍ خشن." .............. خرجت سلمى في موكبٍ صغير، والغرور يملأ قلبها. دخلت السوق، واشترت أثمن العطور والأقمشة، وبينما هي عائدة، رأت زحاماً عند باب القلعة. كان جسار يقف وسط الزحام، وقد أمسك برجلٍ من وجهاء القوم، كان يحاول تهريب بضاعة مغشوشة للناس. قال الوجيه بتكبر: "يا جسار، خذ هذا الكيس من الذهب ودع القافلة تمر، أنا فلان بن فلان، وصداقتي تنفعك وعداوتي تضرك!" هنا، رأت سلمى وجهاً آخر لجسار. قبض على يد الرجل بقوة هزت كيانه، وقال بصوتٍ كأنه الرعد: "والله، لو جئتني بملء الأرض ذهباً لتخون أمانة المسلمين، لقطعتُ يدك التي تمتد بالرشاوي! أتظن أن ذهبك يغري من يرجو جنة عرضها السماوات والأرض؟ اذهب فقد سقطت من عيني، وحسابك عند القاضي غداً." التفت جسار ورأى سلمى تقف وبيدها أكياس المشتريات التافهة. لم يقل كلمة، لكن نظرته كانت كافية؛ كانت نظرة تقول: "أرأيتِ الفرق بين ذهبٍ يُشترى به الضمير، وذهبٍ تُشترى به الأقمشة؟" # ............... في المساء، عادت سلمى لغرفتها، نظرت إلى لآلئها وعطورها، فبدت لها فجأة بلا قيمة. كلمات جسار عن "أنين الجياع" و"كفن القطن" كانت تطن في أذنيها. تذكرت كيف كان جسار يرفض الرشوة العظيمة، بينما هي تتجادل معه من أجل عطر! فجأة، طُرق الباب. كان خادماً يحمل رسالة وصندوقاً خشبياً بسيطاً. فتحت سلمى الصندوق، فوجدت فيه مصحفاً مغطى بالجلد، وسبحة من خشب الساج، ورسالة مكتوبة بخط جسار القوي: > "إلى سلمى.. ابنة القاضي الذي علمني يوماً أن الجمال في الروح لا في الثوب. لقد وهبني الله هذه القلعة لأحمي الدين لا لأجمع الطين. إن أردتِ أن تسكني في هذا الحصن، فتعلمي أن تكوني ملكةً بأخلاقكِ لا بدلالكِ. هذا المصحف فيه دواء لضيق صدرك الذي شكوتِ منه صباحاً." > ........ خرجت سلمى إلى الممر الخارجي، ووجدت جساراً واقفاً في ركنٍ مظلم، يصلي صلاة الليل تحت ضوء القمر. كان يقرأ سورة "الرحمن"، ويبكي بصوتٍ خافت، خشوعاً لا ضعفاً. وقفت سلمى خلفه، ولم يشعر بها. سمعته يدعو في سجوده: "اللهم إني استودعتك هذه الرعية، فاجعلني خادماً لهم لا طاغياً عليهم. اللهم اهدِ قلب "سلمى" لما تحبه وترضاه، واجعلها ذخراً للإسلام لا عبئاً عليه." تسمرت سلمى في مكانها. هذا "الطاغية" الذي كانت تخاف قسوته، يدعو لها في جوف الليل بدموع المخلصين! شعرت بخجلٍ شديد غسل كبرياءها تماماً. سجدت في مكانها خلف الجدار، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بلذة السجود وبأن الصلاة أعظم من كل قصور الدنيا.