الفصل 98
تنزاح الغيمه السوداء التي غطتني لوهله ، وتبدئ الرؤيه تتضح امامي ..
اتذوق طعم يشبه للرمل الممزوج بالكبريت ، اشتم رائحه حريق ..
واشعر بألم يتفاقم في قدمي اليمنئ ..
اين انا الان ،ماكل هذا الضباب الأسود الذي يغطي المكان .
اعتدل جالسا ،فيلسعني الألم في قدمي ..
أحاول كتم صرخاتي ، واتلمس الجرح ببطء ..
تلطخ يدي لزوجه الدماء ، اتأمل الأرض من حولي فأجدها تتلون بالأحمر ..
أتذكر انني كنت بصحبه " مشعل ، حيث كنا سنقصد جبل قريب ونتمركز فيه مع البقيه ..
لكن لا أتذكر مالذي حدث بعد ذلك ..
انفجار ، نعم ، صوت انفجار وحراره تلسعني ..
وبعدها ؟! اين مشعل ، ومالذي حصل ؟!
يختفي الدخان الأسود ، يصنع لي مجال للرؤيه ، فتسقط انظاري علئ جسد مرمي ..
اتعرف علئ الزي العسكري ، وصاحبه!
لا اجد قوه في جسدي تعينني علئ التوجه نحوه بسرعه ..
فازحف ببطء بأتجاهه ، وشعور عميق بالخوف ينتشر بداخلي ..
اصل عنده واهزه ، مره ، مرتين ، وثلاث ..
ولا مجيب !
استجمع طاقتي ، اجلس واقلبه علئ ظهره ..
ارفع رأسه ليستقر علئ فخذي ..
يترائئ لي وجهه ، ملطخا بالدماء والتراب ..
خاليا تماما من الحياه ..
امد يدي ، اتحسس نبضه ، وابعد انظاري عن اقدامه ..
ابحث عن أي علامه للحياه فيه ..
فلا اجد شيء ..
لا نبض يذكر ، لا شيء ..
..
لا احتاج الكثير لأوقن انه قد فارق الحياه ..
لكنني رغما عني كنت اشعر انه سيقف مبتسما بعد لحظات ..
لذلك ظللت انادي بأسمه ..
تبا يامشعل ، كيف لك ان تموت بهذه السهوله ..
ظننت انك ستحضئ بنهايه دراميه علئ الأقل ..
بنهايه اكثر صخبا من هذه ..
تسيل قطرات العرق لتصب في حوض عيني ..
فتحرق عيني كالحمض ..وتثير دموعي ..
لتسيل وابكيك يامشعل بجانب عربتنا التي تشتعل فيها النيران ،بين الأدخنه ورائحه الدماء ..
بكيت لأول مره ، بعيدا عن تله جدي القديمه هناك ..
وتعرفت بفضلك علئ مكان جديد للبكاء ..
احتظن رأسه ، اقبله ..
لم اظن لوهله انني سأشهد لحظه موته ..
المح جهاز اللاسلكي المعلق علئ بذلته ..
التقطه واضغط الزر طلباً للمساعده ..
أتأمل الجبال من حولي أحاول تحديد المكان ..
فيقع نظري علئ رجلين يتقدمان نحونا بسرعه ..
لباسهما وهيئتهما .لايعطي مجال للشك انهما من "العدو ..
تتزايد نبضات قلبي اكثر ..
هل سيتحقق اسوء شيء كنت اخافه ؟!
هل سيتحقق رعب كل جندي في الحرب ؟!
الرعب الذي يتجاوز الاصابه و الموت !
الأسر ، اسوء كوابيس الحرب ..
اتراه سيتحقق الان ؟!
لا لن يتحقق ابدا ، لن اسمح بذلك ..
فأما النصر هنا ، واما الشهاده ..
ازحف في الأرجاء بحثا عن سلاحي ..
واجده ..
اسحب مفتاح الأمان بسرعه ..
يقتربون اكثر فأطلق النار عشوائيا نحوهم ..
ادرك ان هنالك احتمال كبير انهم اكثر من هؤلاء الاثنين ..
وان صدوع هذه الجبال تحوي الكثير منهم ..
لكنني حتئ اخر نفس سأقاوم ..
ولن اتردد لوهله عن اللحاق بمشعل اذا لزم الامر ..
لم ادرك انني اتعرض لأطلاق نار
الا بعد ان أصدر معدن السياره من خلفي صوت اصطدام الرصاص به
فامتزج مع صوت النداء الذي يصدر من جهاز اللاسلكي ..
وكنت اعلم ان الموت اقترب..
وكان لقائه وجه لوجه مرعباً جداً ،
لكنني فضلت منازلته عن الهرب ..
شعور غريب انني سأنهي كل صولات وجولات عمري هنا ..
بجانب جثه رفيقي ، وتحت ظل سيارتنا ..
اقاوم الرصاص المتطاير نحوي ، واتحايل عليه ..
وشريط حياتي انحل امام عيني ..
فتذكرت كل شيء صنعته فيها ، كل احلامي التي حققتها والأخرئ التي تخاذلت عنها ..
كيف لحياتي الطويله تلك ان تختصر في ومضة قصيره زارتني بين وابل الرصاص؟
وتذكرتها ، تلك التي عكس زجاج النافذه صورتها يوم رحيلي ..
وشعرت بالسوء انني لن اصطحب معي صوره اخيره لها سوا هذه ..
تذكرت كل شيء ، كل عائلتي واقاربي ..
كل من تركت خلفي هناك في نجد..
لأقف هنا بين الجبال ، في منطقه العدو تماما ..
احمل قلب نادم علئ عدم توديعها ، وعزيمه للنصر ..
"فالتشهد الحرب اني جئتها "صابراً محتسباً ، مقبلاً غير مدبر ..
لعلها تشفع لي عند الله ...... "اذ لقيته ..
———
اذعنت بيأس لحصار والدي لي ، ونطقت مكرهه بالإيجاب
واخترت اخف الأمرين ،
فميثم اخ صغير بالنسبه لي .. ،
لذلك وافقت علئ "هتان ..
برغم ان والدي كان منحازاً تمام لميثم ، وبات يثير المشاكل لأجل ان أوافق عليه ..
لكنني اخبرته انني لن ارتبط بميثم ابداً ..
فهو كالإخ تمام ، لن اتقبله ابدا كزوج ..
وظللت اهرب طوال هذه الفتره منه ، حتئ حاصرني هذا اليوم طلبا لجواب ..
وابديت رغبتي في غريب الأطوار لينتهي كل هذا الصداع من حولي ..
ان كانت موافقتي عليه مقرونه بالصلح مع والدي فأنا موافقه اذا ..
التقط موافقتي وغادر بعد قبله طبعها علئ جبيني ، مرفقه بدعوه بالتوفيق ..
لا اعرف انا أيضا لا اشعر بكم بالغ من الضيق ..
اشعر فقط انني اكره موقفي هذا فقط ..
وبتبلد يكتسح مشاعري ..
اعترف ان عودته مره اخرئ لخطبتي ، كانت اطراء لي ..
بعيدا عن غرابته ، شعرت كما لو انه يريدني حقا ..
معجب بي او ربما يحبني .. ؟!
حسنا لا اريد ان أكون معتده بنفسي ، لكن ربما هو كذلك ..
انا ادرك امكانياتي الجماليه والعقليه ، أي احد سيسر بالأرتباط بي ..
لذلك لا شيء غريب في هذا ..
لكن مازلت لا استلطفه ..
شيء فيه يجعلني اشعر بالرعب من قراري السابق ..
نظراته منذ ذلك اليوم مازالت تلتصق بثيابي ..
مازال جسدي يقشعر في كل مره اتذكره ..
حين علمن صديقاتي انه تقدم لخطبتي ..
هرعن للتقصي عنه ..
وجلبن كل مايحويه ملفه في هذه الحياه ..
كالأستخبارات تمام ، او اكثر منهم اجتهادا ايضاً ..
امتلئ الأستديو عندي بصوره ، واتخمت من عبرات المديح التي أثارنها حوله ..
وتعرضت لتهديد منهن ان لم اقبل به ، سأقتل !
اتصفح صوره في هاتفي ..
أغلبها صور رسميه ، بأناقه مفرطه ، ونظرات مباشره ..
كما لو انه بعينه الحاده هذه يحدق تمام بي ..
اشعر بحراره تغطي الجو ، وبوجهي يشتعل ..
هل حقا سينتهي الامر بي زوجه له ؟!
——-
اقف بسيارتي امام منزل صقر ، اتأمله وانتظر قدوم صلاح ..
بات يحب المجيئ والبقاء عندهم ..
فلا اجد سبب لأمنعه ، علئ العكس شيء جيد ..
أتذكر ذلك اليوم ، يوم خروجي من السجن وقدومي هنا ..
لا اعرف فيما كنت افكر آنذاك ؟
كانت صدمتي بحقيقه فقدها تماماً موجعه لي ..
لذلك ذهبت ابحث عنها في كل مكان ..
ووجدتها هنا في منزله ..
لازلت أتذكر انصهار كل شيء بداخلي ..
شعرت يومها ان سأموت "قهراً
لكن ها انا الأن ، اقف امام المنزل ذاته .ومازلت علئ قيد الحياه ..
اعاني من الكثير ، لكنني لم امت "قهراً ، كما ظننت..
يخرج صلاح أخيرا والأبتسامه تغطي وجهه ..
وتخرج فتاه لتقف عند الباب وتلوح له مودعه ..
اهذه اختها ؟ سمعت انها تسكن معها الان ..
كم تشبه لها هذه الصغيره !
يملكان ذات العينين ، تلك العيون العميقه النادره ..
اترجل مرغما من سيارتي ، مشدوهاً تمام ..
وملبوسا بالذكرئ القديمه ..
كأنها تلك في زمن ما ..
اقف امامها واللون وجهي باللطافه :شلونك ياحلوه ..
يشع سواد عينيها وتتاملني بصمت ..
امسك بكفها الصغيره :انا اخوك فلاح ، اخوك انتي وصلاح ..
تهز رأسها موافقه ..
فأدنو منها لأقبل رأسها ،
ولكنها تعود ورائها وترتسم علئ وجهها ملامح الرعب ..
ثم تركض هاربه للداخل ..
شعرت انني فعلت امراً خاطئ او ماشابه ..
لكنني فقط كنت انوي تقبيل رأسها بسرعه ..
اعود لسيارتي ، فينهرني صلاح :لا عاد تسلم عليها ،ماتحب السلام هي ..
ربما هو محق ، هو ادرئ بها بالتأكيد ..
لكن ، مابال هذه النبره التي تغطي صوته ..
بدأ غاضباً ومتوتراً ..
اتأمله لبرهه ، وشعور عميق يتكون بداخلي ..
شعور ان الماضي يعيد نفسه ..
وصلاح ماهو الا مثال جديد لأخيه ..
انقل نظري بينه وبين الطريق ..
واجده يتأمل المشاهد من خلف زجاج النافذه بصمت ..
اريد ان اخبره ، اهرب ..
اهرب كما لو انك تهرب من الموت ..
مادمت تملك حياتك في يدك ، اهرب ..
لأن الحال سينتهي بك مثلي ..
او ربما اسوء ..
اهرب ، فانا اتنبئ بك ..!