الفصل 16
السادس عشر
لاول مرة تشعر بان ذاك الذي فارقها منذ اكثر من شهر قد عاد .. شعرت بحنانه في كفي ابنه الوحيد .. ورأته في عيونه العسلية تلك .. هو لا يفرق عنه الا بالشعر الابيض واللحية الطويلة بعض الشيء .. وتلك التجاعيد البسيطة .. وكأنه هنا امامها قبل ان تولد .. وقبل ان يتزوج حتى .. هو هو .. سالم الـ... يجلس مكانه على ذاك الكرسي الاملس من الجلد البني .. حتى صوته وهو هاديء موجود الآن .. تأملت تلك الورقة المطبوع عليها اشياء اهالتها .. ابتعدت خطوة .. وكأنها تهرب : ما اقدر .
امسك يدها .. ويده الاخرى على تلك الورقة على حافة تلك الطاولة : تقدرين يا جود .. عشان ابوي .
هزت رأسها رافضة الاذعان .. تشعر بأنها ضعيفة .. عيونها باتت معطاءه لدموع : عشانه ما اقدر .. قالي ما امشي فهالطريق ..
امسك يدها الاخرى .. شد على كفيها الصغيران مقارنة بكفيه : لا تخافين .. مستعد احميج .. بس انتي دخلي ع هالمواقع المكتوبه بهالورقة .. ونسخيلي اهم المعلومات .
لا اجابة منها .. شعر بقلبها الصغير يرفرف خوفا .. فقام واقفا .. يحتظنها .. يدفنها في جسده : عشان ابونا يا جود .. اريدج تكونين قوية .. اريدج تكونين جود سالم الـ... .. لا تخافين .. اوعدج ما اخليج – ابعدها عن صدره ناظرا لعينيها – محتايلج وياي .
مسح دموعها .. فازدردت ريقها : بشو بتفيدك بنت عمرها 15 سنة ..
- هالبنت عندها عقل اكبر من سنها .. حتى ان عقلي ما ايي شيء قدامه .. هالبنت لو حطت شيء فراسها بتوصله .. واريدها تحطي شيء فراسها .
نظرت اليه وكأنها تسأله ما هو .. لم يجبها لانه يدرك بانها اذكى من ان تسأل .. عاد ليجلس على كرسيه : اريدج تكونين وياي فهالشهور اليايه .. اريد اتعلم اشياء منج انتي .. اشياء كان المفروض اتعلمها من ابوي الله يرحمه ..
ابتسمت على مضض .. واخذت تلك الورقة تتأمل تلك الروابط الالكترونية .. ابتسمت ناظرة اليه : تظن ان هالشركات هن السبب باللي صار .
مسح بيده على شعر وجهه الخفيف : لا .. بس منهن بوصل للي اريده .
اعادت الورقة لمكانها : توعدني انك تحميني ..
عاد ليمسك يدها : اوعدج .. ولا تخافين كل شيء بيصير برع .. والآي بي ما بيكون معروف لهم .
- بنسافر ؟
- انا وانتي وبس .. بس هالشيء ما بيصير الا عقب ما تخلص امي عدتها وننتقل لابوظبي .
وافقته وهمت بالخروج فناداها .. لتلتفت له بحركة طفوليه ويداها خلفها .. وهي تبتسم : لا تخاف حفظتهن .. وقطع الورقة .. لازم تكون الجريمة كاملة .
ضحك وتوجه نحوها ليضمها اليه : احبج يا جود .. وسامحيني ع كل شيء .
,‘،
السماح هل توجد في قواميس البشر هذه الكلمة .. وان وجدت فلأي حد .. وهل توجد في قاموس ذاك الذي يشعر بتغير حياته .. يمسك الفرشاة .. يلطخ ذاك اللوح بالكثير من الالوان .. لا يعي ما يفعل .. فما يقوم به لا يعد سوى ضربا من الجنون .. اعتاد على دخولها في مثل هذا الوقت وبيدها كوب عصير .. او قطعة حلوى .. او شرابا ساخنا .. حتى وان كان يتضايق من فعلها ذاك . الا انه يدخل في خلاياه شعورا باهميته لديها .. يوقن بحق انه يعشقها .. يبحث عن اسباب ليبتعد عن هذا الشعور .. ولكن تلك الاسباب واهية .. ضعيفة بضعف خيوط العنكبوت .. يمر بين عينيه انكسارها في ذاك اليوم .. رأسها المرخي على صدره .. يداه المتمردتان .. لتفضحا شعوره نحوها .. وتعانقان ظهرها .. بقدر ما تمنى ان يقطعهما لفعلهما ذاك .. بقدر ما تمنى ان لا تفارق صدره .. فهو يرى توأمه فيها .. في ضعفها .. وفي انكسارها .. لعلها توأم من نوع آخر .. توأم لروحه الضائعة التي ستهديها الى بر الامان ..يومان لم تغادر تلك الغرفة .. يشعر بضياعها كلما ولج الى مخدعه .. رمى بالفرشاة .. ونظف كفيه .. فهاتفه اصابه بالقلق .. كانت تلك المحادثة سببا ليقطع جميع علاقاته بشركة والده .. ابتسم ولا يزال الهاتف على اذنه : فليذهب جون الى الجحيم .
وبعدها قهقه .. كانت ضحكة النصر .. ولكن سرعان ما تلاشت .. فما وصله ليس مهما بقدر اهتمامه بتلك السجينة .. حث الخطى اليها .. عليه ان يكلمها .. ففعلها ذاك لن يعيد لها عيسى .. والضعف في هذا الزمان لا يعترف به .. فيكفيه ضعف توأمه الذي كسره وهشمه .. دلف الى غرفته ليراها قابعة على تلك الارضية بجوار ذاك السرير داكن اللون .. محتظنة نفسها .. كطفلة تبكي دمية كسرت .. او رحلة عُطلت .. لا يجيد كلام الترويح عن النفوس المتألمة .. فتنفس بعمق .. اقترب منها وجلس على السرير حتى اضحت بجانب ساقه الايسر .. وضع كفه على كتفها : خولة
لم تتحرك .. لا تريده ان يراها تبكي .. فهو دخل في وقت لم يعتد الدخول فيه الى هذه الغرفة .. دست رأسها اكثر .. لينحني هو اكثر هامسا : تبيني اتدخل فالموضوع .
لتقف وكأن جملته تلك لسعتها شر لسعة : لا .. يكفي تدخلك فحياتي .. كافي اللي سببته لي .. دمرت حياتي .. حطمت حلمي باني اخذ انسان عادي .. كرهت اخواني في .. عيسى كرهني بسببك .. كافي اني كل ليلة ارقد وانا خايفة .. اتقلب ع الفراش من خوفي انها تكون اخر ليلة لي .. وارجع عقبها لعيسى مطلقة .. كافي الكلام اللي اسمعه كل مرة عنك يخليني احس عمري ولا شيء .. انسان مزواج ما همه الا متعته .. كافي اني احس عمري رخيصة .. ما فرقت عن اي وحده واطيه باعت شرفها .
لم تشعر الا بكفه يدير رأسها .. ليتناثر شعرها الليلي .. اقترب منها ليمسك فكيها بعنف .. حتى تألمت شفتاها من البعد .. ليصك اسنانه بغضب : ما اسمحلج تحطين من قدرج .. تكلمي عني مثل ما تبين .. بس انج تنزلين من قدرج لهالمستوى فما ارضى – نغز صدعها الايمن بسبابته اليسرى – فكري بهذا – توجه الى صدرها – اما هذا فخليه بعيد .. لانه ما بيفيدج فشيء – شد قبضته على فكيها – لو الضرب بيعدل تفكيرج فنفسج مستعد اني اضربج الين تعرفين تفكرين .
اعتقها .. وسط نبضات قلبها التي بسببها شعرت به سيخترق قفصها الصدري هاربا .. قاطعا انفاسها المتتالية ..
تتبعته بنظراتها وعيونها الجاحظة .. التي وكأنها ستخرج من محجرها .. خرج ليغلق الباب بقوة .. محطما سكون تلك الغرفة الباردة .. ازدردت ريقها .. فما يتملكها الآن شيء لم تحسب له حساب .. اطرافها ترتجف ..شدت قبضتيها لعل تلك الاهتزازات تعتقها .. جلست على السرير .. فرجفات جسدها من تلك الصدمة لا تريد الابتعاد .. واذا بها تستلقي تحتظن نفسها من جديد ..
اما هو فعاد الى مكانه السابق .. وقف هناك يتأمل لوحته التي لم تجف بعد .. كانت في رأسه قهقهات لا تهدأ .. ضحكات كانت .. رافقته على مدى سنين خلت .. ضحكات افتقدها بشدة .. واختفت دون سابق انذار .. ليضرب تلك اللوحة موقعا اياها ارضا : خلاص يا قاسم .. اطلع من راسي الله يخليك ..
ركع ممسكا رأسه وكأن به الما يفجر دماغه الذي لا يهدأ من التذكر : ليش اشوفك فيها .. ليش ؟ .. ليش احس اني يالس اجبر كسرك بكسرها .. منو هي .. منو هي عشان اشوفك فيها – صرخ – منو هي يا قاسم .
مرت دقيقة تتبعها أخرى .. وتوالت الدقائق .. وهو هناك .. وهي هناك .. قام يلملم شتات نفسه .. كل شيء ينهار .. شخصيته القاسية تنهار .. وامام من .. امام امرأة ..مسح شعره ليمسك به خلف رقبته لبرهة .. وبعدها شد الخطى الى صالة منزله .. لا بد من انهاء امر ما .. قبل ان يقع وتكثر السكانين على رقبته .. سحب هاتفه من جيب بنطاله .. وطرح نفسه على ذاك الكرسي .. تنفس بعمق استعدادا لشحذ شخصيته المزيفة .. وكعادته دون ان يلقي بالتحية : اسمع يا عبد العزيز .. مستعد ابيعلك نصيبي بالكامل في الشركة .. وبالسعر اللي تريده .. لاني الصراحة سمعت كلامك .. وتعبت من المشاوير بين شركتك وشركتي .
اغلق الهاتف .. وقهقه وردد : تعبت
وعاد ليضحك بشدة .. هو لم يتعب .. ولكن هناك شيء ما يريد ان يقوم به حتى وان تخلى عن تلك النسبة التي طالما ارادها .. قام واقفا واعاد هاتفه الى حيث كان .. اقتربت احدى الخادمات منه تسأله اذا تضع العشاء .. نظر لاعلى وهو يلقي على مسامعها ان تجهز الطاولة .. صعد للاعلى .. الى غرفته .. دنى من سريره .. الى تلك المتقوقعة عليه .. هل هو شعور بالندم ذاك الذي يراوده في هذه اللحظة .. ام انه احساس بالذنب .. او لعله تعويض عن شيء مضى ..لن يعتذر .. فهو لم ينطق تلك الجملة ابدا .. " انا اسف " لا توجد في قاموسه .. ابعد شعرها عن وجهها المحمر جراء ضربته القاسية .. نائمة بسلام .. سحب الغطاء عليها .. وحرك ظهر اصابعه على وجنتها .. وكأن بها تقدم قرابين الندم ..
ندم يجتاحها منذ ذاك اليوم .. نادمة هي على ثلاث سنوات دُفنت فيها تحت شعار الطاعة للزوج .. اي زوج هذا ؟ .. الذي يقتلها ويمشي في جنازتها .. تريد ان تقول باعلى صوتها .. انه كاذب .. وشخص منافق .. تريد ان تصرخ امام والديه المغشوشين فيه .. تريد ان تخبرهم لماذا الى الآن لم تقر اعينهما بحفيد منها .. تريد وتريد وتريد .. كانت تهز قدمها بتوتر على ذاك الكرسي الهزاز بجانب تلك النافذة المطلة على تلك الحديقة الواسعة .. وكأن بهتزازت الكرسي تسقط لتتلقفها ساقها .. تريد ان تثرثر بما يعتريها .... وتلك السناء لا ترد على اتصالاتها .. قامت واقفة حين احست بدخوله .. تريد ان تنفجر حتى ولو بكلمة واحدة .. نظر إليها .. ومشى وهو يحرر رأسه من ذاك الطوق الاسود ( العقال ) وتلك القطع البيضاء ( الغترة والطاقية ) .. ليرمي بهم على تلك الاريكة .. ويمدد ساقيه : خير .. اشوفج تتريني مب بالعادة تسهرين لهالساعة .
كانت تحدث نفسها بضرورة الكلام .. فيجب ان تسأل .. أن تعرف من ستشاركها به .. من التي سيجني عليها : منو سعيدة الحظ ؟
رمقها بطرف عينه : يهمج تعرفين ؟
- هي اللي تكلمها فالفون ؟
خنق انفه بسبابته وابهامه .. ليمسحه بهدوء .. قبل ان يخرج مدواخه من غمده .. ويحشوه بالتبغ ويعلن محرقة الانفاس .. تفاجأت .. منذ متى تحول من السجائر الى المدواخ .. يبدو ان امورا كثيرة باتت تجهلها .. تلذذ بذاك الدخان القاتل ..وكأن بأنفاسه تلك تحرقها هي .. وتذيب جليد تلك الايام : ما رديت ع سؤالي .
بعثر رماد التبغ ليعيده الى حقيبته الجلديه .. وقام واقفا : مب مهم تعرفينها .. المهم اني بعرس وبييب عيال .. اتشرف باهلهم وباخوالهم .
اعطاها ظهره متوجها للغرفة .. فاذا بها تتبعه لتقف عند عتبة الباب .. تراه يخلع ثوبه ليبقى ببلوزته القطنية .. وإزاره الابيض الذي تشابكت به الخطوط .. وبعدها يجلس على سريره .. يعد هاتفه ليستيقظ على منبهه .. ويستلقي .. اقتربت منه .. تكرر ذاك السؤال .. من هي ؟ .. ليزفر غاضبا .. وتبتعد هي مرتعبة : انزين من حقي اعرف .
استرجع ( انا لله وانا اليه راجعون ) .. وجلس ينظر اليها بنظرات قاتلة : سناء .. ارتحتي .
واذا به يدفن نفسه تحت لحافه الثقيل .. راودتها ذكريات كانت .. حديثه في هاتفه .. تجنب سناء لها .. عدم رغبتها بسماع شكواها .. قالت بشيء من الحسرة : خذت رقمها من موبايلي .. وصرت تكلمها .
ابعد اللحاف بعنف .. تأملها بوحشية : من حقي اعدل صورتي اللي شوهتيها قدامها .
تشدقت بابتسامة حزينة : شوهتها .
عاد يغطي نفسه صارخا : خليني ارقد .
حملت نفسها الى تلك الصالة . واستلت تلك السكين من بين الفواكه في تلك السلة .. واذا بها تنظر اليه امامها .. ثواني واذا بها تنهال عليه بالطعنات .. طعنة تلو الاخرى .. ابتسمت وهي ترى الدماء تغطي المكان .. انتقمت لذاتها المسلوبة .. انتقمت منه بفكرة جنونية راودتها لبرهة .. رمشت .. وكأنها تسقط تلك الفكرة بسقوط دموعها .. انسحبت من المكان .. لتنفرد بنفسها في تلك الصالة التي لا تزال تعبق برائحة التبغ .. تكورت على نفسها .. دموعها تنسل باردة على وجنتيها .. لا صوت يسمع لها .. فقط افكار تعصف برأسها المثقل بالهموم ..
شمس يوم جديد .. يوم قد يكون مختلفا عليها .. وهي لا تزال مكانها .. خرج ليراها وينصدم ويتعوذ من الشيطان : شو مقومنج من هالصبح .
وهل نامت هي لتصحو .. كانت تعد قراراتها على نار الهدوء .. وفي وعاء الألم .. وتحركها بدموع الندم .. لم تهتم له .. ارادت خروجه فقط .. تنتظره يغادر تلك الغرفة لتبدأ تلملم انكسارها .. ايقنت ان بقاءها هنا لن يأتي لها الا بالجنون .. ويكفيها ما تجرعته من سموم .. تحسب حسابات لغيرها .. وهي .. الا يحق لها ان تفكر بنفسها ولو ليوم واحد .. خرج .. لتنهض من كبوتها .. وتجمع اشلاءها في حقيبتها .. كل شيء سينتهي عند هذا الحد .. فليتهنى معها .. عمدت الى هاتفها .. لتكتب رسالة نصية قصيرة " شبعي فيه " .. اجل فالتشبع به .. فلم يعد له في قلبها مكان منذ امد .. ولكن اليوم ختمت وصدقت على خلوه من ذاك المدعو سعيد .. سحبت حقيبتها .. وهناك ابتسامة الحرية تشق طريقها على شفتيها .. تعلم انه ليس بالقرار السهل .. ولكنها مستعدة لأي تبعات قادمة ..
تفاجأ الجميع بدخولها المنزل بمعية حقيبتها .. توقعوا ان الطلاق قد تم .. فمنذ زواجها لم تاتي بحقيبة ملابسها يوما .. وان قضت اياما في منزل والدها فتلك الايام لا تتعدى اليوم الواحد .. تشعر بالخجل لاقتحامها المنزل في هذا الوقت الباكر .. وكأن لهذا المنزل جاذبية لا تعمل الا في هذه الساعات من بداية اليوم ..جلست مطولا مع مريم .. تريد ان تقول كل شيء .. فتكلمت دون توقف .. انفجرت في تلك الغرفة .. فاجهضت حملا بات سنين يأرقها .. لتنهار بعدها في حظن امرأة ربتها .. وتردد : لا تقولين لاي حد .. بس تعبت .. ما قادرة اتحمل..
ضمتها اكثر : لا تخافين يا ريم .. وابوج انا بتفاهم وياه ..
فكانت تلك المحاكمة بعيد العصر .. محاكمة من جلستين .. جلسة مع سعيد ووالده .. وجلسة اخرى مع شريكة العمر .. فسعيد لن يتخلى عنها بهذه السهولة .. زين مساعيه بالزواج في نظر عمه عبد الرحمن .. ليوافق راشد على كلام ابنه .. فلا بد للولد .. وهي عاقر لا تأتي بالاحفاد له .. عبدالرحمن رجل طيب .. لا يريد ان يخسر اخوه راشد .. فهو من بقى له بعد اخيه منصور .. اخبرهم انه سيكلمها .. وانسحب لينفرد بها وبزوجته مريم في غرفتهما : عمج وريلج يايين ياخذونج ..
تمسكت بمريم وكأنها تحتمي بها : ما اريد اروح .. ابويه خله يطلقني ... عافه الخاطر .
تجهم وجهه .. فالطلاق ابغض الحلال عند الله .. ويكفيه هاجر : استهدي بالله يا ريم .. والريال من حقه يتزوج وييب عيال .
مثل ما انت سويت .. نطقت بها وهي تقف لتردف : اسمعني يا عبد الرحمن ..ريم ما لها رده عند سعيد ..
صرخ : ومن متى الراي للحريم يا مريم .
- يبتها لي وعمرها تسع سنين .. قلتلي امها خلتها وسافرت .. ومحد يدري اني كنت معرس قبل لا اخذج .. وسكتت وقلت ما عليه ريلي وهذي بنته .. بتكون مثل بنتي .. وعمري ما قصرت عليها بشيء .. حتى كنت اقسى ع هاجر عشانها .. والحين ياي تقولي الحريم مالهن راي .. كان الراي رايي يومها .. مع اني سكتت يوم تقدم لها سعيد .. وقلت ما عليه ولد عمها وبيصونها .. مع انك كنت تعرف اطباعه ..
- لوين تبين توصلين يا مريم .
التفتت لريم الجالسة خلفها : ريم مالها رجعة الا برضاها يا عبد الرحمن .. وغير هالكلام ما عندي .
- لا تنسين يا مريم ان وجودها هني .. معناته طلوع طارق من البيت .
جملة لم تحسب لها حساب .. ولكن هل تتخلى الام عن احد ابنيها لاجل الآخر .. تلك المريم انسانة هادئة .. ويكفيها حبها لعبد الرحمن يسيرها .. ولكن وقت الجد تكون امرأة مختلفة .. بأمكانها ان تقلب موازين الامور بكلمة .. ولكنها تفكر قبل ان تنطق باي احرف .. نظرت لريم بابتسامة هادئة .. وكأنها تقول لها انتي وطارق اخوة .. ولا داعي للخوف .
لا داعي للخوف .. ها هي نفس الجملة ومن شخص مختلف يتم نطقها .. وهو يربت على كتف ابنه سعيد : لا تخاف .. مردها لك .. خلها تهدى وبترجعلك .. ترا العديله مب سهله .
راشد يتكلم بحكمة ... من اين اتت هذه الحكمة فجأة .. هذا ما دار في رأس سعيد الثائر .. ليقوم واقفا معلنا الانسحاب من مجلس اجتمع فيه اخويين .. وطلب على وشك الافصاح عنه من راشد .. امسك اخيه الاصغر بيده ليجلسه بجانبه : يهال ما عليك منهم .. بيزعلون كم يوم وبيرضون .. وريم خلها عندكم ترتاح ..
هز رأسه بتعب واضح : يا ابو سعيد .. ما اريد اللي يصير بين العيال يفرقنا وانا اخوك .
ربت على فخذه : ما بنفترق يا بو عمار .. وياينك فطلب بيزيد اللي بينا .
استنكر الامر حتى بان على محياه : خير يا راشد ..
ابتسم : خير يا عبدالرحمن .. اكييد خير .. ياينك طالب بنتك هاجر لولدي بدر .
بدر الذي لم يذق طعم النوم منذ سماعه لذاك الخبر .. ها هو ذا يقف في ذاك الركن .. مرت عليه ساعة وهو على حاله من الوقوف .. يجلس قليلا ثم يعاود النهوض .. جلس القرفصاء من جديد .. ينظر الى ساعة يده بتوتر .. جاء وبيده كيس .. وعلى محياه ابتسامة .. ليتلقاه الاخر : وينك يا ريال .. حشا ما يسوى علي اريدك فسالفة .. تلطعني ( تتركني ) هني وكني حرمة بتولد .. رايح راد .
انفجر ضاحكا : غربلات بليسك يا بدير .. شو اسويبك متصل علي وانا فالدوام .. لا وبعد مب عايبنك اني اترخصت عشان عيونك .. ويايبلك غدا وياي ..
وهو يفتح الباب ليلج الى شقته : حياك ..
مشى خلفه : عبدالله انا فنار ما يعلم فيها الا ربي ..
وضع الكيس على الطاولة : استهدى بالله .. بنتغدا .. وبنعين من الله خير .. وبعدين بنسولف .
رمى بنفسه على الاريكة : الا من وين لك هالشقة ..
عاد بعد ان غير ملابسه .. مرتديا ثوب نوم مقلم بخطوط رفيعة : من فلوسي .. انا مب مثلك لعاب .. نص الشهر ومفلس .
باهتمام تكلم : عبدالله محتاي شورك .. دخيلك مب عارف شو اسوي .. وابوي حطاني بين نارين .
ضرب على فخذه : نتغدا .. وبعدها نسولف .. ما اعرف اركز وانا يوعان – يمد يده للاكل – ياللا سم .
كانت تلك الدقائق ثقيلة على بدر .. ومع هذا ضغط على نفسه ليجاري عبدالله .. هو يريد ولو قشة صغيرة تنقذه من الغرق .. ولعلها بيد اخيه .. قص عليه ما حدث .. وكيف تحول كل شيء في دقائق بينه وبين والده .. ليضحك الآخر وتتحول ضحكته فجأة : تستاهل يا بدر .. يعني تدري بسواي ميوود وساكت .. شو ماسك عليك مسود الويه .
ازدرد ريقه : خلك منه الحين .. اريد شيء يخلصني من الورطة اللي انا فيها ..
وهو يلثم فاه علبة " الديو " .. وبتلذذ واضح لبدر .. الذي صرخ : عبوود .. انا اكلمك ..
نظر له : وليش ما تزوجها ..
قام واقفا كالذي وطأ على جمر : اخذ هاجر .. الدلوعة .. ولا تنسى انها جامعية وانا حيالله ثانوية عامه .. وبعد خذتها بالدز .. تريدها باكر تعايرني بشهادتها ..
- ايلس .. دامك انت ما تقدر ترفض .. خلها هي ترفض ..
جلس متوسدا ساق وتارك الاخرى تعانق الارضية .. ناظرا باهتمام لعبدالله الذي وضع العلبة من يده .. وجلس جلسة شبيهة لجلسة بدر ليتقابل معه وجها لوجه : اتصل عليها .. قابلها وفهمها كل شيء .. واذا ع رقمها عندك فاطمة .
- تهقا ( تعتقد ) .. بتسوي شيء .. وبعدين هي مالها راي اصلا .. شفت يوم تقدملها احمد .. والله لو وحده عاقل ولها راي ما وافقت وهي بنت 17 سنة – خفض نبرة صوته – يعني بتقدر ترفض .
ربت على كتفه وهو يقوم واقفا : جرب ما بتخسر شيء .. واذا ما سوت شيء .. حياك تونسني .. ونسمي الشقة .. شقة المطرودين من رحمة راشد ..
واخذ يقهق ليهز الاخر رأسه وهو يتبعه بنظراته : على وين ؟
لم يلتفت واشر له بيده : برقد .. تعبان .. البيت بيتك بس لا تسوي حشره .
,‘،
الازعاج الذي لا يريده عبدالله .. بدا واضحا على ملامح ريم التي تزيح الغطاء عن وجهها وتجلس متأففة : عندج محاضرات يوم السبت بعد .
وهي تنظر للمرآة .. وتخط عيناها بالكحل الاسود : لا .. بس عندي موعد .
اعتدلت في جلستها على ذاك الفراش على الارض بجانب سرير هاجر : موعد ؟ .. وبعدين منو هذا اللي حاشرنج بالتلفونات من الصبح .
انزلت قلم الكحل واخذت اصبع الشفاة الوردي .. وهي تمرره على شفتيها الرقيقتان : ولد عمي .
اقتربت منها ممسكة بذراعها بقوة لتديرها لجهتها .. فتصرخ الاخرى : شفيج .. زين جذي خربتي ويهي ..
لا تزال ممسكة بذراعها : منو فيهم .
سحبت مناديل ندية من " جونسون " .. لتزيل الطلاء عن جانب وجهها .. وقبلها سحبت ذراعها من يد ريم : بدر .
- شو يريد منج ؟
-مادري .. بروح وبعرف ..
- وعاادي تطلعين بدون ما تقولين لاي حد . ترا ما منهم أمان
زفرت متململة من تحقيق ريم الذي لا ينتهي : ولد عمي مب حد غريب .
تشدقت : واحمد بعد ما كان حد غريب .
نظرت لها .. فشدت الاخرى على شفتها السفلى .. لزلة لسانها تلك .. ابتسمت على مضض : الله يوفقه .
سحبت حقيبة يدها بعنف من على سريرها .. وخرجت من الغرفة مغلقة الباب خلفها .. اما ريم فجلست على السرير : يا ربي .. يعني لازم ارجع لسوالفي وياها .. ومناقرتنا .. الله لا يسامحك ياسعيد ..
في احد مقاهي " المارينا مول " جلست .. ونظارتها المذهبة الاطراف على عينيها .. وفي يدها تلك الماصة تحرك بها مكعبات الثلج الراكدة في اعماق كأس عصير المانجو .. افاقت من سرحانها على صوت تحرك الكرسي المقابل لها .. ونطقه بتحية الاسلام على مسامعها .. لترد عليه وعلى اسئلته عن الحال .. يعتريه التردد .. ويشعر بالتوتر وهو يتكلم دون ان يرى عينيها .. فيشعر بانها ليست معه .. كانت هادئة .. واذا سكت لبرهة .. تحثه على المتابعة .. هو لم يرها منذ فترة طويلة .. يذكر آخر لقاء بها كان يوم حفلة تخرجها من الثانوية .. وبعدها لم يرها ..بعد ان انهى كلامه .. تنهدت : وانت ؟
- انا شو ؟
- شو رايك ؟
احتلته نوبة غضب بانت على نبرة صوته وفي عيونه المتفحصة لنظارتها في محاولة لرؤية العينين المستترتين : الحين يالس اقولج ان ابوي بيتبرا مني .. واني ما اقدر ارفض .. وياينج .. عشان شو بالله .. عشان سواد عيونج .
قامت وهي ترص على اسنانها : احترم نفسك وانت تتكلم معي .. يايني فخدمة ولازم تكون محترم .
امسك يدها .. فسحبتها بعنف .. ليردد اعتذاره : اسف .. يلسي خلينا نتفاهم .
جلست على مضض .. وقبل ان تنطق اذا بيد تضرب الطاولة امامها .. لترفع الاخرى نظرها .. وبصوت خافت يشوبه الغضب : ياللي ما تستحين .. تتهربين من ولد خالتج ويالستلي وييا واحد هني .
من خلف نظارتها كانت عيونها تقدح شررا .. وتحاول اخفاءه بقدر ما تستطيع : ما اسمحلك يا نصور . وهذا ولد عمي بدر .. والا الغيرة عمت عيونك .
- شحالك ناصر .. الناس تسلم .
تمالك اعصابه .. ورد ببرود وهو يصافح بدر : السمووحه يا بدر .. بس – وهو ينظر لهاجر – ما انتبهت .
قام واقفا : ع العموم انا خلصت كلامي يا هاجر .. وانتي بكيفج .. بس العشم فيج يا بنت العم .
غادر ليجلس الاخر مكانه : وولد عمج .. تظنين انها حلوة يلستج وياه هني .. انتي ناسيه انج
سكت لتردف هي : اني مطلقة .. ما صرت حرمة اخوك يا ناصر .. اذا عندك موضوع قوله ..
لماذا هذا اليوم تتلاحق الافواه لتذكرها به ؟ كان سؤال يدمر اعماقها المجروحة .. ولماذا يلجأون لها .. وهي ضعيفة لم تقوى يوما لقول كلمة لا .. هل يدركون بان في داخلها اسس بناء جديد منذ اشهر .. وهو لا يزال في طور الاعداد .. ام انهم يحتمون بها لضعفهم المستتر خلف رجولة واهية .. هذا الاخر يريدها ان تحل خلاف بين شقيقتين كانت طرف في حدوثه .. دون قصد منها .. الا يعي بانها لا تزال جريحة .. ولا يزال ذاك الجرح ينزف دون هوادة .. فكيف بها تعيد ما قطع .. لتتذكر الماضي بتفاصيل اكثر .. لتراه في عيون خالتها التي يشبهها بقوة .. او لعلها تراه في العنود من جديد ..
يا الله يا ناصر .. لو تدري انك يالس تسن السكين اللي بتذبحني .. كان حديث نفس مرهقة .. فقالت وهي ترسم ابتسامة خفيفة : ولا يهمك .. دام عمي بو – ترددت في نطق اسمه – عمي عبيد عزم ابوي لملجة روضة بيكون الموضوع سهل .. بكلمهم وان شاء الله كل شيء بيرجع مثل اول واحسن .
هل تخدع نفسها بذاك الحديث .. ام هو أمل ترتجيه .. او لعلها تريد ان تطبق المقولة " وداويها بالتي هي الداء " .. لعل تلك المقولة ستنطبق عليها .. وستشفى جراحها بالقرب الذي تخافه ..
,‘،
Continue
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#46 أضافة تقييم إلى nahe24 تقرير بمشاركة سيئة
قديم 01-10-12, 04:37 PM
الصورة الرمزية nahe24
nahe24 nahe24 غير متواجد حالياً
نجم روايتي
,‘،
كالقرب الذي اضحى لا بد منه في حياة روضة .. تنتابها احيانا رغبة جامحة بالبكاء .. لا لأي سبب .. فهي خائفة من القادم في حياتها .. تشعر بانها ستظلم ذياب معها .. فهي ليست بفتاة رومنسية .. ولا تعرف من امور الحب شيء .. باردة بعض الشيء .. قامت بكسل من فراشها .. الساعة تقارب الثانية عشر ظهرا .. اضحت كسولة جدا .. نظرت الى حيث يتدلى فستانها البطيخي ذو العلاقات الكرستالية .. تنهدت وقامت تغسل وجهها لعل ذاك الكسل يعتقها .. نضحت الماء على وجهها مرة اخرى بعد ان نظفت اسنانها .. خرجت من دورة المياه ( اكرمكم الله ) وهي ترفع ذراعيها تحاول تنشيط جسدها .. نظرت حيث يقبع جهازها المحمول ( اللابتوب ) .. واذا بها تحمله وتتربع على السرير .. غلغلت اطراف اصابعها في شعرها المنفوش وهي تنتظر ابتداء الشاشة للعمل .. تعودت ان تتصفح الاخبار اليومية .. او تمر على ذاك المنتدى الذي لها فيه جولات وصولات ..
" الاعتراف ، اسلوب جميل للتقارب . اعترف اني احب ، واعترف اني اخطأت ، واعترف ان فلان فعل ، وان فلانه قالت . ما مدى اتساع زاوية الاعتراف في حياتك . هل اعترفت يوما بشيء في نفسك ؟
ارى ان خير الاعترافات اعتراف الذات . او بمعنى آخر مصارحة الذات . فهذه المصارحة قد تضع لك اسس لبناء شخصيتك ، وقد توصلك الى حد الرضا ، او قد توصلك الى حد النفاق خوفا من انكشاف روحك للغير .
ساعترف لكم باني استندت في كثير من مقالاتي على حياة والدي رحمة الله عليه . قد تنعتونني بالمنافق ، او بالكاذب ، او قد يصل بالبعض منكم ان يتهمني بالجنون . ولكن ما نتفق عليه جميعا ان تلك المقالات تعبر عن وجهة نظر متفق عليها ، وجهة نظري ......."
وتوالت الاعترافات على لسان ذاك المغترب .. لتتوالى في نفسها مشاعر قد دفنت .. لتسكت فمها بباطن كفها .. وعيونها تمطر مع كل كلمة تقرأها .. تشعر بان شيء ما عاد ليظهر في جنبات روحها الساكنة .. دخول سارة وصراخها عليها بسبب تاخرها في النوم .. لم يحركها .. جلست على السرير بجانبها دون ان تنتبه لها او لتلك الشاشة .. حيث كانت خلفها قليلا .. ضربتها على كتفها : عقب العصر بنروح الصالون نتحنا ..
وتابعت سرد جدولهن لهذا اليوم .. واذا بها فجأة تصمت .. اقتربت من تلك الشاشة .. تقرأ تلك الاعترافات المسكوبة .. وبعدها تنظر لتلك الباكية : هيييي .. لا تقوليلي رجعتي لخرابيطج – امسكتها من كتفيها – روضة ليش تصيحين .
مسحت دموعها بعشوائية مفرطة : كذاب .. كان يتكلم عن ابوه .. بس ليش يقولي ان لو عنده بنت بتكون فعمري .. انا حبيته يا سارة .. ما حبيت كلامه .. صارلي وياه سنين .. اقرا حروفه حرف حرف .. حتى اللي ورى الحروف اقراه ..
وضعت الاخرى يدها على فيها واقفة على ركبتيها على ذاك السرير .. لتمسك روضة بذقنها : روضة عقب باكر ملكتج .. بتصيرين ع ذمة ذياب يالخبلة .. شو هالكلام اللي تقولينه .
قامت من على السرير .. تحاول ان تبعد عيونها عن عيون اختها : ذياب ما احس تجاهه بأي شيء .. ما اعرف كيف وافقت اصلا ... يوم اقرا حروف المغترب .. احس بشيء هني – تأشر على قلبها – شعور غير .. احساس مختلف .. ما اعرف كيف اوصفه لج – التفت لسارة – عمري ما حسيته من قبل .
,‘،
كالاحساس الغريب الذي يشعر به سعود وهو بين تلك النسوة في صالة منزله .. فتلك أمه العجوز .. ومعها اخواته الاربع .. اجتمعن لمناقشة امر العروس المنتظرة .. فتلك ترشح فلانة بنت فلان .. والاخرى تصرخ انها لا تناسبه .. وثالثة تقترح فلانة ابنة جارهم .. لترد العجوز بانها لا تجيد الاهتمام بنفسها .. وهو ينظر للنقاش .. اسماء يعرفها واسماء لاول مرة تتبادر على مسامعه .. كان يبتسم وهو يرى ذاك الاهتمام من قبل اخواته .. فلقد تعبن من طلبه بان يتزوج .. حتى تلاشى الموضوع .. وتم دفنه من قبلهن .. واليوم لا يسعهن الفرح .. فالابن والاخ الوحيد سيتزوج اخيرا .. قالت الكبرى بفرح وهي تنظر له : شو رايك بحمده .. بنت علي .. اللي كانوا جيرانا قبل .
حاول التذكر ولم يفلح في ذلك .. فصرخت اختها : شو تبين فيها .. مطلقة مرتين .. لو هي شيء ما تطلقت مرتين – التفت لامها – الا امي شو رايكن فموزه بنت جارة عمتي .. تعرفينها .
تبسمت من تحت برقعها الذهبي : والله ويبتيها .. بنت زينه ما عليها كلام . بس ما كانها صغيرة .
- لا وين صغيرة .. بتصك التسعه وعشرين قريب .
وقع الاختيار اخيرا على فتاة معروفة .. سألنه رأيه .. فقام واقفا : والله انتن ادرى .. المهم تكون بنت مربايه وقد المسئولية ..
القى بكلامه ذاك وانسحب من المكان . ليتم بعد انسحابه مشاورات من نوع اخر .. متى ستتم الزيارة .. ومن سيذهب .. وغيرها من الامور ..
,‘،
تلك الامور التي لم تكن في حياة خولة يوما .. وكم تمنتها .. اضحت تتحاشاه .. اذا اقترب تخاف منه .. حتى اذا لمسها اغمضت عيناها .. وكأن بها تشعر بيده تهوي على وجهها صافعة له .. لم تعد خولة التي تبدأ معه اي حديث .. فقط ليتحدث هو .. اضحى الآن هو من يبحث عن حديث يفتحه امامها .. فترد بكلمات مقتضبة .. يدرك مدى خوفها .. ويدرك ايضا مدى حزنها .. حتى حين زف لها خبر دعوتهما لحفل زواج اخته .. لم ترد الا ببضع كلمات .. وسألته بعدها : لازم اروح ؟
ليجيبها زاجرا .. آمراً لها .. فهي زوجته وعليها مرافقته .. اعد كل شيء .. حتى فستانها الذي سترتديه .. طلبه خصيصا من احد اشهر مصممين الازياء العرب .. يشعر بتناقض غريب في نفسه .. يقسو عليها .. ويؤنب نفسه في الخفاء على تلك القسوة .. هاهو يجلس في ظلمة غرفته .. لعله ينتظر قدومها .. يريد ان يراها متزينة .. او لعله يشتاقها .. فاول مرة يكون في بيته وهي لا تكون .. شبك اصابع يديه .. ساندا مرفقيه على فخذيه .. ملامسا ذقنه لظهر تلك الاصابع ..
سحب لحافه .. وعانقه بإبطه .. واخذ بيده الاخرى وسادته .. واذا به يقتحم غرفة قاسم .. رمى ما بيده على السرير وسط دهشة شقيقه : ياي عندي اليوم ..
رتب الوسادة واستلقى على ظهره .. مكتفا ذراعيه اسفل رأسه : اشتقتلك .
قهقه وهو يجلس مقربا رأسه من وجه جاسم : شو فيك .. اكيد متزاعل وييا الوالد .
فتح عينيه : لا مب متزاعل وياه .. الا معصب منه – قام جالسا – يريد يبيع بيتنا .. ويقول انه شرالنا بيت ثاني اصغر – زفر – ما قدرت اقنعه انه يخليه .
- اممممممممم ما عليك بنقول للوالده تشتريه .. شو رايك ؟
- مينون انت والا صاحي .. انت تدري ان امي ما تريد اي شيء يربطها فبونا .. والا ناسي
استلقى كما كان جاسم آنفا : نشتريه احنا انزين .
سحب الوسادة وانهال بها ضربا على قاسم .. حتى بات الاخر يقهقه دون توقف .. توقف عن الضرب : لو عندنا ما بتشوفني بهالشكل .
ارتمى على السرير من جديد .. معطيا قاسم ظهره .. اقترب منه واضعا كفه على كتفه : لا تضايق عمرك .. الدنيا ما تسوى .
انقلب على ظهره متنهدا : الا سولفلي
نام بجانبه على ظهره ايضا.. وقاطعه : روح لمي بخيته تسولفلك .
-امي بخيته كبرت .. من يأذن العشا تصلي وتنسدح .. خلاص كبرنا ع قصصها يا قسوم .. انا اريدك انت تسولفلي عن اللي قلبت حالك .
اسند رأسه بيده ..ومرفقه غائر في وسادته .. نظر لجاسم : احبها .. صح انها تكبرني بخمس سنين بس وربي احبها .
التفت له : وشو عرفك انها اكبر منك .
- تذكر سفرتنا لالمانيا .. كلكم قلتوا ان الروحة خسارة وقت وفلوس .. الا انا اشوفها مكسب لي .
- التقيتها هناك ؟
- ورقمتها بعد .
ضحك وهو يسمع كلمات جاسم : غربلاتك .. وتعرف ترقم بعد .
جلس معتدلا قريبا جدا من جاسم .. الذي تهكم قائلا : ايلس فحضني بعد .
ضحك من جديد .وبنبرة حالمة : اموون غير يا جاسم .. احس ان اليوم اللي ما اكلمها فيه ناقص – يضع كفه على صدره – هذا احسه طاير لسما ..
سحب نفسه مستندا على ظهر السرير .. واضعا الوسادة في حظنه : اسمها آمنه – هز قاسم رأسه بالايجاب – اماراتيه
فتح كفه امام جاسم يحركها دليل على البين بين : نص نص ..ابوها اماراتي وامها مصرية
- وتظن اهلنا بيوافقون ..
تحرك بشغف نحو جاسم : هني بيي دورك .. تذكر يوم قلتلك اريد منك هدية – هز رأسه بالايجاب- اريد توقف وياي وتقنع امي .. ترا بدون اموون ما اظن اعيش .
وضع كفه على فم قاسم : لا تقول هالكلام مرة ثانية .. سامع ..
لم ينتبه لدخولها .. كان عقله مع تلك الذكرى .. واذا به يتمتم : صح يا قاسم .. الحب ماله وقت .
ارتدت فستانها الازرق الطويل ذو الصدر العاري .. مع تلك الفتحة على الجانب الايسر لتطلق العنان لساقها لتعانق الهواء .. مشت نحو الغرفة بخجل واضح .. فهو عاريا كثيرا بالنسبة لها .. لم تعتد على مثل هذه الملابس .. ولا على تلك الالوان على وجهها .. وحتى تلك التسريحة اظهرتها بشكل مختلف .. شعرها المرفوع ترك المجال لعنقها الطويل ان يتجلى للنظر .. تنفست وهي تعبر الحد الفاصل بين الغرفتين .. هو هناك .. تساءلت ماذا به .. يبدو في عالما آخر .. لم يشعر بها .. حدثت نفسها .. ان ما هو فيه افضل لها .. فسترتدي عباءتها وبعدها ستنبهه .. استدارت عائدة ادراجها .. لتنزع عباءتها من ذاك العملاق .. مع انها اضحت لا تراه عملاقا كما الوهلة الاولى ..نزعتها .. ابتعدت خطوتان اذا بها تصطدم به .. لم تتحرك .. واذا به يطوقها بسلسلة تزين نحرها .. تلمستها : شو هذا ؟
انحنى مقبلا كتفها .. وبعدها همس في اذنها : روحي – ادارها نحوه – هذا العقد غلاوته من غلاة روحي .
,‘،
جالسا في مكتب والده في الشركة الام .. وتلك الاحاديث تتردد في ذهنه .. " انا وسيف دبرنا وابوك يعرف بكل شيء " .. " في مصيبه عودة .. يتنا اخبار ان في تلاعب في الحسابات وفي العقود اللي تم توقيعها الشهر اللي راح" .. كلام طلال .. واخر لسيف .. انحنى على الطاولة مسندا رأسه على ذراعيه المتربعان امامه .. يحاول ان يربط كل ما مر به .. من بداية سفرته الاخيرة .. لرحلته للكويت .. لعودته الاخيرة للامارات .. وموت والده وانهيار كل شيء .. وكلام جاسم ..الذي يؤكد ان سيف له يد فيما حدث ..وطرقت رأسه ذكرى اخر الكلمات من والده :
خفت صوته حتى لا يكاد يسمع .. قرب اذنه من فاه : رشا
قال : شو بلاها رشا .. ابويه تسمعني .. شو بلاها رشا ..
دير بالك عليها .. سيف .. سيف ..
تمتم : شو كنت تقصد يالغالي ..
قطع عليه حبل تلك الافكار دخول سيف .. اقترب وجلس .. ليرفع فيصل رأسه : شو صار .
تنهد : خلاص كل شيء راح .. اللي كاسر خاطري هالموظفين ..
عدل جانبي " غترته " للوراء : شهادات الخبرة اللي خذوها ان شاء الله بتفيدهم ..
استأذن للمغادرة .. هو يعلم بان فيصل مختلف .. ويتمنى بحق ان يعرف سبب هذا التغير .. تتبعه بنظراته .. فابتسم : بييك يوم يا سيف .. وبتعرف ان فيصل مب سهل مثل ما تتوقع انت واخوك .
رمى بنفسه على كرسي مكتبه : اقولك متغير علي من بعد وفاة عمي الله يرحمه .. تقولي لا تلومه
- ترا حتى علي انا متغير .. صاير ما يطيق مني كلمة .. مب الا عليك انت .. ع الاقل انت يمكن عشان الشغل .. بس انا شو ذنبي .. واذا رحتله الشركة يخليني بالساعات اترياه .. وكانه وزير ..
اعتق رأسه مما يحمل .. ليحيلهن على الطاولة : طلال .. هو ما قالك شيء يوم كنتوا فامريكا .. ما صار بينكم كلام يمكن يوصلنا لشيء .
حرك شعره بيده : ما اذكر .. اصلا من بعد ما انت اتصلت عليه .. صار كلامه وياي قليل .. حتى انه سافر للكويت وتركني هناك بروحي .. اتصل عليه ما يرد .. وبعدين عرفت منك انه فالكويت ..
باهتمام وكانه يتذكر شيء ما : الا طلوول .. هو شو عرفه ان التلاعب كان يصير بشركتنا اللي بالكويت ؟
زفر : سيف طلعني برع هالسوالف .. حل مشاكلك وييا نسيبك بروحك .. باي
اغلق الهاتف .. ليتمتم الاخر بغيض : ياللي ما تستحي .
لملم اوراقه من على ذاك المكتب .. والقى عليه تحية الوداع .. كان يتوق ان يراه هنا يوما ... ولكن احلامه تلك باتت بعيدة المنال .. فتح الخزانة الحديدية .. وتمتم : كان المفروض اكون انا يمك فكل شيء .. بس جود كانت معك دووم .
سحب بعض الاوراق التي اعدها سابقا لامر لا يعلمه الا هو وجود ووالدته .. القى التحية على جلال .. وعلى باقي الموظفين .. منهم من كان يتذكر سالم بالخصال الحميدة ومنهم من كان يتمتم ببعض الدعوات عليه .. فهم في موقفا لا يحسدون عليه ..ركب سيارته الـ " بي ام دبليو " .. وانطلق .. وابتسم على ذكرى كانت .. لينظر خلفه .. يبدو انه اشتاق لهم .. كما سيشتاق لذاك القصر الذي ولج اليه من بوابته الكبيرة .. كان يمشي بهوادة غريبة .. وكأن به يستطلع المكان .. فغدا ستطء قدماه مكان آخر .. رفع بصره لاخر ذاك السلم المتسع .. المغطى بسجاد احمر مخملي .. ليراها هناك .. الوحيدة التي باتت تعرف مواعيد قدومه الى المنزل .. صعد درجة درجة .. حتى اذا ما كانت امامه رفع يده عابثا بشعرها القصير جدا : خليه يكبر .. صاير شعري اطول منه .
ابعدت يده مازحة معه : يعجبني بهذا الشكل .
اخرجت له لسانها .. ليضربها بخفة على وجنتها .. وبعدها يطوق كتفيها النحيلين بذراعه .. ويمشي معها .. الى حيث والدتهما .. دخل وبقيت الاخرى بجوار الباب .. كانت ميرة قد جهزت جميع حقائبها .. فغدا الرحيل .. تقدم منها .. وقبل رأسها .. واطال .. حتى وكأنه يطلب العفو بقبلة حارة .. اخترقت قلب ميرة المحزون .. امسك بكفها وجلس معها على ذاك الكرسي الوثير .. وضع الاوراق امامها .. ومد لها بالقلم .. نظرت له بابتسامة .. فابتسم .. لطالما اشتاق لتلك الضحكة .. كما اشتاق لتلك الكلمات الموبخة .. امسكت القلم : واثق باللي بتسويه .
- كل الثقة .
نظرت لجود وابتسمت اكثر : ومدرستها .
امسك كفها والقلم لا يزال بين اصابعها : نقلتها لمدرسة حكومية فابوظبي .. ومنها باخذ لها اجازة – نظر لجود مؤشرا لها بالمجيء – وهي ذكية ما ينخاف عليها .
جلست بجانب والدتها .. لتلف وسطها بذراعيها : فيصل وعدني انه بيحميني ماما .. وانا واثقة فيه .
قبلت رأس ابنتها وهي تحتضنها : بس لازم السفر؟ .
تبادلت جود النظرات مع فيصل .. لينطق هو : لازم .
ليسكب بعدها الحبر على الاوراق .. ويبدأ في حياتهم مشوارا جديدا .. قد يكون التوفيق معهم .. او قد يرافقهم الخذلان ..
,‘،
كما بدأت هي مشوار آخر .. بمفاجأة شلت الجميع .. حين قالت : " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..مرحبا بكم في علوم الدار .. معكم هاجر عبد الرحمن "
علوم الدار : برنامج اخباري يعرض على قناة ابوظبي الاولى
ليجري عمار مسرعا الى والده .. ليضع قناة ابوظبي الاولى على تلفاز المجلس .. لينظر بتفحص لتلك المذيعة على تلك الشاشة .. ليبتسم بفرح .. بخلاف ذاك الذي اشتاط غضبا وينفجر صارخا : مسودة الويه .. سودت ويوهنا ..
ليقف بدرا ناظرا لها .. وكأن به ينظر لفتاة اخرى ليست ابنة عمه هاجر ..
,‘،
ان شاء الله يكون حاز على رضاكم