بيننا خيط لا ينقطع - الفصل السادس والعشرون بعد المئة - بقلم the writer linora | روايتك

اسم الرواية: بيننا خيط لا ينقطع
المؤلف / الكاتب: the writer linora
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السادس والعشرون بعد المئة

الفصل السادس والعشرون بعد المئة

" the writer Aridj " . . . انطلقتِ السيارة تشقُّ الطريق كوحشٍ أفلت من قيده، يلتھم الطريق بنھم . لم يتكلم أحد. كان الصمت أثقل من أي صوت، صمتٌ مشبع برائحة الغضب والوعيد، صمتٌ له ملمسٌ خانق، يضغط على الصدور ببشاعة. كان عبد العزيز خلف المقود، عيناه مثبتتان على الطريق، نظرة جامدة لا ترمش إلا قليلًا، لكن عقله لم يكن هناك… لم يكن مع خطوط الإسفلت السوداء ولا إشارات المرور.....كان عند ريم… عند جسدٍ ضعيف يرقد على سريرٍ أبيض، وعند طفلٍ لم يولد بعد. قبض على المقود بقوة وتنهد بغضبٍ مكتوم، كأن صدره فرنٌ تتأجج فيه نار لا تنطفئ. أما سامي فكان في المقعد الخلفي، رأسه مائلٌ قليلًا، أنفاسه حادة متقطعة، وصدره يعلو ويهبط بإيقاعٍ متسارع وسيمفونية كئيبة. كانت يده اليمنى لا تزال قريبة من خصره، كأن المسدس لم يعد قطعة معدنٍ باردة، بل امتدادًا لغضبه، ظلًّا ملازمًا لنيّته إن اضطر.....وحتى إن لم يظطر ... عيناه التركوازيتان تلمعان بحدة، كعيني ذئبٍ جريح لا يعرف الرحمة إذا استفزّه الألم. ومهند… كان يحدّق من النافذة، يراقب الشوارع تمرّ مسرعةً كأطيافٍ باهتة، لكنه في الحقيقة لم يكن يرى شيئًا مما حوله...سوى وجه صقر يتلوّى تحت قبضته.....قسمٌ يشتعل في صدره... لن يرحمه أبدًا. شدّ فكه بقسوة حتى برزت عروقه، وارتجفت أنفاسه وھو يتصور ...بأي حال سيجدھا ؟؟؟ قطع الصمت صوت مهند، منخفضًا لكنه محمّل بالبغض وكبت الغضب /عز… وين رايحين الحين؟ رد عبد العزيز من غير أن يلتفت، بصوتٍ باردٍ حاسم /للمستشفى. رفع سامي رأسه فجأة، كأن شرارة اشتعلت في حيز أفكاره /لازم نكون بالمستشفى قبل ما يروح الواطي ويقلبها لعب، ماهي أول مرة يبي يعدّيها علينا. التفت مهند قليلًا، بنظرة مستفسرة /كيف؟ ما فهمت… في شي ثاني؟؟ قال عبد العزيز بنبرة واثقة باردة، فيها ما يشبه الوعد /كل شي راح تعرفه بوقته… والحين صقر ما راح يلحق يسوي شي...اليوم راح تكون نهاية هالتمثيلية البايخة. وصلوا إلى المستشفى. بناءٌ أبيض تعلوه خطوط رمادية خافتة، يبدو هادئًا وديعًا من الخارج، كخداعٍ بصري يخفي في جوفه مآسي دفينة. ركن عبد العزيز السيارة بعجلة، وترجّلوا بسرعة، خطواتهم متسارعة كأنها تسابق الزمن نفسه. في الممر… كانت الرائحة خانقة؛ رائحة المعقمات المألوفة ذات الطابع البارد الذي يلتصق بالحلق. أضواء بيضاء قاسية تسطع فوق رؤوسهم ممتدة على طول الممر ، وأصوات أجهزة ترنّ بانتظام، كأنها تعدّ الأنفاس عدًا. وقفوا أمام غرفة ريم ... توقف عبد العزيز لحظة. لأول مرة… تردد. رفع يده ليفتح الباب، ثم أنزلها. خشي أن يراها مكسورة، خشي أن يرى أثر يدٍ غريبة على جسدٍ كان يجب أن يُحمى، جسدٍ كان أمانة في أعناقهم. أخيرًا… فتح الباب. كانت ريم مستلقية على السرير، شاحبةً كطائرٍ جريح فقد دفء عشه، أنبوبُ مغذٍ في يدها، وملامحها ساكنة كأنها نامت هربًا من العالم. شعرها مبعثرٌ قليلًا على الوسادة البيضاء، ووجهها بلا لون إلا من أثر تعبٍ طويل الذي ابدع رسم نفسه على ملامحها. اقترب عبد العزيز ببطء، كل خطوة كانت تثقل صدره أكثر. همس سامي، وصوته يرتجف /يارب رحمتك… أما مهند فشدّ فكه وأغمض عينيه لحظة، كأنه يحاول أن يمنع نفسه من الانفجار هنا.....أظن أن أكثر من جرحٍ لرؤيتها هكذا كان ھو....سيف الهند الأصيل… لكن هذا الجرح في القلب لن يبرى ولن يرتاح ... فتحت ريم عينيها ببطء، وأدارت رأسها نحوهم. وما إن رأتهم حتى تجمّدت ملامحها للحظة، ثم امتلأت عيناها بالدموع.و بصوتٍ متعبٍ مكسور قالت/…جيتوا؟ اقترب عبد العزيز أكثر، صوته خرج منخفضًا لكنه مليء بالقهر /جينا… وما راح نتركك. سامحينا على اللي سويناه فيك. حاولت ريم أن تجلس، لكن الألم أجبرها على التوقف، وضعت يدها على بطنها بحذر وقالت وهي تمسح دموعها /قالوا إن الجنين بخير… بس… انقطع صوتها ،لم تكمل.... رفعت رأسها نحو السقف بصعوبة، ثم انفجرت تنوح بصوتٍ مكسور /كان راح يموت… وراح أروح معاه… راح أموت… لم يتحمل سامي ما يراه أكثر. أسرع إليها، وضمّها إلى صدره بحنانٍ /حقك ما راح يضيع… مستحيل أتركك مرة ثانية… ليش خبيتي؟ ليش ما قلتي لي؟ ليش سويتي في نفسك هيك؟… سامحيني ياريم.... كان صوته يختنق بين الكلمات، وعيناه تلمعان بدموعٍ حاول عبثًا أن يحبسها. مهند شدّ قبضته حتى كادت أظافره تنغرس في راحته، وقف لبضع ثوانٍ عاجزًا عن التنفس، ثم خرج من الغرفة. رفع يديه وأمسك رأسه، وشريط ذكرياته يجول أمامه كعاصفةٍ سوداء. همس لنفسه بحرقة: ماذا فعلت بكِ الأيام يا حلم الصبا؟ أهذا انتقام السنوات… أم انتقام القلوب؟ دخل الطبيب،ثم تبعه مهند. ألقى الطبيب نظرة سريعة على الأجهزة، ثم قال بلكنةٍ فرنسية مهنية / La situation est stable, mais toute pression psychologique pourrait lui nuire… surtout qu’elle est enceinte. الترجمة الى العربية/الحالة مستقرة، لكن أي ضغط نفسي ممكن يضرها… خصوصًا وهي حامل. نظر عبد العزيز إلى الطبيب نظرة من يلتمس خيط طمأنينة، ولو كان رقيقًا . هزّ الطبيب رأسه مبتسمًا، وأضاف / Rassurez-vous, elle ira bien… elle semble être une mère forte, et son bébé aussi. الترجمة الى العربية/اطمئنوا، ستكون بخير… يبدو أنها أم قوية وجنينها كذلك. أومأ عبد العزيز برأسه، كأن تلك الكلمات أسعفته قليلًا. ثم استدار الطبيب وغادر بخطواتٍ هادئة. قالت ريم بعد صمتٍ طويل، وعيناها معلقتان بفراغٍ بعيد /أبي أطلق… هو راح يقبل يطلقني أكيد؟؟؟ تبادل الثلاثة نظرة سريعة، صامتة لكنها حاسمة. تقدم سامي خطوة، وصوته صارم لا يقبل الشك /وبالغصب. أضاف مهند، وعيناه تقدحان شررًا /وإذا فكر مرة ثانية يقرب لك… أقسم بالله ما يشوف الشمس بعدها. تنهدت ريم، وأغمضت عينيها كأنها أفرغت حملاً ثقيلًا /أنا تعبت… أبي أعيش. مدّ عبد العزيز يده، أمسك يدها برفقٍ شديد، وقال بصوتٍ حنون /وراح تعيشين… وراح نعوضك عن كل اللي فات بإذن الله… بس لازم تصبرين شوي. رنّ هاتف عبد العزيز. نظر إلى الشاشة نظرة خاطفة، وابتسم بسخريةٍ باردة، ثم خرج من الغرفة وأجاب /وش تبي؟ جاءه صوت صقر، مشحونًا بحقدٍ دفين /وينك؟ لازم نتكلم رد عبد العزيز بهدوءٍ مستفز /ما بيننا كلام… بيننا توقيع على ورق الطلاق. صرخ صقر بحدة /أنت ما تقدر تجبرني! هي زوجتي وأنا اللي أختار. ضحك عبد العزيز ضحكة قصيرة مظلمة /لا؟ جرّب تعترض. وأنهى المكالمة. عاد إلى الغرفة، ملامحه صارت أكثر صلابة، وقال لسامي ومهند /اجهزوا… بكرا نخلص كل شي. عطيت خبر لمحامي الشركة، راح يجيب لنا أوراق الطلاق. وفي تلك الليلة… لم ينم أحد. كانت فرنسا هادئة، لكن هدوءًا كاذبًا… هدوءًا يسبق عاصفةً مهولة، كأن السماء تحبس أنفاسها انتظارًا للحظة حاسمة حادة كنصل السيف ... : : في إيطاليا… كانت تعيش أسعد لحظات حياتها. أخيرًا رأف بها الدهر، وجمعها بسعادتها بعد طول صبر. كان المساء دافئًا، وضحكاتها تملأ المكان نورًا وإشراقا هدأت من ضحكاتها ليقول لها، وهو يمعن النظر فيها بأعين عاشقٍ هائم /وين بدك تطلعي؟ اقتربت منه، وضعت يديها على خصرها بدلال /أمّم… ما أدري… صمتت قليلًا، ثم قالت /إيش رأيك نطلع للحديقة؟ أحس إني أبي أتمشى وأتحرك… ولدك مضايقني، شوف وش كثر يتحرك. ضحك رسيم على شكواها، ونهض من مكانه /يلا تجهيزي، خلينا نطلع نتمشى على قولتك… ولدي مضايقك. توقفت فجأة، وعقدت حاجبيها /ليش قلت ولد؟ وإذا جت بنت؟ ابتسم بحنانٍ عميق /ولد أو بنت… راح أحبهم مثل ما أحب أمهم. هذي نعمة من الله. ابتسمت، وارتسم على وجهها امتنانٌ صافٍ /ممكن أتأخر شوي؟ تقدر تستناني عند باب العمارة…تعرف الحمل مخليني ثقيلة شوي. ابتسم بخبثٍ لطيف /تبين مساعدة؟ ضربته على كتفه بمشاغبة /والله إنك ما تستحي! ضحك، ثم قبّل خدها برفق، وتقدم إلى المنضدة، رفع هاتفه وخرج. أما هي، فأسرعت إلى غرفتها، لكن ركلاتٍ صغيرة باغتتها، فتوقفت، وضعت يدها على بطنها وقالت بمزاح /خلاص… ترى توقفت. ابتسمت وأكملت طريقها. فتحت خزانتها، واختارت عباءة فضفاضة بلون برڨاندي مع حجابٍ بنفس اللون، وانتقت فستانًا أبيضا ناعمًا ، يبرز أنوثتها برقة. ارتدته، ثم العباءة، وعدلت خمارها بعناية، ورشّت من زجاجة عطرها بخفة، وارتدت ساعتها، ثم أسوارة زهرة التوليب التي أحضرها لها رسيم عند مجيئه. ابتسمت وهي تتأملها... مدّت يدها إلى حقيبتها، وقبل أن تخرج اتجهت نحو النافذة لتغلقها. أطلت برأسها، فرأت رسيم واقفًا ينظر إلى ساعته. ابتسمت ونادت /رسيم! رفع رأسه بسرعة /بشويش لا تطيحين يا بنت! ضحكت /أنا ؟؟؟لا مستحيل أسقط. تنحنحت قليلًا، كأنها تعدل طبقات صوتها، وبدأت تغني بصوتها الشجي العذب /من كثر شوقي عليك ما بنام… ومن شباك لرميلك حالي… ومن شباك لرميلك حالي… مسح على وجهه بيده، مبتسمًا بعشق /يلا حياتي، أبعدي عن الشباك أحسن، لا أطلع وأكنسل الطلعة. ضحكت بمرح وبسرعة/خلاص خلاص… الحين جاية. أغلقت النافذة، واستقلت المصعد، وكانت من أسعد الناس بإصلاحه، لأن نزول الدرج كان يتعبها كثيرًا. وأخيرًا وصلت إليه. أسرعت نحوه، وهو الآخر أسرع إليها، قائلًا بقلقٍ محب /رتيل هدي، لا تطيحين. حضنته وقالت بمرح /تحسسني أول مرة أمشي. وضع يده على كتفها، شدّها إليه بحنان، وسارا جنبًا إلى جنب… هي تمشي بثقلٍ جميل، يحمل حياةً تنمو في أحشائها، وهو يمشي بقلبٍ ممتلئ شكرًا، كأنه يخاف أن يوقظه القدر من هذا الحلم. وكان المساء هناك هادئًا… هدوءًا لا يعرف أن في مكانٍ آخر، عاصفةً توشك أن تبتلع كل شيء جميل ......