خلف لثام العز - الفصل الاول ـ في حضرة الجبل - بقلم نور - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: خلف لثام العز
المؤلف / الكاتب: نور
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الاول ـ في حضرة الجبل

الفصل الاول ـ في حضرة الجبل

الاهداء: > "إلى كُلِّ مَن ظَنَّ أنَّ القوَّةَ في بَطشِ اليَدِ، فنسِيَ أنَّها في ثباتِ القَلب.. > إلى الذينَ يَرتَدونَ صَرامةَ المَظهَرِ لِيَحموا رِقَّةَ المَخبَر، ويَقِفونَ في وَجهِ الرِّيحِ كَي لا تَنطَفِئَ شُموعُ الضُّعفاء.. > أُهدي إليكُم مِحْرابَ ثباتي، وسَوادَ سيفي الذي لم يَكُن إلا سِتراً لِنورِ اليَقين." > .......... > "إلى مَنِ اعتادتِ الدَّلالَ، ثمَّ اكتَشفتْ أنَّ في قلبِها لَبؤةً لا تَنكسِر.. > إلى التي علِمَتْ أنَّ خِمارَها عِزٌّ، وأنَّ صَبرَها نَصْر، وأنَّ جَمالَ الرُّوحِ يَهزِمُ جَبَروتَ السَّلاطين.. > أُهدي إليكِ رِحلَتي.. مِن تَرَفِ القُصورِ إلى عِزَّةِ الثُّغور، حيثُ وَجدتُ نَفْسي خلفَ أسوارِ القَلعةِ ............ ....................... ## الفصل الأول: في حضرة الجبل كانت القافلة قد وصلت أخيراً إلى مشارف "قلعة الحجر"، حيث يمتد نفوذ الشيخ جَسّار. كان يُلقب بـ "الأسد الحبيس"، رجلٌ يحكم رعيته بيد من حديد، كلمته سيف، ونظرته تجعل الرجال الأشداء يطرقون رؤوسهم خجلاً أو خوفاً. يُشاع عنه أنه رجلٌ جاف كصحراء نجد، لا يعرف اللين في الحق، ويظن الناس أن قسوته تجاوزت الحد. أما سلمى، فكانت تجلس داخل هودجها المبطن بالحرير، تمسح دموعاً رقيقة بطرف كمها المطرز. هي ابنة القاضي التي لم يمسّ كفها خشناً قط، أُرسلت لبيت جسار كوصية من والدها الراحل الذي كان يثق في دين جسار وأمانته فوق كل أحد. ..... توقف الهودج. فُتح الستار، لتجد سلمى نفسها أمام رجلٍ فارع الطول، يرتدي عباءة سوداء وعمامة صقرية، ولثاماً لا يظهر منه إلا عينان كجمرتين تحت ضوء الغروب. قالت سلمى بصوتٍ مرتجف، يحاول استجداء دلالها المعتاد: > "أهكذا يُستقبل ضيوفكم؟ بالصمت والوجوه المغطاة؟ سمعتُ أنك غليظ القلب يا شيخ جسار، ويبدو أنني لم أخطئ." > لم يتحرك جسار قيد أنملة. غضّ بصره عنها فوراً تأدباً، وقال بصوتٍ عميق فيه بحّة هيبة: "يا ابنة القاضي، نحن قومٌ نُكرم الضيف بالفعل لا بالقول. أما لثامي فسترٌ لصبري، وأما صمتي فذكرٌ لله في سري. ادخلي القلعة آمنة، فلكِ ما لنا وعليكِ ما علينا." .... في المساء، وبينما كانت سلمى تتجول بملابسها الفاخرة التي تجرها خلفها، رأت من شرفة غرفتها مشهداً غيّر كل تصوراتها. رأت جساراً "الطاغية" يقف أمام رجلٍ فقير من الرعية جاء يشتكي من ضيق الحال. كان جسار ينصت برأسٍ مائل، ثم خلع عباءته الفاخرة ووضعها على كتف الرجل، وأعطاه كيساً من المال وهو يقول له بصوتٍ خفيض سمعه الريح فقط: "هذا حقك في بيت مال المسلمين الذي استأمنني الله عليه، لا فضل لي فيه. وإن عُدت فلك عندي الزيادة، لكن إياك أن تخبر أحداً من أين جاءك المال، فالمعطي هو الله وحده." ثم التفت جسار ليؤذن لصلاة العشاء بصوتٍ عذبٍ جداً، اهتزت له جدران القلعة الصماء. ## ........... عند خروجه من المسجد، اعترضت سلمى طريقه، وقد بدا عليها الذهول: "لقد رأيتك! لماذا تترك الناس يظنون أنك جبارٌ متكبر وأنت تفعل هذا؟ لماذا لا تبتسم لهم ليعرفوا لين قلبك؟" توقف جسار، وبقي ينظر إلى الأرض احتراماً لها، ثم قال بيقين: "يا سلمى، مخافة الله تتطلب هيبةً تحمي الضعفاء من الطامعين. الابتسامة في وجه الظالم ضعف، واللين في غير موضعه ضياعٌ للحقوق. إن ربي يعلم ما في قلبي، وهذا يكفيني عن مدح المادحين. دلالكِ يا ابنة الكرام يجعلكِ ترين العالم ألواناً، لكن العدل يتطلب أحياناً أن نرتدي السواد ليرتدي الناس بياض الأمان." ..............