الفصل 19
التاسع عشر
,‘,
الجو غائم .. فهناك بعض السحب السوداء التي تبشر بهطول زخات من الامطار .. سوداء بسواد الاجواء التي تحيط بعيسى بعد سماعه من ايمان بوجود خولة في المنزل .. تذمر وهو يحتسي كوب شاي .. بعد وجبة الغداء الدسمة التي تناولها .. استنكرها في باديء الامر .. فايمان لا تجيد الطهو بمثل هذه الجودة ..وحين سأل لم تجبه عن من قام بالطهو .. مع انه تمنى لو تعود خولة معهم ليتذوق الطعام الذي كانت تعده باتقان تام .. كالطعام الذي كان بين يديه .. وبعد ان القت على مسامعه وجود خولة في المنزل .. ايقن بان تلك الوجبة التي تناولها بمعية اخته ايمان من صنع يديها ..
كانت تنظر اليه بتوتر وهو يرشف من ذاك الكأس الشفاف الذي لم يتبقى في جوفه الا القليل من الشاي الاحمر قليل السكر .. كانت ملامحه ساكنه برغم غضبه الذي كان حين سماع الخبر .. ارتشف آخر قطرة .. وهو يضع الكوب من يده تحت انظار ايمان : ما اريد اشوفها خير شر .
بعدها قام واقفا .. فقامت هي معه ..حتى اضحت امامه .. وبنبرة يشوبها التوتر : بس اذا عرفت ؟
نظر اليها وبحزم قاطع : واذا عرفت .. انتي ما سويتي شيء غلط .. ولا انا سويت شيء غلط .
سحب " طاقيته " عن رأسه وهو متوجها لغرفته .. احس باغلاق الباب .. فادرك انها كانت تستمع لهم .. ولعلها كانت تنظر اليه .. يعلم بانها تحبه كما يحبها .. فطيبتها احتوته سنوات طوال .. ولكنه عنيد .. فتلك الصفة ورثها من جده والد والده .. كان عنيدا لا يثنيه شيئا عن قرار اتخذه .. دخل الى غرفته الصغيرة .. حث الخطى نحو دولابه الصغير ذو البابين .. لينتزع له ثوب نوم مريح .. لعله يغفو قليلا بعد عناء يوم شاق في العمل ..
القى بجسده البدين بعض الشيء على ذاك السرير .. واضعا ذراعه اليمين على جبهته قريبا من عينيه ..يوقن اشد الايقان بانها لن تخرج .. لانه يعلم بانها تحترم قراراته حتى لو كانت ضدها هي .. جفونه لا تريد ان تحتظن عينيه .. فعقله ذاك يسلطهم على عدم النوم .. هو مشتاق لها .. يتمنى ان تدخل عليه .. فتخيلها تفتح الباب على مصراعيه هاجمة عليه .. تصرخ في وجهه بان ما يفعله خطأ .. وبأن حياتها مع جاسم كما كانت تتمنى .. ابتسم على خياله ذاك .. فهو مستحيل ..
انقلب على يساره لعله يجد النوم الذي يطلبه .. اما هي فتداركت دمعة قبل ان تجرح وجنتها .. مسحتها بسبابتها .. ثم مدت ذراعها للوراء حيث تقبع " الكوميدينة " على الجهة الاخرى من السرير .. فهاتفها ذاك قد يكون المنقذ لها .. الهاتف مغلق او خارج نطاق الخدمة .. ترددت كثيرا على مسامعها ..فاحتظنته بكفيها بين فخذيها .. تشد عليه وكأنها بذاك الفعل تشد على قلبها .. لا تشعر بالراحة .. فهي في سجن .. وعيسى هو السجان ..
مرت الدقائق وهي على حالها من الجلوس .. تتساءل عن ذاك الحديث الذي سمعته .. ماذا يقصدان ؟ وعن اي خطأ يتحدثان ؟..
اعتقت الهاتف من كفيها .. واذا بها تجلس على ركبتيها .. وتلك حقيبتها لا تزال الملابس مطوية فيها .. فتحتها واذا بها تبحث عن مستودع مشاعرها .. عن ذاك الدفتر الذي هجرته مدة لا بأس بها .. وهاهي تعود إليه .. تتصفح الاوراق .. تضحك على اول كتاباتها فيه .. وتبتسم على ذكرى ايام تلك السطور .. اصابعها تقلب تلك الاوراق الملطخة بالحبر .. حتى صارت قاب قوسين من آخر ما خطه قلمها :
احبه .. ممكن ..
ولكن الاكيد انني اصبحت اشتاق له .
اشعر انه يحبني ..وكم اتمنى ان ادخل الى قلبه واتأكد .
اتمنى معرفة سبب ذاك التحول .. هل اخطأت بحقه دون قصد مني ..
ام ان هذه شخصيته التي لا اعرفها .
اغلقت الدفتر بعد تأملها تلك الحروف .. واذا بها تحتظنه لتترك لتلك الليلة ان تعبث بها .. وتبعدها عن المكان .. تلك الليلة المغايرة في حياتها .. كانت يومها سعيدة .. تعرفت على بعض النسوة هناك .. يبدو انهن من اهل جاسم .. ابتسامتها لم تكد تفارقها حتى تعود اليها .. الجو مليء بالاغاني .. وفتيات يرقصن .. والكثير من الفاتنات في تلك الحفلة التي كانت عالما مختلفا لها .. متوترة لان هناك من يرقبها بنظرات قاسية .. على تلك الطاولة القريبة من منصة العرسان .. ترفع نظرها دقائق اذا بها تحدق بها .. امرأة بفستان راقي جدا .. ذا لون احمر .. كدماءها التي باتت تغلي في عروقها .. هل هي اخت جاسم .. ام لعلها قريبته .. رن هاتفها .. سحبته من على الطاولة .. فهناك من سيريح قلبها .. جاسم يتصل بها .. الاصوات عاليه وبالكاد تستطيع سماعه .. قامت على عجل تحمل حقيبتها الصغيرة مستطيلة الشكل بكفها مع هاتفها .. ولا تزال تلك النظرات تتبعها ..
كان هناك ينتظرها .. سيعودان الى المنزل .. يلفها استغراب.. ووجه جاسم المتغير يثير في نفسها الخوف .. لم تتكلم بعد ذاك السؤال الذي طرحته .. ولم تجد عليه جوابا : ليش تبانا نرد والعرس بعده باوله ؟
ترجلا .. فمشى ومشت خلفه .. هدوء قاتل يسيطر على المكان .. دلفا الى المنزل .. وما هي الا لحظات حتى انقض عليهم بكلامه .. توقفت هي قبل ان تصعد السلالم .. اما جاسم فقد هب من على مقعده بفزع : انت لاحقني لهني ؟
اقترب منه بغيض : اسمع يا جويسم .. تعرس .. تطلق ما يعنيني .. بس انك تزفها وياك لحفلة بنتي ما ارضى .. عمرك ما سويتها مع وحدة من حريمك .. ليش هذي
وهو يؤشر لها بسبابته .. حتى احست بتلك الاصبع تخترقها .. ازدردت ريقها ونظرت لجاسم بخوف .. الذي تقدم اكثر لوالده .. ومن بين اسنانه : سمعتني كلام فالعرس وسكتت .. بس انك اتي هني وتزيد فما اسمحلك .
- وتسمح لها هي .. اللي لا من ثوبنا ولا من مستوانا تخالطنا ..
شدت قبضتها اليمنى حتى غارت اظافرها في باطنها .. لم تشعر بالالم .. فهناك الم اكبر ينساب اليها عبر آذانها .. سياط يجلدها بها من يقال عنه عمها .. ارادت الانسحاب ولكن قدماها تسمرت حتى باتت لا تقوى على تحريك ساقيها .. صرخة منه قبل ان يخرج : اذا تحبها يا جاسم .. فتحمل كل اللي بييك وبيها ..
وبعدها غادر .. كلام كثير قيل لم تعيه .. بل انها لم تسمعه .. وذاك المتسمر امامها يبدو عليه الغضب .. فانفاسه تكاد تصل اليها .. اغمض عينيه ليرفع رأسه قليلا .. زافرا انفاسه دون رحمة .. ليلتفت بعدها لتلك الواقفة دون حراك .. وذاك السائل الثخين مل المكوث في راحتها لينزلق على عباءتها مختفيا في سوادها .. اقترب منها ماسكا رسغها .. نافضا قبضتها : مينونه .
واذا به يجرها .. يجلسها هناك كدمية بلا روح .. كانت تنظر لكفها المضرجة بالدماء في راحة كفه .. يطببها .. ويتمتم بكلمات احست بهن حبه : ما عليج من كلامه .. ولا اريدج تكونين ضعيفه .. انتي دخلتي عالم جاسم اللي ما يرحم – رفع نظره لها بعد ان ضمد جرحها – لازم ما تتأثرين بكم كلمة تنقال .. فعبد العزيز واهله اللي يقولون انهم اهلي ما يرحمون .
الله اكبر .. الله اكبر .. ايقضها اذان العصر من تلك الذكرى .. تريد ان تستوعب ما حدث .. او تتذكر ما قيل بين الكلام .. لكنها لا تستطيع ..وكأن ذاكرتها مسحت .. لا تذكر الا اول الكلام وآخره .. وكلام جاسم الذي لم تفهمه حتى الساعة .. كل ما تدركه ان جاسم تغير بعدها .. ابتسمت وهي تضع دفترها على الارض لتحمل تلك العلبة الصغيرة .. هناك تقبع هديته لها .. هنا روحه .. لا تزال معها ..
,‘,
كما لا تزال تلك الاوراق في حوزة فاطمة حتى اليوم .. كان بالامس واقفا امامها يرمي بها في يدها .. ويبتعد .. تتأمل رقم هاتفه .. سهل الحفظ .. اربعة ارقام تكرربعضها بشكل لا ينسى .. رمت بكل شيء من يدها .. وقامت لتخرج من غرفتها .. لكن سرعان ما عادت لتجلس على السرير وتسحب هاتفها .. الوقت مبكر .. ولكن لا بأس من الاتصال به .. بلعت ريقها وقلبها يقرع طبول قلق اتضحت في انفاسها .. عليها ان تنهي كل شيء .. كومت الارقام امامها على تلك الشاشة واذا بها تضغط على زر الاتصال .. يرن ..
مر الوقت ولكن لا من مجيب .. فزفرت بخيبة امل : يا ربي .. يعني لازم هالمواقف المحرجة .. امس ياللا ياللا قدرت اسيطر ع عمري وانا مقابلتنه .. بس الحمد لله كل شيء صار اوكي – نظرت لهاتفها واعادت الاتصال – والحين لازم انهي هالموضوع .
هناك كان واقفا في خارج تلك الغرفة التي يصرخ فيها جهاز القلب بصرخات منتظمة .. وهاتفه يحتظنه ذاك الكرسي الذي تعب من اهتزازه المستمر في حجره ..يبدو عليه التعب .. فمنذ الامس لم يبارح المستشفى دقيقة واحدة .. لا يزال ابنه في حالة غير مستقرة .. فقلبه ضعيف لا يتحمل ما تدفق اليه من دواء .. مستندا على الجدار ومربعا ذراعيه على صدره .. يتحدث مع حمد صديقه القريب جدا منه : الحمد لله انها يت على جذي .
- الحمد لله .. وبعد لا تلومها الدوا يديد .. وكتابة الدخاتر الصراحة ما تنقرا تقول تنبير دياي ( حركة ارجل الدجاج على الارض عندما تبحث عن الطعام)
ضحك على كلام حمد .. ليردف الاخر : هيه جذي اضحك .. ومحمد ان شاء الله ما عليه الا العافية .. انزين شو رايك تروح البيت تتسبح وترتاح .
اعتق الجدار من ظهره .. كما اعتق صدره من ذراعيه : لا يا حمد .. ما اقدر اخليه .. انت تدري انه ما يحب يشوف حد غريب .. وجودي يمه مهم .. فاي وقت بيقوم – وضع يده على كتف صاحبه – اريدك تخطف ع البيت وتيبلي ملابس .. لي ولمحمد .. انا كلمت الوالده وقلت لها تجهزهن .
تركه حمد .. ليعود الى محمد .. يتحسس جبينه بيده .. ويطبع قبلة ابوية حانية على جبينه .. الهاتف تعب من الرنين وعاد ليرن من جديد .. دون صوت سوى صوت ذاك الاهتزاز .. الذي جعل سعود يخطفه بسرعة ويخرج من الغرفة .. الرقم ليس معروفا .. رد .. واذا بصوتها المرتجف يلقي التحية على مسامعه .. وبعدها تتلوه بالسؤال ان كان من معها هو سعود .. ليجيبها : هيه نعم .. منو وياي ..
بتوتر واضح قالت .. وهي تلف سماعة هاتفها على اصبعها وتعيد فكها مرارا : انا اللي صدمتها امس .. شوف اخوي انا للحين ما علمت اهلي .. والصراحة مالي خلق سين وجيم منهم .. والسيارة مب طايعين يصلحوها الا بورقة من الشرطة ..
وتتابع التذمر من قبلها .. شد اعلى انفه باصبعيه .. وهي لا تزال تتحدث .. تخرج من موضوع السيارة لموضوع ما يخصه وكيف ستعيده له .. وترجع وتسأل ماذا عليها ان تفعل .. حتى بدى الانزعاج منها على ملامحه .. فكلما هم بالكلام قاطعته .. حتى فاض به الغضب صارخا : ممكن تسمعيني .
وضعت اطراف اصابعها على فيها .. وكأنها استوعبت اخيرا انها كالراديو اذا تحدث لا يخرس ..ليأتيها صوته مطمأنا لهواجسها .. وبأنه سيتدبر كل شيء .. اما عن ما يخصه فلا بد للقاء .. وانتهت المكالمة على اتفاق الطرفين بالاتصال مرة اخرى لتحديد موعدا بينهما وانهاء كل شيء ..
في خضم كل ما حدث معه .. نسى امر زوجة المستقبل التي كان اللقاء بها بالامس ليلا .. فعقله تبرمج فقط ليكون مع محمد لا غير .. وتلك التي انتظرته حتى الساعة العاشرة ليلا بتوتر مستفحل .. لم يتذكرها .. حتى والدته نست امرها وامر ذاك اللقاء الذي شرعه الله ..
قامت بكسل عند الساعة الحادية عشر .. فهي لم تنم .. فلعلهم لا يرغبون بها ويتهربون من اتمام كل شيء .. فما كان منها الا البكاء حتى اصبحت عيناها حمراء منتفخة .. وقفت امام مرآتها .. تنظر لملامح وجهها .. وهناك نظرة كره قد استوطنتها .. وكان لا بد من الكلام .. خرجت لتنفجر في وجه والدتها واخواتها الصغار .. بعد ان اخبرتها والدتها سبب عدم مجيئهم .. لتنفجر بغضب : مب قاتله عمري عليه .. اول قلتوا انه راح دوره .. والحين ييا دور ولده .. من زينه يعني ايلس اترياه .. خلوه يولي ..
- استغفر الله العظيم شو بلاج .. الريال معذور ..
- لا مب معذور .. انا مب لعبة فايدهم .. خاطبيني وللحين حتى ما شفته ولا شافني .. وبعدين .. يعني كل مرة بيطلعلي بعذر ..
- ابوج يمدحهم .. والريال والنعم فيه ..
-ما يهمني – وعادت ادراجها ثم التفتت لتردف – ولا باخذه الا بشروطي .. خبري ابوي ان عندي شروط .. والا النسب يتعذرهم .. مب مجبورة اعرس واخذه .
,‘,
Continue
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#53 أضافة تقييم إلى nahe24 تقرير بمشاركة سيئة
قديم 05-10-12, 01:43 PM
الصورة الرمزية nahe24
nahe24 nahe24 غير متواجد حالياً
نجم روايتي
,‘,
موزة ليست مجبرة على القبول بسعود زوجا لها ... كما تم اجبار سارة على الزواج من ذياب .. او كما تم اجباره هو على الزواج بها .. ولكن ما يحدث معه بدأ يشتته .. هو لا ينكر بأنه تقرب من سارة كثيرا في الاشهر التي تبعت حفلة يوم عقد القران.. فكانت تلك الاتصالات بينهم كفيلة ان تحول قلبه اليها ويبتعد عن روضة .. التي خذلته في ذاك اليوم .. وخذلت والدته التي كانت تتمناها له ..دلف الى سيارته " الكابرس " البيضاء ..بعد ان انتهى من عمله الأمني في قسم الشرطة .. يحمد ربه كثيرا ان عمله اضحى مدنيا .. فهو لا يطيق ارتداء البس الرسمي .. ما ان حرك سيارته حتى اصدر هاتفه تلك النغمة المنبهة بوصول رسالة ما .. ابتسم .. فتلك السارة عجولة جدا .. واذا تأخر لا بد من الاطمئنان عليه .. ينظر الى الطريق وبيده هاتفه .. يسترق النظر الى تلك الرسالة .. تعابير وجهه تغيرت فتلك الرسالة القصيرة ادخلت الضيق الى صدره .. مسحها ورمى به بجانبه ..وهو يتحوقل بصوت يشوبه التعب .. زفر انفاسه الغاضبة وتابع طريقه .. فلا يجب لسارة ان تعلم بأمر تلك الرسائل .. فيكفي انها تشعر بانها غير مرغوب بها في منزله .. اوقف سيارته وولج الى منزله البسيط .. وكما توقع هاهي تنتظره في الصالة .. لتجري مسرعة له .. بخطوات يكللها الشوق .. لتقبله عن اليمين وعن اليسار .. ثم تبتسم وهي تضع يداها خلفها .. وتردد : احطلك الغدا ؟
اسلوبها الطفولي يريحه كثيرا .. وينسى معه تعبه .. يمسك خديها باصابعه حتى تبان تجعيدة جبينها من الألم : بتسبح .. وبتغدا .
وضعت كفها على وجنتيها : حرام عليك يعور .
لينفجر ضاحكا وهو يبتعد عنها متوجها لغرفته .. اعدت كل شيء مسبقا .. ليس عليها سوى حمل صينية الطعام الى الصالة وتنتظره .. انزلت الصينية .. واذا بها تقف لترفع بنطلونها " الجينز " الاسود .. وتبتعد عن المكان متوجهة الى حيث هو .. ما ان دخلت حتى رن هاتفه .. اقتربت من السرير حيث يقبع .. وبعدها تنحني قليلا ويداها على ركبتيها .. تتأمل ذاك الرقم .. ليس بالرقم الغريب .. فهي تعرفه .. بل انها تحفظه جيدا .. خرج من دروة المياه ( اكرمكم الله ) وهو يداعب شعره بتلك المنشفة البيضاء .. ليبعد قطرات الماء عنها .. ما ان تبادى لها حتى رفعت جذعها .. واستنكر هو فعلها .. لتبتسم : في حد يتصل عليك .
اقترب وهو قاطب جبينه .. وقبل ان ينطق رن من جديد .. انتشله من احظان اللحاف البنفسجي .. ولا تزال نظراته عليها .. يخاف من ان تعرف .. نظر الى الرقم .. فتلعثمت ملامحه .. ليبتعد عن المكان .. حتى لا تسمعه .. ويعود بعدها .. ليخبرها بان عليه الخروج .
هبت واقفة بعد ان كانت جالسة على السرير : وين بتروح .. توك راد .. حتى ما تغديت .
تنظر له يرتدي ثوبه .. ويضع " الكاب " الاسود على رأسه : شغل .. ما بتأخر .
لتضرب بعدها السرير بقبضة يدها وهي تجلس .. لعل غضبها يمتصه ذاك السرير الذي تتشاركه مع ابن عمها .. احترقت خدودها بنار تلك الدموع .. لتردد بعدها : شو ذنبي .. شو ذنبي اني صرت بدالها .. وشو ذنبي اني تعلقت فيك ..
نداء ام ذياب لها .. جعلها تقف مكفكفة دموعها .. لتأخذ نفسا عميقا .. وبعدها تخرج .. ليأتيها سؤال عمتها عن ابنها .. ولماذا لم يأتي من عمله بعد .. تقدمت منها وهي تردد على مسامعها انه لا يزال في عمله .. فتمشي معها متوجهتان حيث تقبع تلك الصينية .. لتجحظ عينا ام ذياب صارخة : حق منو هذا كله .. كم مرة قلتلج لا تحطين عيش ( أرز ) وايد .. كل اللي فالبيت اربعه .. وبعد الشغاله مب ذاك الزود اكلها .
تأففت من ذاك الموال الذي دائما يتكرر على مسامعها .. فعمتها تلك قريبة من حدود البخل .. او لعلها قد دخلت حدوده .. لا تشعلي التكييف دائما .. لا تتركي الاضواء منارة .. لا تسرفي من الماء .. والكثير من الاآت .. فتلك المرأة لا تزال حاقدة على ما حدث لابنها بسبب ابنة عمه .. ولا يوجد احد امامها سوى سارة لتظهر ذاك الحقد عليها .. حتى احيانا تشعر بانها هي الخادمة لا تلك الاندونيسية ..
انحنت لتحمل الصينية : ولا يهمج عمتي .. ما يصير خاطرج الا طيب .
وابتسمت لها على مضض .. وبعدها اختفت .. لتزفر الاخرى : استغفر الله .. انتي وين وروضة وين .. ياليتها كانت بدالج .
,‘,
كما تتمنى ام ذياب روضة مكان سارة .. تتمنى رنيم ان تكون مكان جود .. فتلك المكانة التي تسيطر عليها جود عند فيصل .. تثير في نفسها غيرة جامحة .. اليوم ستصل معه من رحلة سفر دامت اسبوع .. اسبوع اخر من تلك الرحلات التي دامت اشهر خلت .. ولجت الى المنزل وهي تجري مسرعة نحو والدتها التي استقبلتها بالاحضان : اشتقت لك مام .
لتتشدق رنيم وتردد بغيض مقلدة جود : اشتقت لك مام .
وبعدها تزيل ذاك التشدق بابتسامة لرؤيتها فيصل .. ذاك الفيصل الذي تغير كثيرا .. اضحى جديا .. حتى نظرة عيونه الواسعة اختلفت .. حتى تلك الملامح تبدلت عن ذي قبل .. دخل المنزل بهيبة لم تعد غريبة على اخواته ووالدته .. ولكن هذه المرة هناك شيء ما تغير في وجهه .. فتلك " السكسوكة " جعلته اكثر وسامة .. تقدمت منه لتقبل وجنتيه .. بعكس جواهر التي حيته بالتحية الاماراتية المعروفة عن طريق تلامس الانوف .. واذا به يقترب من والدته ليقع على رأسها مقبلا له .. ثم يحتضنها .. لتصرخ جود وهي تحتضن ذراع ميرة : شو رايج بالشكل اليديد ؟
وهي تتلمس وجهه بكفيها : ولدي طول عمره وسيم .. الله يحفظك من العين .
امسك كفها ليلثم راحتها : ويحفظج لنا يالغالية .
تشتاط غيضا .. ففرحة جود وتلك الابتسامة الواسعة تزيد من مقتها : وان شاء الله انتي اللي قلتيله يسوي هالشيء .. ووع .. طالع مثل الزلمات ( شباب اهل الشام )
- حلاتهم الزلمات .. بيضان .. وانا ياللا اوصل لبياضهم .
علت الضحكات الا منها هي .. ليستأذن بعدها فيصل .. ليأخذ حماما ويستعد للخروج .. تبع تلك الفلبينية التي تحمل الحقائب للاعلى .. فاذا بجود تصرخ عليها ان تترك الحقيبة الصغيرة .. هرولت اليها تجرها وهي تردد : بعطيكن الهدايا ..
نزلت جواهر على الارض بجانبها تساعدها لفتح الحقيبة .. اما رنيم فتشدقت ناطقة : والله وكبرنا وقمنا نييب هدايا .
قفزت وبيدها هدية مغلفة لتجلس بجوار والدتها : شريتلج عطر باريسي على ذوقي .. مام لو تشوفين باريس كيف تكون فالليل وانتي تشوفينها من فوق .. والا برج ايفل يخبل .. لازم اقول لفيصل يشلج ويانا المرة الياية .
مسحت على رأسها .. وهي تأخذ الهدية من بين يديها .. وتقبل وجنتها الشحابة .. تتابعها بنظراتها وهي تخرج الهدايا وتعدد اسماء اصحابها .. فتلك لصديقتها .. واخرى لمعلمتها .. قامت واقفة مبتعدة وبيدها ذاك العطر الباريسي .. كتفت جواهر ذراعيها تدعي الزعل : وانا وين هديتي .. شكلج نسيتيني ..
لتنفجر الاخرى ضاحكة .. وهي تخرج هدية كبيرة بعض الشيء .. وملفوفة باتقان : هاذي لاحلى جوجو فالدنيا – قبلتها على وجنتها – وانا اقدر انساج .
وانصرفت بعدها تحمل هدية اخرى لرنيم .. مدت يدها بابتسامة ونظرات تتمنى ان ذاك القلب القاسي يحتويها يوما .. طال الامر .. وتعبت ذراعها .. والاخرى تنظر لمكان آخر .. غيرت مكانها لتقف قبالة وجهها : رنيم هذي لج .
لتسحب الهدية من يدها بعنف سافر .. رامية بها على الارض .. وصارخة : ما اريد منج شيء .. كل اللي اريده موتج .. ياليتج متي بدال ابوي .
لتنصرف بعدها .. وتقف جواهر واضعة كفها على كتف جود : ما عليج منها ..
ابتسمت على مضض والتفت لاختها : عاادي .. تعودت ..
,‘,
Continue
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#54 أضافة تقييم إلى nahe24 تقرير بمشاركة سيئة
قديم 05-10-12, 01:44 PM
الصورة الرمزية nahe24
nahe24 nahe24 غير متواجد حالياً
نجم روايتي
,‘,
دخلت بعد ان طرقت الباب .. وبعد ان اذن لها بالدخول .. تناظره وهو يعدل هندامه امام المرآة .. اقتربت منه حين اخذ قارورة عطره المفضل ليسكب منها دون اكتراث على ملابسه .. صارت بجانبه : فيصل ..
كانت نبرتها خائفة .. مما جعله يترك ما بيده ويلتفت لها : خير .. شو بلاج ؟
- جود شو فيها ؟
استنكر سؤالها .. فهو سؤال غريب لم يخطر عليه يوما .. سألها عما تقصد .. لترد: جود متغيره .. مب بنتي الصغيرة .. مب بنتي البريئة .. اللي عيونها دووم تضحك .. شو اللي غير بنتي يا فيصل .. شو استوى وياكم .. ليش مب طايع تريحني .
امسكها من كتفيها : امي جود كبرت .. مب جود الصغيرة هذي كل السالفة .. وانا خبرتج ان فرناند صديق ابوي اشترى شركتنا .. وحطاني مدير عليها ..
- مب مرتاحة يا فيصل .. جود فيها شيء – احتظنت جانب وجهه بكفها – اوعدني تدير بالك عليها ..
- يالغالية شو بلاج اليوم .. كل مرة نسافر ونرجع .. بس انتـ...
قاطعته : اوعدني.
لثم كفها من جديد : اوعدج .. وتطمني جود ما عليها الا العافية .. الحين لازم اطلع وراي شغل .
تركها وهي تحاول ان تصدقه وتكذب احساس الام الذي انتابها ..
,‘,
بخلاف الام الاخرى .. التي لم تشعر يوما باحاسيس ابناءها .. او بالاحرى ابنيها .. كانت بعيدة جدا .. والآن هي بعيدة اكثر .. فبعد القلب زاد عليه بعد المكان .. وصل ليلا الى الاراضي الالمانية .. لعل هذه الرحلة الخامسة في حياته لهذه الارض .. اولها كانت رحلته مع نصفه الاخر قاسم .. كل شبر يمر عليه يذكره به .. بمزاحه .. وضحكاته .. لكل مكان هنا حكاية .. حكاية الم .. وحكاية قصة حب عاشها مع توأمه .. قصة حب لم تكتمل .. واليوم هاهو يقف ناظراً الى ذاك المبنى الكبير .. ثالث زيارة له لهذا المكان .. مكان يحتوي اناس لا تحكمهم عقولهم .. وقف طويلا .. فهناك انسانة تنتظره .. يجبر نفسه على زيارتها .. حتى وان كانت لا تستحق .. فهي تبقى امه .. اخيرا اعطى مخه لقدميه اوامر بالتحرك .. ليلج الى الداخل .. ويمر به الوقت جالسا امام ذاك الطبيب الذي يخبره للمرة الالف بان لا فائدة من العلاج .. وان ما ذهب لا يمكن ان يعود .. خطى معه الى تلك الغرفة التي تحتظنها منذ ما يقارب الاربع سنوات .. فهو ابعدها عن الجميع .. ابعدها عن كلام الناس الذي لا يرحم .. ابعدها عن الصحافة التي تعبت وهي تبحث عن الدكتورة سلامة محمد .. التي اثرت الامارات والخليج والوطن العربي بندواتها .. وبقوانين التربية السليمة .. ابتسم وكأنه يتذكر تلك التربية التي طالته مع شقيقه .. فمرت ذكرى الوقوف كما هو الان .. لا شيء مختلف سوى المكان والزمان
نظرت اليهما وهي بين يدي تلك التي تطلي اظافرها بعناية : خير اشوفكم هني .
نظر قاسم لجاسم .. وكأن به يحثه للكلام .. لكن الاخر لم يتكلم .. فلا بد اذن من قرصة في خاصرته .. جفل ونظر لقاسم بغيض .. ومن بين اسنانه تكلم بهدوء : لازم انا اتكلم ..
ليرد الاخر بهدوء كسابقه : انت وعدتني .ياللا .
وضعت ساق على أخرى وهي تنفخ على اظافرها : بتتكلمون والا اقوم .
تحنحن واردف قائلا: قاسم يريدج تخطبيله .
تبعثرت نظراته على الارضية .. وهو يشعر بابتسامة جاسم الساخرة .. وبخطوات والدته التي اضحت امامه : ومنو سعيدة الحظ .. والا تريدني ادورلك .. تراني مب فاضية ازور بنات العالم واتخير .
رفع رأسه : موجوده .. بس انتي كلمي ابويه وخليه يروح وياج تكلمون اهلها .
نظرت لجاسم : وانت مب لاقي وحدة بعد ..
- لا .. مب مستعد .. وفرحة قاسم من فرحتي .
اخيرا .. الباب امامه .. وهي هناك خلفه لا عقل بها .. سوى ترهات تلقيها ..تركه الطبيب بعد ان اوصى ممرضتان بالبقاء قريبا .. فحالتها عند رؤيته غير متوقعة .. تنفس الصعداء .. وولج لداخل .. كانت هادئة على ذاك الكرسي .. شعرها منفوش حتى وان بدى مرتبا .. ووجهها شاحب .. وعيونها تلك غارت في عظام وجهها .. تقدم خطوات .. واذا بها تشعر به .. تنظر اليه بتفحص .. ثم تقف مبتسمة .. وتقترب منه وهي تتحدث بنبرة ترافقها ضحكة مجنونة : جاسم .. ياللا خلنا نروح – تمسكه بيده تشده اليها – ياللا قبل ما يضيع كل شيء ..
واذا بها تجلسه على ذاك الكرسي .. تمشط شعره الطويل باصابعها بعنف اوجعه : لازم تتعدل .. شوف شوف – وهي تلف امامه بدورة كامله – انا جاهزة .. ياللا الحين اخوك بيزعل لانا ما استعيلنا ..
امسكها من ذراعيها .. ناظرا اليها .. لعيونها وابتسامتها : انتهى كل شيء . ماله لزمه نروح ..
لتهيج بعدها صارخة بوجهه بالـ لا .. تكررت تلك الـ لا .. وهي تضرب نفسها وتعود تضربه على صدره .. يكابر بوقفته تلك .. فضرابتها موجعه حتى الموت .. لتهدأ بعدها بأبرة .. تحيل اطرافها الى ارتخاء تام .. وهي تكرر : ما انتهى .. انت كذاب .. انت كذاب
لتستسلم بعدها لنوم .. ويجر هو خطواته للخارج .. كل شيء انتهى .. فهي من انهت كل شيء.. وهي من اوصلت نفسها لهذا المصير ..
,‘,
كذاك المصير الذي ينتظره دون ان يحسب له حساب .. خطوات تتوالى على ذاك المكان .. كانت شبه منتظمة .. الكثير والكثير من الاقدام الجارية .. الساعة تقارب منتصف الليل .. والمكان دامس في الخارج الا من تلك الانوار المنبعثة من نوافذ ذاك المنزل في تلك المزرعة البعيدة .. استنفار في الخارج .. وهرج ومرج في الداخل .. وكؤوس عانقت المحرمات .. واعين تلذذت بالمفاتن .. واذان اغرتها مزامير الشيطان التي اخلت بتوازن الجدران من علوها .. شباب وفتيات .. تعددت الجنسيات .. وتعددت الاعمار .. وهو يجلس فاغر فاهه ينظر لتلك الراقصة .. او لتلك التي تطوق ذاك السكير بذراعيها .. لم يشرب .. فقط يتلذذ بالنظر .. وفجأة تعالت الصرخات بين الجموع .. فذاك يجر وذاك يضرب.. واخرون يحاولون الفرار دون فائدة .. وتلك انهارت على الارض صارخة .. خائفة من الفضيحة .. هدأ المكان .. فالجميع تم اعتقالهم .. هناك من تسترت . وهناك من ذهبت بعريها .. وذاك تائه مع قطرات خمر الدنيا لا يعي من الامر شيئا .. واخر يصرخ بانه لم يفعل شيء .. امسكه ذاك الشرطي البدين الذي تدلت بطنه من خلف ذاك الحزام الجلدي .. يعرف بقسوته ..فيجره بعنف .. فيصرخ : والله ما سويت شيء .. اسألهم .. اول مرة اروح وياهم ..
ليدفعه بعدها على تلك الارضية الصلبة .. ويغلق خلفه القضبان ..
,‘,
اتمنى ان ينال اعجابكم