الفصل 93
اقف امام المنزل القديم ..
اتأمل الاخر الذي يجاوره ..
واتسأل : هل سيتكرر ندمي القديم ذاته ؟
هل سأعود لأكون مراهقا متزعزعا مثلما كنت آنذاك ..
لأكرر نفس الأخطاء ، لأعود لنفس الدوامه .. بأختلاف العمر ..؟
تتوقف سياره امامه ،
تترجل منها امراءه اتعرف عليها بسرعه ..
طول قامتها ، وهيئتها المميزه ..وتحركاتها الهادئه ..
تحرك المفاتيح بين اصابعها ..وتتأمل واجهه المنزل ..
ثم تتقدم من الباب بعد تأمل طويل لتفتحه ..
اجدني رغما عني اقترب منها ، وابادر بالسلام ..
تعود متفاجئه للخلف ،كما لو انني اقتحمت لحظه التأمل التي كانت غارقه فيها ..
تقترن نظراتنا ، فتنزل عينيها بسرعه ..
تضيق فتحه نقابها الواسعه ، وتغطي كفيها .. وترد السلام ..
...:شلونك يابنت محمد ، ان شاء الله طيبه ؟
ترد بصوت مرتجف لا يشبهها :طيبين الحمد لله ، شلونكم وشلون الأهل ..؟
....: كلنا بخير وصحه لله الحمد ..
تفتح باب المنزل بسرعه ،تغادرني لداخله وتغلقه ..
مابالها ، بدت غريبه جدا ،
عينيها لم تكن هي ذاتها تلك ،شيء فيها بدأ مختلفا جدا ..
ادخل بدوري لمنزلي القديم ، انزع شماغي وارميه علئ الأريكه ..
وارتمي بجانبه ..
للتو عدت من منزل والدها الذي طرح الطلاق منذ البدايه علئ الطاوله ..
رافضا أي طلب مني لمقابلتها والتفاهم معها علئ حدئ ..
حاولت ان اشرح له موقف سفري لأهدي الأمور ..
وان اتعذر له بعملي ، لكنه بدا زاهدا ..
وبدأ اخوها بالتهجم علي ، ونعتني بعدم المسؤوليه ..
"لسفري وحدي وتركها وهي عروس .."
أي سبب تافه هو هذا ؟!
تشاجرت معه حينها فأي حق يملكونه ليحاسبوني ..
وانا رجل حر لا حق لأحد علي ..
ولم اعاملها منذ البدايه الا بالأحسان ..
لكنها علئ مايبدوا كانت تريد حياه اخرئ ..
تريد رجل تحكمه ، وتحركه كيف ما شائت
وهذا شيء لن تجده ابدا عندي ..
..
سأتركها لفتره حتئ تفكر جيدا ، وتقلب الموضوع عده مرات في رأسها ..
ثم حينها سأقرر ..
اشعر بالضيق من كل هذا الوضع ..
كما لو انني من البدايه عقدت حبل مشنقتي ..
وحان الان وقت الوقوع فيه ..
البيت هذا مظلم ، وتمتلئ جيوبه وزواياه بالغبار ..
كل الصخب الذي كان يملئه من ضحكات الصغار ، تبخر !
لم اقدر حياتي آنذاك ، ذهبت لأبحث عن حلم مراهق قديم ..
وانتهئ بي الأمر واقعا في كابوس لم احسب حسابه ..
والان تشكل الحلم القديم علئ هيئته جديده ..
لأخسره هو الأخر ..
اقهقه رغما عني ، ساخرا من كل هذه الدراما التي اعيشها ..
كيف انتهئ بي الأمر بكل هذا الضياع ؟
.....
———-
انزع نقابي ، وادسه في حقيبتي ..
اتجاوز كل شيء للأعلئ ..
لا التفت ولا اتأمل الأرجاء ..
اقف عند غرفته القديمه ،مضئ زمن طويل منذ اخر مره ..
افتح بابها بمفتاح خبئته فوق اطار الباب ..
ينفرج الباب ، فيستقبلني الظلام ..
أتقدم للداخل ، اشعل مصباح هاتفي ..
انير به طريقي ..
اتعرف علئ الأوراق المنثوره بجانب الكتب ..
اقسم انني استطيع التعرف علئ ماكتب فيها عن ظهر قلب ..
المح العود القديم مرميا ، اعقاب السجائر المتناثره علئ الأرض ..
كان هذا المكان فردوس لي .
كنت اجد نفسي واضحه هنا ،
فانسل او اهرب له كل ما سنحت الفرصه ..
اقترب من المكتب، اجلس علئ مقعده .
فيهتز ويصدر صوتا متعبا ..
انا لا اعرف مالذي جلبني هنا ..
في هذا الوقت بالتحديد ..
شعرت فقط انني احتاج مكان اخر ..
مكان لا يخنقني الندم فيه ..
انير المكان من حولي بهاتفي ، واتأمله ..
اجد خصلات شعري المقصوصه منتثره ..
فأتذكر صوت المقص وهو يقضم شعري ..
ودعائي عليه " الله ياخذك ..
تنسل دمعه وتتبعها دموعا اخرئ ..
ابكي دعائي القديم ، واستغفر الله ..
ليتك تعود ياصقر ؟!
انا متعبه جدا من بعدك ..
للتو ادركت كيف كانت الحياه سهله وجميله بوجودك ..
لما تحتم عليك ان تغادرني .. ؟
لما الان بعد ان بدات حياتنا تستقر ..
بعد ان بدأت افتح الشبابيك ، واصنع فنجانين قهوه ..
بعد ان زرعت النعناع في حديقتي لأول مره ،لأنك تحبه ..
لما تغادرني الان بعد صنعت فيني رغبه عميقه لأنجب منك طفلا يشبهك ..
لما تحتم عليك ان تغادرني ، للموت !
وتريد مني ان أوافق ؟!
ان اشرع لك الأبواب واسمح لك ان تغادرني وانا ابتسم ..؟!
أي انانيه تسكنك ؟!
وانت تعلم انني أخاف الفراق والوداع ..
تعلم ان هذه هي عقده نقصي الدائمه ..
وحين شرعت لك الأبواب لتدخل ..
كان المفترض ان لاتشرعها مره اخرئ لتغادر ..
لم استطع توديعك ، او لم ارد ..
، استدعيت كل برود العالم ليتلبسني يومها ..
ووقفت مطولاً امام النافذه ابتلع دموعي وانا اتأمل حوض النعناع الصغيره هناك ..
واندب حظه الذي يشبهني .
وحين غادر ، تأملت ظهره طويلا وهو يبتعد ..
يسحب حقيبته ويعبث بهاتفه ، ولم يتلفت حتي للخلف ..
لو انه التفت حينها لادرك أي وجع يسكنني ..
لفضحت الدموع التي نثرتها عند النافذه ، حزني برحيله ..
اكاد اجن في ذلك المنزل ..
ماكان معتزلي الأختياري، اصبح سجنا يطوق روحي ..
لذلك بدات في سلوك طرق لم اسلكها قبل ذلك ..
زرت جدتي ، ومنازل اعمامي ، وحاولت التواصل مع زميلات الدراسه ..
كل هذا طمعا بالانشغال ..
كنت افتح باب للمشاكل ، والأحداث الجديده ، لانشغل بها عنك ..
ولكن لم يحدث شيء ،سوا انني في كل يوم ابكيك اكثر ..
وانني اكتسبت عقده جديده لتنظم لمجموعه عقدي السابقه ..
حين ادير التلفاز او حينما التقط هاتفي لأتصفحه ..اخاف ..
ان تكون صورتك بزيك العسكري متربعه فيها ..
مذيله بخبر يقتلني ، وبشريطه سوداء تلف زاويتها ..
وهاانا الأن في منزل والدي ،
انفض يدي عن الغبار واغادر ..
لن اجد هنا سوا الذكريات التي لا تجدي نفعا ..