الفصل الثاني ـ سجادة الفجر
:
## الفصل الثاني: مائدة الصبار وسجادة الفجر
مرّت الليلة الأولى على سلمى في قلعة الحجر كأنها دهر. كانت غرفتها واسعة، جدرانها من صخر صلب، وأثاثها بسيطاً مقارنة بقصر والدها في المدينة. نامت وهي تشعر بالوحدة، وبأن هذا "الجبار" الذي يُدعى جسار قد سجنها في معقله.
عند بزوغ الفجر، استيقظت سلمى على صوتٍ لم تسمع بجماله من قبل. كان آذان الفجر يرتفع من مئذنة القلعة، صوتٌ رخيم، قوي، وكأن الصخر نفسه يسبح معه. لم تكن تعلم أن المؤذن هو جسار نفسه، الذي لا يترك شرف النداء للصلاة لغيره، ليذكر نفسه قبل رعيته بأنه "عبدٌ لله" مهما بلغت قوته.
###..........
......
نزلت سلمى إلى قاعة الطعام الكبرى، كانت تمشي بخيلاء، تجر خلفها ثوباً من الحرير الأخضر، وتتوقع أن تجد مائدة عامرة بأصناف الطعام كما اعتادت في دلالها. لكنها وجدت طاولة خشبية طويلة، يتصدرها جسار، وحوله قادة جنده وبعض كبار السن من أهل القرية.
كان الطعام بسيطاً: خبز برّ، تمر، وعسل، وقليل من السمن.
وقفت سلمى مذهولة، وقالت بصوت مسموع:
> "أهذا هو فطور سيد القلعة؟ أين اللحم؟ أين الفواكه المجلوبة من الشام؟ أين الخدم الذين يصبون القهوة في فناجين الذهب؟"
>
ساد الصمت القاعة. وضع جسار لقمته جانباً، ولم يرفع عينه إليها، بل قال بهدوء أرعبها أكثر من الصراخ:
"يا ابنة القاضي، اللحم لولائم الضيوف ومن أنهكهم العمل في المزارع. أما نحن، فنأكل ما يسد الرمق لنقوى على العبادة والعمل. من اعتاد ترف البطن، ضعف قلبه عن حمل الحق."
ردت سلمى بغضب: "لكنك غني! والناس يقولون إنك تملك خراج الأرض كلها، لماذا تعيش عيشة الفقراء وتجبرني عليها؟ هل هذا بخلٌ أم طغيانٌ جديد؟"
هنا، وقف جسار. كانت قامته توحي بالهيبة التي تجعل الروح ترتجف. نظر إلى أحد الشيوخ الجالسين وقال: "يا أبا صالح، أخبر ضيفتنا أين ذهبت أموال الخراج هذا الشهر."
أجاب الشيخ بوقار: "يا ابنتي، لقد اشترى بها الشيخ جسار خيولاً وإبلاً للقوافل التي نُهبت في الطريق التجاري، وأعطى لكل أرملة في الوادي كفايتها لعام كامل، وبنى بئراً في المسغبة. هو يلبس الخشن لنلبس الناعم، ويجوع لنشبع."
أحست سلمى بوخزة في قلبها، لكن كبرياءها "المدلل" منعها من الاعتذار. جلست على طرف المائدة ونبذت الطعام بترف، فما كان من جسار إلا أن قال:
"من لا يشكر النعمة، يُحرم منها. ارفعوا المائدة، فابنة القاضي لا تزال صائمة عن التواضع."
##
........
بعد ساعات، خرجت سلمى إلى باحة القلعة لترفه عن نفسها، فرأت جساراً يمتطي جواده الأدهم "البرق". كان يلبس درعه ويستعد للخروج. فجأة، اقتحم رجلٌ غاضب الباحة، يصرخ ويسب جساراً ويتهمه بأنه صادر بضاعته عند المدخل.
توقع الجميع أن يضرب جسار عنقه، أو يلقيه في السجن، فقد كان الرجل يتطاول بالقول القبيح. اقتربت سلمى وهي ترتعد، ظناً منها أنها ستشاهد "طغيان" جسار الآن.
ترجل جسار عن فرسه بهدوء. اقترب من الرجل الغاضب، الذي كان يرتجف رعباً رغم صراخه. وضع جسار يده على كتف الرجل وقال بصوتٍ هادئ:
"استغفر الله يا أخا العرب. بضاعتك كانت خمرة، وهي محرمة في شرع الله، وفي قانون هذه القلعة. لم أصادرها لنفسي، بل أهرقتها لنحمي شبابنا. أما سبّك لي.. فإني قد عفوتُ عنك لوجه الله، فالعفو عند المقدرة شيمة المتقين."
ثم أخرج صرة من المال وأعطاها للرجل وقال:
"وهذا مالٌ من مالي الخاص، ابدأ به تجارة حلالاً، ولن يمسك أحدٌ بسوء ما دمت تمشي في طاعة الله."
سقط الرجل على ركبتيه يبكي ويقبل يد جسار، بينما وقف الحراس مبهورين، ووقفت سلمى بعيداً، تراقب هذا "الطاغية" الذي يبتلع غضبه لله، ويقابل الإساءة بالإحسان##
في المساء، وجدت سلمى جساراً يجلس في الشرفة العالية يقرأ في مصحفٍ صغير بضوء القنديل. اقتربت منه بخطوات متعثرة، وقالت بصوتٍ خفيض:
"لقد رأيتُ ما فعلت اليوم.. لماذا تظهر للناس بوجه الصارم الغليظ، وأنت تملك هذا الحلم؟"
أغلق جسار المصحف، ونظر إلى الأفق البعيد حيث تلتقي السماء بالجبل، وقال:
"يا سلمى، الدنيا دار ممر، والناس لا يحكمهم إلا عدلٌ مشوبٌ بالهيبة. لو رآني الناس ليناً في كل حين، لطمع الظالم في المظلوم، ولضاع شرع الله. أنا ألبس هذا اللثام لكي يهابني المفسد، أما المحتاج فقلبي له سكن. دلالكِ جعلكِ ترين القشور وتنسين اللب. القوي هو من ملك نفسه عند الغضب، لا من صرع الناس."
ثم نظر إليها نظرة خاطفة فيها عتابٌ رقيق:
"صليتِ العصر؟ أم أن ثياب الحرير أنستكِ حق المنعم؟"
خجلت سلمى كما لم تخجل من قبل، وأدركت أن هذا الرجل ليس "طاغية" كما يقولون، بل هو "وليّ" يخفي صلاحه خلف درع من الحزم.
##