حيث كنا - الفصل 90 - بقلم ملذ | روايتك

اسم الرواية: حيث كنا
المؤلف / الكاتب: ملذ
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل 90

الفصل 90

مازالت صورتها وهي تودعني نصب عيني .. لم اردها ان تحضر ، لكنها كانت مصره علئ ذلك .. كان الحزن ينعكس علئ عينيها الزرقاء ، وكانت ترغمني علئ قطع وعود للعوده كما لو انها ظنت انني كاذب ، وانني سأغادرها للأبد .. وكيف لي ذلك ؟! كيف لي ان اتجاهل القبله التي تشاركناها لحظه طيش .. حين طوقتنا الرغبه ، وحاصرتنا بين جدرانها .. كيف لي ان اخسر معركتي التي بدأت للتو .. .. اشعر بأنعكاس صورتها علئ الجدران امامي .. بملابسها السوداء كانت كما لو انها تعيش لحظه حداد خاصه .. كان جيب قميصها واسع ، تخاذلت عن اغلاق زرين منه .. وكان يكشف عن صدرها الذي يتربع فوقه رمزها الديني .. كنت مترددا في تنبيهها ، شعرت انها ستفهمني بطريقه خاطئه .. لكن انتصر شعور الغيره بداخلي ، لأغلق سحاب سترتها .. حذرتها ان لا ترتدي ملابس مثل هذه بعد الان .. بل واقترحت ان ترتدي ملابس فضفاضه اكثر .. وكانت تبتسم مرحبه بالفكره ، مما جعلني اشعر بالزهو .. لم تبكي ، لكن انعكاس الدموع كان واضحاً خلف عدساتها .. افترقنا بغرابه ، كنت اريد احتضانها .. لكنني جاهدت نفسي لأغلب هذه الفكره .. القرب هذا وان كان لذيذا جدا لكنه يبعث بالندم . لذلك تخليت عن فكره توديعها بحميميه .. ولم تبادر هي أيضا ، كما لو انها ادركت ماكان يجول في رأسي .. وهاانا اجلس الان امام الجميع ، وجوه مألوفه جدا .. وجوه احبها واشتقت لها حقا .. اجلس وانا اشعر بعظلاتي المتصلبه ، وبجسدي المتعب من رحله البارح .. حتئ انني لم احضئ بنوم مريح ، بل علئ العكس داهمني الارق .. واكتسحت الكوابيس نومي المتقطع .. الصمت يطوق المكان بغرابه .. والدي تغير كثيرا ، في الحقيقه هو لا يشبه والدي الذي غادرته .. مازال محتفظا بصلابته لكنه أيضا بات يملك هشاشه واضحه .. وامي ، كبرت في العمر بسرعه .. هزمتني رؤيتها البارحه، فبكيت .. لم يكونا والدي بالحنونين او المراعيين لي في السابق .. لكنني اعلم انني كنت املك مكانه خاصه .. حتئ وان كنت آنذاك اعامل بالأهمال .. الأجواء تغيرت هنا .. ماعادت الأوضاع بتلك الحميميه .. في السابق ، كانت اجتماعاتنا مسليه جدا .. كانت صاخبه ..وكنت اتشوق لمن يصطحبني لها .. لكنها الأن باهته .. اظن ان لموت جدي بالغ الأثر في ذلك ، اذ انه بعد موته .. كبرت المساحه التي تفصل أولاده ، وامتدت لتصل الاحفاد .. يجلس امامي فلاح ، الذي لايمت لفلاح القديم بصله .. بشعره الطويل ، اسمرار بشرته وصمته البالغ .. يبدو مختلفا جدا عن ذلك الشاب الذي في ذاكرتي .. آنذاك كان مليئ بالصخب ، يثير النكت والمناوشات اللطيفه من حوله يبدوا بصورته هذه رماديا جدا .. جدتي ، علئ عكس الجميع ، بقيت كما هي .. لم تعصف بها رياح التغيير .. اعمامي تغيروا جدا ، اصبحوا يميلون لألتزام الصمت اكثر .. لا ادري ربما لأنه مر زمن منذ اخر لقاء بهم ، وهم فقط يمارسون حقهم في التحفظ .. يدخل رجل من الباب ، تطمس اشعه الشمس ملامحه لكنني اتعرف عليه برغم ذلك رؤيه صقر الان جعلتني اشعر انني ارئ جدي في زمن ما .. يشبه جدي شبه غير محدد ، اذ انني لا استطيع تحديد الشبه .. وجل مااعرفه انه ازداد شبه به واصبح نسخه مطابقه .. شعرت بسعادته بعودتي من طريقه استقباله .. فهو يرحب ترحيب متعارف عليه ، لكنه يغلفه بنبره صادقه مرحبه .. ويحتظن بحب ، ويصافح بحب ، وتلمع في عينيه نظرات تتفحصني بنيه التطمئن .. صقر رجل العائله الأول ، حبيب الجميع .. رحلت وعدت ، وما تغير فيه شيء ابدا .. .... ——- افكر في تلميحات مهل لي .. لأسرع في التجهيز لأمور الزواج ..! اشعر ان لموقفنا السابق يد في هذا .. نعم لاتخفئ علي رغبته ، لكنني لست مستعد الان .. لذلك اتجاهل تلميحاته واقفز عنها ببراعه .. مازالت الوقت مبكرا جدا .. لكنه علئ مايبدو سيفتح هذا الموضوع معي قريبا .. لأنه يحاول انتهاز فرص الهدوء ليجلب الموضوع .. هو بارع جدا في طرح أفكاره علئ الطاوله .. وانا فاشل في هكذا مناورات .. اتأمل ميثم الجالس امامي ، يبدو مختلفا جدا .. عن المراهق المقعد الذي بقي في ذاكرتي .. بات الان رجل مختلفا جدا .. لا يمت لميثم الماضي بصله .. لو انني قابلته في الطريق قبل هذا اليوم .لتجاوزته بدون التعرف عليه .. اعيد انظاري لوالده الذي يجلس ملاصق له، كما لو انه يخشئ هربه .. حتئ عمي تغير ..! ما كان بالأمس طاغيه ، اصبح ضعيفا جدا .. بتجاعيد وجهه وكفيه ، بنظراته المتفحصه لابنه .. ومراقبته لكل افعاله .. اطوف ببصري في ارجاء المجلس الواسع والأشخاص المتربعين فيه .. في الحقيقه الكل هنا ، تغير .. بطريقه او اخرئ ، انتهئ بنا الأمر جميعا -مختلفين جدا عن الماضي .. -مخلفين ذكريات لا تنضب ، -ومخالفين قناعات الماضي وقوانينه .. اتمنئ لو يعود الماضي ، لأعود واقتنص فرص كثيره .. لأجلس هنا واعيش الحاضر وانا راض عن نفسي كل الرضا .. ولا اشعر انني مازلت مقيد بالماضي وجماله .. اخرج من المجلس ، وانا اعتذر من الجميع .. يبلغني صقر انه يحتاجني في موضوع ما .. ويطلب تفرغي .. اوافقه وانا اعطيه موعدا عشوائيا معلنا فيه تفرغي .. لا احد يعلم انني بعد العوده من العمل ، يتأكلني الفراغ .. وانني لا اجد شيء احشو به ماتبقئ من ساعات يومي الا بالتسكع مع مهل .. اصعد لسيارتي ، ادير المفتاح . وانتظرها ان تتأقلم وتنبذ البرد . اتامل سياره صقر التي تقف بجانب سيارتي .. اغرق بتأملها اكثر .. سياره جميله وفخمه ، وظيفه مرموقه ، وزوجه نادره .. فاز صقر باليانصيب ،.. نجحت دعوات جدتي أخيرا في سوق الخير له .. ازيح هذه الأفكار ، اتعوذ من الشيطان الذي جلبها . اعلم انني عميقا في داخلي اغبط صقر علئ كل ما يملك .. واعترافي الان هو لرغبه في لمعالجه هذا الأمر .. لأنني لا اريد ان اقف في نفس المكان هذا الئ الابد .. اريد ان أتقدم .. لدي ايجابياتي انا أيضا .. سيارتي ليست بالسيئه ، وظيفتي محترمه ، وزوجتي ... لا اعرف ... لا اعرف عنها شيء .. تعود الجدائل الطويله لتداهم ذاكرتي ، اكان هذا شعرا حقيقيا ؟ جدائل حقيقيه ؟ بهذه الكثافه والطول والجمال ؟ كيف ستكون اذا اسدلتها لتغطي بها جسدها .. اراهن انها تستطيع سترها بسهوله .. انتبه لأفكاري التي بدات تتغير .. انفضها واتحرك ، سأبحث عن وجهه اتسكع فيها .. ربما سأتجه للأبل وألاصدقاء القداماء هناك ..