الفصل 22
,‘,
عندما نشعر بأن لا أحد لنا في هذه الدنيا .. ونحن فيها كالنرد الذي يرمى على طاولة العب الخشبية .. لمجرد الفوز .. نحزن ونبكي .. وقد يصل بنا الأمر لنبذ كل ما هو جميل .. كان هذا شعورها بعد تلك الصفعات من فيصل .. لم تغادر غرفتها .. وطرقات والدتها لم تأتي بأي نتيجة .. تشعر بأن فيصل حين أرادها فعل المستحيل لإسعادها .. وعند أول هاوية رماها بعد أن انتهت حاجته .. لا تتحرك وجالسة في مكانها .. حتى قدماها نملت ولم تعد تحس فيهما .. كانت بين الفينة والاخرى تبتسم لذاك الطيف الذي يمر في مخيلتها .. تحتاج بقوة ان يكون معها .. اشتاقت لعودته من عمله ويكون اول مكان له غرفتها .. اشتاقت لرسائله ومفاجآته .. بدأ بطنها يصدر اصواتا من شدة جوعها .. وضعت يدها عليه وابتسمت وهي تتمتم : بابا اريد اروح ماكدونلدز .
وتمردت دمعة يتيمه من عينها .. لتمسحها على عجالة .. وبعدها قامت واقفة .. تتوازن بصعوبة بسبب ابتعاد الدماء عن ساقيها .. وقفت لدقائق حتى استطاعت تحريكهما وبعدها فتحت الباب .. تلفتت يمنة ويسرى .. لا يوجد اي احد .. وهناك هدوء رهيب يجثم على المكان .. تنفست وهي تسحب خطاها نازلة للاسفل .. الى المطبخ .. بعثرت نظراتها على المكان .. وما هي الا دقائق حتى اخرجت قدرا صغيرا وغمرته بالماء .. فنفسها اشتاقت لكوب " اندومي " حار .. الماء يغلي وهي لا تزال تبحث عن اكواب " الاندومي " .. واخيرا وجدتهن .. امها لا تنسى ان تشتري لها ما تحب .. ازاحت الماء عن النار لتضعه على الطاولة التي تتوسط المطبخ ذو الالوان الداكنة .. واذا بها تضع الكوب وتفتح غطاءه قليلا .. لتسكب الماء الحار فيها .. وبعدها تترك المكان عائدة الى غرفتها .. لتقف وهي تستمع لدقات تحرك عقرب الثواني في تلك الساعة الحائطية .. الساعة تقارب الثالثة صباحا .. هرولت للاعلى بحذر .. اغلقت باب غرفتها لتتربع على سريرها .. وتحرك تلك الملعقة البيضاء في تلك الخيوط الملتوية على بعضها .. تأكل وعقلها في مكان آخر .. ما ان انتهت حتى قامت لكتبها .. فغدا لديها اختبار وما حدث انساها المراجعة .. لا تذكر ان كانت نامت وهي جالسة .. كل ما تتذكره سياط كلماته التي تحيلها لفتاة تبحث عن الحقيقة ..
صدحت مكبرات الصوت باذان الفجر .. فاغلقت كتابها .. واذا بها تزيح الستائر قليلا .. وسرعان ما فتحت تلك النافذة لتستنشق اكبر قدر ممكن من هواء الصباح العليل .. ظلت على حالها ربع ساعة تقريبا .. بعدها خرجت من غرفتها قاصدة غرفة والدتها .. لم تطرق الباب . فتحته بهدوء واطلت برأسها .. لتتراءى لها والدتها جالسة بعد ان صلت الفجر وبيدها المصحف .. ابتسمت كرد فعل لابتسامة والدتها .. التي اشارت لها بالدخول .. جلست على ركبتيها بجانب ميرة .. التي مسحت على رأسها بهدوء : ليش ما فتحتي لي الباب .. خوفتيني عليج .
طبعت قبلة على وجنة والدتها : اسفة ماما .. كنتُ نائمة ..
امسكت كفيها تهزهما بلطف وكأن تلك التي امامها طفلة ذات اربع او خمس سنوات وليست على اعتاب السابعة عشر : صليتي ؟
هزت رأسها وشعرها القصير جدا يتحرك يمنة ويسرى .. لتردف ميرة : قومي توضي وصلي مثل ما علمتج .
قامت لتخرج من غرفة والدتها فنادتها : صلي هني ..
جلست ميرة على سريرها تنتظر جود .. التي دخلت دورة المياه ( اكرمكم الله ) وبيدها " شيلة " الصلاة .. والتي اضحت تُرتدى للمنزل في كثير من البيوت .. اقبلت نحو والدتها : توضيت ..
مدت لها ما في يدها : ياللا فديتج البسيها وقومي صلي .. الين اروح اسويلج حليب وسندويش قبل لا تروحين المدرسة .
هزت رأسها وهي تأخذ الـ " الشيلة " .. ضحكت ميرة بلطف وهي ترى ابنتها التي لا تعرف كيف ترتديها .. لتقف وتساعدها .. وتفر دمعة لاحظتها جود فهمت لتمسحها بيدها النحيلة .. لتحتظن ميرة وجهها الشاحب بكفيها .. وتطبع قبلة طويلة على جبينها .. وبعدها غادرت .. لتظل الاخرى واقفة في مكانها مستغربة فعل والدتها .. لتتبادر الى ذهنها اسئلة عقيمة من الاجوبة .. هل يعقل ان لا تكون امي ؟ .. كيف يقولون باني لست اختهم ؟ رنيم وفيصل .. وجواهر لا تتكلم ابدا .. اضحت انطوائية جدا .. ورشا بعيدة كثيرا .. مع سيف ..
تمتمت وهي تفرش سجادة الصلاة : سيف ..
نفضت رأسها من افكار باغتتها بشأنه .. وتوجهت لخالقها .. مر الوقت وهي رافعة كفيها لله .. تشعر بانه الوحيد الذي معها .. حتى انها لم تنتبه لدخول والدتها التي وضعت الصينية على الطاولة الصغيرة الموجودة بالغرفة .. تأملتها وكأنها في عالم آخر .. في مكان خالي من البشر .. لاحظت اهتزاز كتفيها .. تبكي .. اقتربت منها لتضمها من جانبها الى صدرها .. لتدفن الاخرى نفسها في حظنها الدافيء : ليش يقولون انج مب امي .. واني مب اختهم .. ليش فيصل قاسي .. مب مثل ابوي .. اريد ابوي .. دادي اشتقتلك ..
كان كلامها متقطعا ونبرتها متحشرجة .. لتمسح ميرة على رأسها : انتي بنتي .. والله العظيم انج بنتي ..
رفعت رأسها .. لتمتدت اصابع ميرة تمسح دموعها .. وتردد الاخرى : بس ليش انا غير .. ليش مب مثلكم ..
-ابوج الله يرحمه قالج ليش .. وانتي تدرين ليش
صرخت بغضب : طفرة .. طفرة .. بس ما لقيت طفرة بعيون رمادية .. طفرة بعيون زرق . لو عيوني زرق كنت ما شكيت .. بس كل اللي قريته طفرة بعيون زرق ..
امسكت كفيها وكأنها تبعث الى جسدها النحيل شيء من هدوءها : يوم كنت حامل فيج .. ما كنت ادري .. كنت اخذ ادوية واايد .. وعقب ما عرفت انج فبطني ودرتها .. بس أثرها وصلج .. كنت اراجع كل شهر .. الدكاترة كانوا يقولون انج ممكن تكونين معاقة .. يمكن عقلج ما ينمو .. ويمكن ويمكن .. الين تعبت وكرهتهم .. صرت ادعي ربي فكل ليلة انج تكونين بخير .. ابوج تعب وياي .. ونفسيتي تعبت .. سافرنا لامريكا وخليت اخوانج عند يدتهم الله يرحمها .. وما ردينا الا وانتي ع ايدي .. اخوانج كانوا كبار فاهمين .. وصاروا يربطون الروحة وشكلج مع بعض ومب مصدقين انج اختهم – وهي تفتح الحجاب عن رأس جود – انتي بنتي .. وربي يشهد علي – تدخل اصابعها في شعرها القصير – واذا تبين تتاكدين ما عندي مانع .. بنسوي تحاليل ثانية وثالثة ورابعة ..
ابتسمت وهي تمسح دموع والدتها التي سقطت مع كل كلمة منها : احبك مام – احتظنتها واردفت – ادعيلي باقي لي امتحانين ..
تمتمت ميرة بالدعاء .. وبعدها خرجت جود متناسية كل شيء في تلك الغرفة .. حتى افطارها نسته .. توقفت وهي ترى باب غرفة رنيم يغلق .. استنكرت استيقاظها في مثل هذا الوقت .. حثت الخطى الى غرفتها .. فتحت الباب بعنف .. لتفزع الاخرى الجالسة الى جهاز " اللابتوب " : شفيج .. وكيف ادخلين بهالشكل ..
تقدمت وبعيونها نظرة حقد : شو اللي سويتيه ..
وقفت : هييه شو بلاج .. لا تنسين اني اختج العودة .. يعني احترمين ..
تشدقت : انتي متى ما تبين بتخليني اختج ومتى ما تبين بتقولين عني غريبة – رصت على اسنانها – شو اللي سويتيه بالفلاش .
ازدرت ريقها وهي ترى تلك النظرات التي لاول مرة تراها : اتصلت باصحاب الشركات .. وخبرتهم اني انتي .. وقلت لهم ان عندي معلومات عن شركاتهم سحبهن فيصل ..
حدقت بها وانفاسها تضطرب وكأنها تحثها على المتابعة .. لتردف الاخرى وهي تبلع خوفها للمرة الثالثة : وقلت لهم بعطيهم المعلومات مقابل فلوس ..
ارتجفت عندما انقضت اصابع جود في ذراعيها .. محكمة اغلاق قبضتيها وتهزها : مينوونه .. انتي مجنونه – تركتها لتكمل حديثها بالانجليزية – غبية .. لا تعلمين ماذا فعلتي .. دمرتي كل شيء.
تركت المكان وقد اجتاحتها براكين غاضبة .. كل شيء خططت له مع فيصل انتهى .. سينتهي وهو لم يبدأ بعد .. تشوهت سمعته .. اسرعت الخطى الى دورة المياه ( اكرمكم الله ) فلن يطفئ لهيب روحها الا الماء .. انحشرت اسفله بملابسها .. اغلقت عيناها .. وكأنها تبحث عن حل لكل ما حدث .. وازدادت قطرات الماء انهمارا على جسدها النحيل .
,‘,
وانهمرت السماء بقطرات المطر .. الكثير والكثير من القطرات المتلاحقة .. تسح من تلك السحب القاتمة .. لتحيل الشوارع الى ساحة من المياه .. وتتناثر على ارصفة الطرقات كلما مرت سيارة ما .. امر السائق ان يقف .. فتوقف في احد المواقف . واذا به يترجل .. يترك المكان ليقف تحت المطر رافعا وجهه للسماء ومغمضا عينيه .. ويداه تصنعان زاوية حادة مع جانبيه وكأنه يستعد لتحليق .. وترجل الاخر وبيده مظلة .. فتحها واذا به يقف بجانبه يغطيه عن المطر .. ليترك المكان صارخا : ما اريد مظلة ..
نزع نظارته ليرميها على ذاك الواقف .. ويلتقطها بمهارة .. اخذ ينظر اليه يدور تحت قطرات الماء المندفع من السماء .. فاتحا ذراعيه .. كطفل يتلذذ بالعب .. لم يهتم لانظار الواقفين .. المحملقين فيه .. وعيونهم تحكي قصص الجنون .. لعله جن .. كانت قهقهاته تثير المكان مع هزيم الرعد .. صرخ الاخر : جاسم تراك بتمرض .. خل عنك الينون .. ورانا رحلة للبلاد ..
لم يكترث .. وملابسه تقطر .. واختلطت دمعة مع حبات المطر المنسكبه على وجهه .. فلقد كان هو يفعل هذا .. وكان قاسم يدور تحت المطر .. كان مجنونا .. وجاسم ينهره .. يسحبه للداخل .. يبعده عن الماء .. ولكن كان هو الخاسر .. لانه تبلل حينها وقاسم لم يسمع كلامه .. هاهو الآن يفعل فعله .. وكأن قاسم تجسد في جسده في هذه اللحظة .. ليتمتم وهو واقفا كصنم .. والهواء يرجف روحه قبل جسده : وينك يا قاسم .. السما تصيح ..
اخذ نفسا عميقا .. وبعدها استدار وهو يضحك .. يمد يده لصديقه وياخذ نظارته .. ليردد الاخر وهو يلوح برأسه : كل ما اقول اني فهمتك .. تسوي شيء يخليني ابدا من الصفر
قهقه بفرح : ما بتفهمني يا سلطان ..
سعال مميت انتابه بعد عودته من فرنسا .. وهاهو طريح الفراش .. كان تغير الاجواء السريع له اثر على صحته .. فُتح باب الفيلا .. وتوجه مباشرة للاعلى .. الى غرفة جاسم وبيده ملف ذا غلاف اسود .. طرق الباب ودخل .. ليجلس على جانب السرير .. واخذ الاخر يسعل .. ليطوح برأسه : كله من خبالك ..
ضحك من بين سعاله : وناسه ..
رفع حاجبه ناظرا لجاسم المتكأ على ظهر سريره .. ليضحك من فعل صاحبه : لا اطالعني جذي .. المهم بشرني اجتماعنا ياب نتيجة او لا .
تنهد : انت راسك ما يفكر الا بالشغل .. يا ريال ارحم حالك .. متعني لفرنسا ورجعت بنفس اليوم للامارات عشان اجتماع وعقد شراكة .. كنا نقدر نشارك غيرهم ..
تمتم مستغفرا وهو يسحب المناديل الورقية .. لينظف انفه تحت اشمئزاز سلطان ..
-شو بلاك صاد .. يعني انت ما تزجم – ضحك – ياللا بشرني .
تلفت وهو يحرك ذرات الهواء بيده على وجهه : حر .. ليش مب مشغل المكيف .
-عظامي تتراقص من الحمى .. وانت تقولي مكيف .. وبعدين لا تلعب باعصـ - اخذ يكح – قولي شو صار .
-يعني جاسم اللي عقله يوازي عقول تجارنا كلهم .. بيفشل .. والله امس انك ما خليت لهم فكه .. وانا بس ساكت اتطمش عليكم – مد له الملف – خذ وقع .
اخذ الملف وهو يقلب في اوراقه والابتسامة قد اترسمت على وجهه : كفو يا سلطان .. وافقوا ع كل شروطنا بعد ..
وقع واعاد الملف لسلطان .. واردف : شو صار ع جود ..
-ما سويت شيء .. عندها امتحانات ..
-وشو دخل امتحاناتها باللي اريده ..
-بس لو اعرف شو تريد منها ؟
سحب نفسه للوراء حتى يعتدل في جلسته : اريد منها اشياء وبعطيها اشياء ثانية .. فيك تقول مشروع مبادلة .. اريد اقابلها يا سلطان ..
قام واقفا : اوكي باقي لها امتحانين ومن تخلص بيبها لك .. بس وين تريد اللقاء .
-فالشركة ..
,‘,
Continue
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة