الفصل 15
الخامس عشر
,‘,
نرسم في عقولنا مخططات كثيرة .. قد تمتد لسنوات مستقبلية طويلة جدا .. وتبقى في الأذهان أمدا .. ونتناساها .. أو كما يقال تأتي الرياح بما لا يشتهي السفن .. نتخبط في واقع حياتنا .. كورقة في يوم ربيعي ذبلت فوقعت لتتقاذفها نسمات الهواء .. وتختفي بعد حين .. وقف ينظر إلى المكان . . بالأمس كان هنا .. يضحك .. تلك الزاوية شهدت وقوفه .. وتلك الأخرى شهدت جلوسه .. وذاك الجدار لا يزال يشعر بملمس كفه .. بالأمس ليس بالبعيد وليس بالقريب أيضا .. كانا يضحكان معا .. ويتسامران معا .. يحب مداعباته .. وهو يحب إزعاجه .. واقفا مستندا على ذاك العمود القريب من مجلس الرجال .. مربع ذراعيه على صدره .. ونظارته الشمسية تضيف لملاح وجهه رزانة من نوع آخر .. تمر ذكراه دائما في أجواء تفكيره .. لم يسمع صوته .. ولا يرد على اتصالاته .. يشتاق له .. أخيه الكبير .. أخيه الطموح الذي لم يرضى إلا بشهادة الدكتوراه في علوم الحاسب الآلي .. وذهب .. ويا ليته لم يذهب .. وعاد ويا ليته لم يعد .. تناقض يجتاحه .. فأمه يتعبه حالها .. ولم تنكسر إلا على يد أغلى أبناءها .. زفر أنفاسه التي ملت الانتظار .. فصرخ مناديا أخته .. لتخرج وهي ترتب عباءتها : خلاص يينا .
اعتدل في وقفته : وين امي ؟
ردت وهي ترتب وضع اللثمة على وجهها : ما بتي ..
فجأة اذا بسارة تدفعها عن الباب .. وتخرج متسابقة مع العنود .. ليستوقفهن ناصر : ع وين ؟
وهي ترفع قدمها للوراء تحاول ادخال حذاءها جيدا : وياكم .. بعد وين. لازم نشتري فساتين .. مب بس العروس اللي بتتعدل .
اجتاح الحياء روضة .. فشبكت اصابع يديها امامها .. اما ناصر زفر وهو يقول : اذا امي بتروح وياكن بوصلكن .. اما انكن ادخلن السوق بروحكن وبهالشكل – يؤشر باصبعه من تحت الى فوق على اخته سارة – فلا .
وضعت يداها على وسطها : وشو فيها اشكالنا .. وبعدين انت بتدخل وييانا .. والا يعني اخو ع الفاضي .
- ليش ما تغطين ويهج مثل اختج ..
زفرت : روضوه دقه قديمه .
نظر الى العنود .. التي لم تغطي شعرها جيدا : تحجبي زين . ما عندنا بنات يظهرن شعرهن .. وامشن تاخرنا – يعطيهن ظهره متوجها الى سيارته – ولا بتروحن الا محل واحد .. ما في ع الدواره .
نظرت سارة بغيض لروضة : كله منج .. يعني ما فيج اللسان ترفضين .. وتقوليلهم يخلون حفلة الملجة عقب العيد .
عدلت العنود غطاء شعرها .. ومشت خلف اختيها الى " الفتك " الاسود .. امسكت بكرسي السائق منحنية قليلا : نصور .. ما يصير نروح محل واحد .. يمكن ما نحصل اللي نريده .. يعني يا اخوي يا حبيبي خلك كريم .
حرك السيارة ونظر لها من خلال المرآة الامامية : سويره .. عن الحشرة ( الازعاج ) الزايده .. والا اهون ولا اشلكن خير شر .
زفرت وهي ترتاح على الكرسي مربعة ذراعيها .. تكلمت روضة بشيء من الحياء : سارة عندها حق .. اكييد ما بنحصل كل شيء فمكان واحد ..
" البلاك بيري " لا يترك يديها .. هاهي تعزف على ازراره .. تبتسم احيانا .. وتعبس احيانا أخرى .. تستمع لمحاولات اختيها في اقناع ناصر .. الذي اخيرا بعد عناء المفاوضات وافق على ان يأخذهن لثلاث محلات لا غير .. رضن بالامر الواقع .. فثلاثة افضل عن واحد .. في الطريق استنكرت روضة منه طلبه لرقم هاجر . حاولت ان تعرف ماذا يريد به .. لكنه لم يجبها .. اخذ الرقم وهو يقف امام احد المحلات .. ويتوعدهن اذا تاخرن .. ما ان نزلن حتى عمد الى هاتفه يضغط زر الاتصال .. الهاتف يرن .. لكن لا من مجيب .. محاولة اخرى تبوء بالفشل .. وثالثة اخذت طريق اختيها .. قرر اخيرا ارسال رسالة نصية قصيرة لها .. " انا ناصر .. ردي علي .. اريدج فموضوع مهم " .
ارتجف كفها وهي تقرأ تلك الاحرف .. مالذي يريده مني .. تنفست لتبعد تلك الافكار التي بدأت بالهجوم عليها .. كتبت له رسالة ردا على رسالته .. " ما بينا شيء يا ناصر " .. وبعدها رمت الهاتف من يدها .. لكن سرعان ما عاد هاتفها لرنين .. تأففت .. فهي تخشى ان يكون هناك اخبارا عن احمد .. لا يزال هذا المذكور آنفا يثير في نفسها مشاعر غريبة .. قد تكون خوفا .. او شوقا .. او حقدا وغلا .. هي غير متأكدة .. كل ما هو مؤكد لديها انها لا تريد اي شيء يذكرها به .. تعب " الآيفون " من الرنين .. خنقت رقبتها بلطف بكفها .. وكأن هنالك غصة ما تؤرقها ..
صوت بنات عمتها يعطي المنزل حياة جديدة .. صراخهن .. ولهوهن يعيد الى ذاك المنزل حيويته .. رفعت شعرها بطوق رقيق .. وتركته منسدلا .. وخرجت من غرفتها غير آبهة بذاك المرمي على السرير .. نزلت الى الصالة التي تصدح باصوات الرسوم المتحركة التي تبث عبر قناة " ام بي سي 3 " .. وحصة نائمة على ظهرها ورأسها على وسادة أكبر منها .. وساقها مثنيان .. والاخرى نائمة دون اكتراث على السجاد الايراني الاحمر .. لوحت برأسها وهي تبتسم لذلك المشهد الذي ذكرها بطفولة مضت .. توجهت الى المطبخ فلعل الجميع هناك .. فبعد ان سافرت الخادمة اضحت اشغال المنزل على الثلاثي الموجود دائما في المنزل .. امها .. وعمتها .. وشهد .. اما هي فيكفيها دروسها الصيفية .. وقفت عند عتبة الباب .. وهي ترى تلك الواقفة عند الفرن تحرك الطعام وتتذوقه بالملعقة الخشبية .. والاخرى التي تجهز السلطة للغداء .. اما الثالثة فلقد انتحرت البرتقالات بين يديها .. وهي تجهز عصير برتقال لابنتها علياء .. اضحت تهتم بتلك الفتاة كثيرا .. اقتربت من والدتها وهي تشم رائحة الطعام بحركة تلذذ : يا سلام ع الريحة الحلوة .
ضحكت شهد وهي تقطع حبات الطماطم الحمراء : طباخ عموتي لا يُعلى عليه .
وهي تسكب العصير في كأس زجاجي .. وتحمله خارجة من المطبخ : ام عمار محد يشبها فالطباخ .. ما شاء الله عليها .
سحبت لها قطعة من الجزر وهي تلوكها في فيها : الا وين عمار .. غريبة ما اشوفه هني . بالعادة ارجع من الجامعة يكون بالبيت .
ام عمار : طلع وييا واحد من ربعه .. يقول معزوم ع الغدا ..
نفسها بدأ يضيق .. وهناك طعما غريب بدأ يضايقها عند نحرها .. لم تعد تسمع الحديث الدائر بين هاجر ووالدتها .. الاصوات اضحت طنين يزيد من دورانها .. رمت ما في يدها .. وجرت مسرعة ويدها على فيها .. اندهاش سيطر على هاجر وهي تسأل والدتها عما اصاب شهد .. لتجيب الاخرى : بتصيرين عمة .. ان شاء الله .
ضحكت هاجر : هذا كلام مسلسلات يالغالية – وهي تتجه للباب – بروح اشوفها يمكن فيها شيء .
اوقفها طارق وهو يدخل ملقي السلام يحمل بين كفيها صندوق " كولا " .. تابعته بنظراتها حتى وضعه بجانب الثلاجة .. عاد ليقبل رأس ام عمار : شو غدانا اليوم .
هاجر : برياني دياي .. من اللي يحبه قلبك .
كانت تقلد والدتها وهي تتحدث .. لينفجر طارق ضاحكا .. ولم يسكته الا همسات والدته له : حرمتك حامل ؟
عاد ليقهق ولكن هذه المرة ببعض القلق : لا منو قالكم ..
هاجر : تعبت شوي وركضت فوق .. عااد امك ما صدقت من الله تقول عنها حامل .
اشتعل فيه الخوف .. واستأذن مسرعا ليراها .. كان يطوي الدرجات اثنتين اثنتين .. قلبه يقرع طبول خوفا لم يعهدها يوما .. فتح الباب بعنف وهو يناديها .. تلفت في غرفة النوم .. وبعدها حث الخطى الى دورة المياه ( اكرمكم الله ) .. طرق الباب بخفة .. يناديها لترد عليه .. ولكنها لم تجبه .. عاود الكرة مرتان وثلاث واربع .. بعدها خرجت بوجه مبلول .. نظرت اليه وبعدها جثت على الارض .. امسكها من كتفيها : حبيبتي شو فيج ؟
طأطأت رأسها وبكت وهي تردد : ما اريده يا طارق .. ما اريده .
هزها بهدوء : استغفري ربج .. شو هالكلام اللي تقولينه . وبعدين شو دراج انج حامل .
نظرت له بعيون دامعه .. وخصلات شعرها المبلولة تلتصق بوجهها : الدورة صارلها شهر ما يتني .. ما اريد اجني عليه .. ما اريده .
عاد ليستغفر من جديد ويطالبها بالاستغفار .. رفع كم ثوبه ليريها مكان وخز الابرة : شوفي .. اليوم سويت تحليل .. ان شاء الله ما فينا شيء – ابعد خصلاتها –باكر بنعرف كل شيء وبنروح نتأكد من حملج – ضمها لصدره – وبيينا منصور الصغيرون .. وبتفرحين فيه .
بكت اكثر ليشدها اليه اكثر .. يطمأنها ويطمأن روحه المشتاقة لراحة التي كانت .. فكم هو صعب ان تجني على ابنك دون ذنب منك .. هذا هو شعور شهد التي فسر تعبها على انه حمل في عيون عمتها .. وكل ذاك الاختلاف كان له تفسيرا واحد لدى تلك الام التواقة لتكون جدة .. وتتمنى الحفيد المنتظر ..
,‘,
كتلك المرأة التي تنتظر تلك الزيارة بشوق لا حدود له ..مستلقية على السرير الابيض بعد وعكة صحية المت بها .. وها هي تسند ظهرها .. مبتسمة لدخول ذاك الشخص الذي لطالما احبته .. تقدم منها مقبلا رأسها : ما تشوفين شر .
امسكت بكفه تربت عليها .. بحنان ام : الشر ما اييك يا وليدي .. وين اخوك ؟ قلتله البارحة ايي وياك .. بس يلس يضحك .. وكل ما اصرخ عليه واهازبه ( تنهره ) يضحك اكثر ..
كان ينظر اليها باستغراب .. فذاك الحديث عن اخيه بدا مستغربا من قبله .. حتى انه سألها ماذا قال ؟ وكيف كان ؟.. ردت عليه : كان مثل ما عرفته .. سالني عنك .. قلت له دووم هني .. وبعد قالي انه متوله عليك .. انتوا ما تتشاوفون ؟
ابتسم .. وسحب له كرسيا ليجلس بجوارها .. عاد ليمسك كفها ويقبلها : نتشاوف .. نتشاوف ياميه ..
حركت كفها الاخر على رأسه .. وهي تستمع له : امي بخيتة .. الحب حرام ؟
- لا يا جويسم .. الحب مب حرام .. بس الحرام اذا كان حب غلط .. قلوبنا ياوليدي ما حطها ربك من فراغ فصدورنا .. حطاها عشان نحب فيها .. ونكره فيها .. الحب شيء عود يا جاسم .. ومب انا بنت الامس بتعلمك بهالشيء .
كطفل صغير وضع خده على كفها .. وهو يستمع لحديثها .. ويشعر بحركة يدها على شعره الطويل .. ابتسم حين وبخته بسبب ذاك الطول .. ولكنه لم يتحرك .. فتلك الاحاديث تعيد له شخصه الذي فقده منذ عشر سنوات مضت ..
خوز عني .. نطق بها وهو يدفع جاسم الذي جلس عليه مثبتا جسمه بالارض على ذاك العشب الاخضر .. دفعه ليقع بعيدا .. ثم جرى ليمسك انبوب الماء يحاول ان يبعده عنه من جديد .. حتى لا يقترب منه .
- تحتمي بالماي يا قسووم .. بس ما بخليك ..
هجم عليه .. لتبدأ الحرب على ذاك الانبوب الذي بدأ الماء يتبعثر منه يمنة ويسرى مع محاولات الاستيلاء عليه من قبل جاسم .. ولم ينتبها لتلك المارة متوجهة للبوابة وهي بكامل اناقتها .. ليقع الماء عليها صارخة بهم : ما تشوفون – توقفا ينظران اليها – الشعر بدا يطلع فويوهكم وانتوا بعدكم وييا هالتصرفات .. الين متى .. ومتى بتعقلون .
تقدم منها قاسم ابن الرابعة عشر .. تاركا الانبوب على العشب : السمووحة فديتج .. الا وين رايحة ؟
زفرت : عندي ندوة .. وشكلي بتاخر والسبة انتوا .. وين بخيته عنكم ..
واخذت تنادي بخيتة وهي عائدة ادراجها للمنزل .. وبدون ان يشعر جاسم سحب الانبوب .. ليغرقه بالماء وبعدها يفر هاربا : والله ما اعديها لك يا قسوم .
ابتسم على تلك الذكرى التي داهمته وسط حديث امه بخيتة .. مر الوقت وهو يستمع لها .. تلك الساعة التي يقضيها معها في كل يوم تعني له الكثير والكثير .. لعل تلك المرأة العجوز الوحيدة التي تشعره بنفسه الغير مصطنعة حتى الآن .. فتلك الساعة لا يستبدلها باي شيء آخر .. حتى هاتفه يغلقه وهو معها .. يكتمه حتى لا يزعجه ويعيده لواقع حياته المرة .. هاهو يخرج ليركب سيارته " الرنج روفر " الرصاصية .. واذا بهاتفه يصدح بمقطع من سينفونية " بحيرة البجع " .. ليرد ببرود تام : هلا ..
على الطرف الآخر .. كان يتحدث بشيء من الانفعال : انت وينك .. نسيت ان اليوم عندنا اجتماع .. والا ناسي انك راعي النسبة الاكبر فالشركة .. ولازم تعطي رايك في الصفقة اليديدة ..
ما ان انتهت تلك المكالمة .. التي اجبر عليها عبد العزيز حتى لا تتعطل الاعمال في الشركة الام لمجموعته .. حتى دخل ذاك الرجل الذي اطلق عليه جاسم سابقا ذو وجهين .. تقدم ملقيا التحية على عبد العزيز .. وبعد ان استراح في جلسته قال : عندي لك عرضا تستطيع به ان تتخلص من قبضة ابنك جاسم .
شده الموضوع بقوة : قل ما عندك يا جون .
انحنى قليلا مستندا على ذراعه الايسر الممدوده على الطاولة : ولكن قبل ان اعطيك ما تريد .. عليك ان توافق على شروطي .
تجهم وجهه .. وبعدها سمح له باكمال الحديث : تعطيني احدى شركاتك في بريطانيا .. وشركة اخرى هنا في الخليج .. لن اطلب ان تكون في الامارات .. لانني اريد ان ابتعد .
ابتسم بخبث : وما الذي يظمن لي انك ستفي بما قلت لي . . وايضا الا تظن ان شروطك كبيرة جدا .. ولا تستحق ما ساجنيه انا .
ضرب براحة يده على الطاولة بخفة وقام واقفا : ساعطيك مهلة لتفكر .. لا تنسى انني كنت الذراع الايمن لابنك .. وجميع اسراره لدي ..
خرج ليتمتم الاخر : خبيث .. بس انا مب سهل يا جون ..
ما هي الا لحظات حتى دخل جاسم .. بتلك الابتسامة التي يعهدها عبد العزيز .. القى التحية وجلس بعيدا على احدى الارائك .. بتلك الجلسة المعتادة المليئة بالثقة : جون كان عندك! ..
قام من على كرسيه ليجلس قريبا من ابنه .. على تلك الاريكة الصانعة مع الاولى زاوية تسعين درجة .. دقق نظراته على وجه جاسم : سمعت انك عرست .. مبرووك .
قهقه بقوة .. وانحنى قليلا .. متبادل النظرات مع عبد العزيز : من زمان – عاد لجلسته وهو يمد ذراعيه على ظهر تلك الاريكة الجلدية – الا صدج .. سمعت ان سمية بتعرس .. معقولة يا عبد العزيز تزوج بنتك ولا تدعاني ع العرس .. نسيت اني اخوها العود ومن حقي احضر .
بضجر واضح : عرسها عقب اسبوع .. وانت اكيد معزوم ما يبالها كلام .. الحين خلنا في المفيد .. مب ناوي تفك عمرك من الروحه والرده لهالشركة .. وتعطيني نصيبك فيها .
ضرب براحة يديه على فخذيه وقام واقفا : يوم اتعب بقولك .. خلنا نراجع الملفات قبل الاجتماع .. لازم ادرس كل شيء زين مازين ..
,‘,
Continue
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#42 أضافة تقييم إلى nahe24 تقرير بمشاركة سيئة
قديم 01-10-12, 04:30 PM
الصورة الرمزية nahe24
nahe24 nahe24 غير متواجد حالياً
نجم روايتي
,‘,
ضرب الآخر مقود سيارته بقبضة يده .. كل شيء انقلب رأسا على عقب .. كان مستعدا للاعتراف رغم محاولات مايد لردعه .. شحن نفسه بالقوة المطلوبه .. ابعد مايد عن طريقه وولج الى ذاك المجلس .. كان راشد جالسا يشاهد التلفاز .. اخبار تعاد كثيرا في الاونة الاخيرة .. ما يصبحون فيه يباتون فيه .. اقبل على والده الذي رسم ابتسامة عريضة على محياه الذي بدأت التجاعيد تملأه .. وقف امامه ليقوم الاخر بترك جهاز التحكم من يده بجانبه على ذاك الكرسي الوثير .. وقبل ان ينطق الاول .. اذا بالاخر يربت بخفه بجانبه .. يدعو بدر للجلوس .. تلعثم وهو لا يزال واقفا : اريدك فموضوع .
ربت من جديد على ذاك الكرسي : ايلس .. انا اللي اريدك فموضوع ..
الجو مشحون بالغرابة .. التي سيطرت على بدر .. جلس ليعرف ما يريد منه والده .. واذا به يلقي على مسامعه بقنبلة الموسم .. او هكذا خيل له الأمر .. لم يستطع الا الرفض .. ولكن والده ذا رأس صلد .. لا يستطيع بدر على كسر قراراته .. عاد ليرفض من جديد .. ليهوله كلام والده : ان ما وافقت يا بدير لا انت ولدي ولا اعرفك .
اي سياسة يتبع مع ابناءه .. الكبرى تجلس بجواره الى الآن لانه لا يريد تسليمها لرجل من خارج العائلة .. والاصغر منها كالكلب المدلل عنده .. على ما يهوى يمشي ويطيع .. والاخر ظلمه حتى نفى نفسه بعيدا عن هذا البيت القابع في قبضة انسان متسلط لا يعرف الا قراراته .. اما الاخير فلا يعلم عنه شيء .. وكل ما يريد مجاب دون مناقشة .. لم يبقى الا هو .. كان بعيدا عن الكل .. والآن اضحى واضحا بعد غياب عبدالله ..
زفر بشدة وهو يعيد كلام والده كشريط اهترأ بسبب دورانه المتكرر .. ماذا عساه ان يفعل .. اذا قال لا .. نفي من كنف الابوة .. واذا قال نعم .. ارغم على شيء لا يريده .. يشعر بالضياع ..
ضياعا ليس بقدر ضياع ذاك الشخص الذي لا يزال واقفا بين الخارج والداخل .. حد فاصل بين اجواء المستشفى المعقمة وبين اجواء اوروبا المتقلبة .. لا يستطيع ان يجمع شتات افكاره .. فلقد تناثرت بفعل تلك الكلمات التي قذفها ذاك الطبيب البريطاني من اصول جزائرية .. وكتب كل شيء على تلك الورقة المشئومة .. او لعلها لم تكن بذاك الشؤم التي كانت عليه الورقة السابقة .. التي ختمت بفايروس مميت .. وهذه الاخرى ختمت بفايروس اشد إماتة .. رفع ساقه ليخطو خطوة للخارج .. تبعتها خطوات تتخبط في قرارات اتخذها .. دمرت حياته .. يمشي دون ان يشعر برذاذ المطر على شعره المجعد .. ولا بنسمات الهواء الباردة المنبأة بفصل شتوي ابيض .. لا يعي شيء .. سوى ان حياته انهارت .. احلامه انهارت .. تصدع البنيان بورقة .. ليتهشم بورقة اخرى .. لم يفرق بين الورقتين الا لون الحبر .. والكلمة الاخيرة .. قدماه تأخذانه في طريق حفظه في الآونة الاخيرة .. حتى وان كان عقله ليس معه .. فذاك الطريق حفظ تلك الخطوات جيدا .. كما حفظته هي .. صعد السلالم .. وكأن ذاك المصعد تلاشى من امامه .. الدور الاول .. الثاني .. الخامس .. لم يشعر بتعب مفاصله .. فهو لا يعي الا ما كتب في تلك الورقة .. وقف امام ذاك الباب الذي يحتظن ذاك الرقم الثلاثي .. حتى ذاك الرقم يبدو غريبا .. ادخل يده في جيبه .. ولا تزل تلك الورقة في يده الاخرى .. ارتجفت حتى وقعت تلك السلسلة .. بها مفتاح شقته .. ومفتاح منزله البعيد عنه .. ومفاتيح اخرى .. تلك السلسلة تعج بالمفاتيح .. انحنى ليلتقطه .. حركها ليمسك ذاك المفتاح اللعين الذي لا يريد ان يدخل في فتحة القفل .. فُتح الباب .. وكلمات بعثرت افكارة اكثر من بعثرتها السابقة : استاذ احمد .. هل انت بخير .. تلك شقتك.
وتتبع الذراع الملساء الممدودة امام ناظريه .. ابتسم .. واعتذر .. وتوجه لشقته .. ليُغلق باب الشقة الاخرى خلفه .. اخيرا ذاك المفتاح وجد ظالته .. ولج الى الداخل .. نشر نظراته في تلك الصالة الصغيرة .. شد قبضته على تلك الورقة التي تتأوه وتطلب الاعفاء .. نزلت دمعة .. تتلوها اخرى .. ليصرخ : كلاب .
ويهيج في تلك الشقة .. ويعث بها فسادا .. وبين الفينة والاخرى يصرخ بالشتائم .. كثور هائج اتعبته الرماح والطعون .. يكسر تلك المزهرية الخزفية .. ويرمى بتلك الوسادة المطرزة .. تجمهر الناس عند باب شقته الذي نسى ان يغلقه .. ينظرون اليه .. الى ذاك المجنون المتفوه بكلمات لا تعيها عقولهم .. ماذا به ؟ .. يرد الاخر :" يبدو انه جن ".. لتهمس تلك العجوز ذات الشعر الاشعث : " قد يكون ارهابيا .. اتصلوا بالشرطة " .
فجأة تفرقت الجموع .. لتندفع تلك الفتاة الشقراء بينهم .. ناطقة بما سيفرقهم : انا اعرفه .. افسحوا لي الطريق .. لا داعي لتجمهركم .. نفسيته تعبة لا غير ..
دخلت لتغلق الباب من خلفها .. وقفت دون حراك وهي ترى ذاك المجنون الذي حطم كل شيء .. قد ركع على الارض .. يبكي .. اقتربت منه .. واذا بها تتسمر حين عاد ليصرخ : يهود .. الله ياخذهم ..
لم تفهم .. ولكن شعرت بحرقته .. ازدردت ريقها .. لتنتبه فجأة لتلك الورقة .. متجعدة .. والحبر قد اختلط ببعضه .. لتصبح تلك الكلمات كشفرة يجب فكها .. حاولت ان تفهم .. ولكن لا يوجد سوى اسمه " احمد عبيد الـ ... " .. نظرت اليه .. كسيرا يرتجف .. هي تعرفه .. وتعلم انه لا يحب ان تلمسه النساء .. فهو صدها مرارا عندما كانت تمد له يدها لتصافحه .. جارها منذ اربع سنوات .. حفظته .. جلست بجانبه على ركبتيها .. وضعت كفاها على فخذيها لتنحني قليلا .. لعلها ترى وجهه الذي عانقت عيناه ارضية المكان .. همست : ما بك ؟ ..
انتفضت شفتاه .. كعصفور مبلل الريش .. يحاول ان يبعثر القطرات ليتمكن من الطيران .. ارتجفت شفاهه .. لينطق بغصة حارقة جوفه : اليهودي الملعون .. قال بانني مريض بالايدز .. – بدأ يتكلم وكأنه يحدث نفسه – اخبرته انني لم اقم اي علاقة .. سالني ان استخدمت ادوات حلاقة في مكان ما .. لا اذكر .. اخبرته انني لا اذكر .. قال انني احمل فيروس نقص المناعة المكتسبة .. واليوم يقول طبيبا آخر بانني لا احمل اي فيروس – صرخ ضاربا بقبضته الارض – حقير .
,‘,
هل توازى حقارة ذاك الطبيب بحقارة زوجها .. عادت الى منزلها .. كانت تريد المرور على منزل والدها .. صار لها مدة لم تزرهم .. ولكنها لا تريد لاحد ان يرى علامات الانزعاج والخذلان التي ارتسمت على محياها .. لاول مرة يكون ذاك الممر بين البوابة الرئيسية للفيلا .. وبين الباب طويلا جدا .. وتلك الاشجار وكأنها تضحك عليها .. تضحك على ضعفها .. وكلام تلك الطبيبة يتردد في عقلها : لديك عقم مؤقت .. بسبب حبوب منع الحمل التي كنتي تتناولينها .. وقد يطول العلاج ..
وصلت بخطى ثقيلة بالكاد استطاعت ان تصعد تلك الدرجات القليلة .. دخلت .. لتفاجأ بهم هناك .. عمتها .. وعمها .. وسعيد .. يبدو فرحا .. هل وصله الخبر بهذه السرعة .. ليفرح بها .. ويتشمت لمصابها .. القت التحية .. وياليتها لم تلقها .. باركي لسعيد قرر يعرس عشان اييب عيال .. وانتي لازم ترضين بهالشيء .
كان كلام عمها لها .. نظرت له .. لعيونه الشامتة .. لابتسامته الساخرة .. لما يكرهها .. فقط لان امها هندية .. وماذا يعني .. لا يريد ابناء اخوالهم هنود .. وما ذنبها هي .. يطيبون خاطرها ببعض الكلمات .. التي لا تسمعها .. فعقلها يتساءل من اي طينة جُبل هذا السعيد .. ابتسمت .. ونطقت : مبروك .
دون اي ردة فعل .. انسحبت من المكان .. يقولون ان المصائب تأتي تباعا .. وهي تدربت جيدا للقاء تلك المصائب .. لم تعجبه تلك الابتسامة على محياها .. حتى وان كانت ذابلة لا روح فيها .. فهو يشعر بالاهانة جراءها .. مشت للاعلى .. مارة بجانب فاطمة .. تلك الفاطمة التي شهدت الكثير .. وكان الصمت عنوانها .. ترى فرحة امها ووالدها واخاها سعيد .. لا تصدق ان اخاها اضحى متبلد المشاعر بهذا الشكل .. ابعد عبدالله بدم بارد .. وها هو الآن يحطم تلك المسكينة ابنة عمها .. تبعتها لعلها تخفف عنها المصاب الجلل ..
دخلت ورمت بحقيبتها على السرير .. نزعت تلك العباءة ذات اللون الشبيه بلون حياتها .. بل انها ترى ان حياتها اشد سوادا .. وقعت معانقة السجادة .. انحنت الاخرى من خلفها رافعة العباءة من على الارض لتضعها على السرير .. وتقف امام ريم : لا تضايقين .. بعد هو من حقه اييب عيال .. صارلكم ثلاث سنين معرسين .
بدأت تضحك .. كفتاة فقدت عقلها : يريد عيال – ضحكت بشكل اعلى – يريد عيال ..
استغراب طوق فاطمة .. التي اخذت تتبع ريم بنظراتها .. فتحت الدولاب .. نفشت المكان .. ومن ثم قامت مستقيمة وبيدها كيس .. التفت لفاطمة : تقولين يريد عيال – قلبت الكيس رأسا على عقب لتقع علب كثيرة – شوفي .. ما ينسى ايبلي الحلاوة .. عمره ما نسى .. وتقولين يريد عيال – تأشر على العلب المتناثرة – هذولا عياله اللي قتلهم ..- صرخت - طلعي برع ..
صرخت بها عندما حاولت ان تهدأها .. فخرجت الاخرى مستسلمة لحكم الطرد الذي صدر بحقها ..
,‘,
Continue
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#43 أضافة تقييم إلى nahe24 تقرير بمشاركة سيئة
قديم 01-10-12, 04:34 PM
الصورة الرمزية nahe24
nahe24 nahe24 غير متواجد حالياً
نجم روايتي
,‘,
كما زف سعيد قراره لوالديه اللذان رحبا به ايما ترحيب .. هاهو سعود يحث الخطى نحو غرفة والدته بعد ان صلى الفجر .. هو يعلم بأن والدته تقوم قبل الفجر بساعة لتسجد ركعتين لله والناس نيام .. لم يكن ذاك القرار الذي سيلقيه على مسامع والدته وليد اللحظة .. منذ ذاك اليوم الذي التقى به بتلك الفتاة وكلام حمد يرن في اذانه كلما طرق التفكير بابه .. وحالة ابنه محمد تستدعي وجود امرأة تستطيع على الاقل ان تعطيه دواءه .. فاخته الكسول لا يعتمد عليه في شيء .. طرق الباب بخفة واولج رأسه والابتسامة اترسمت على وجهه .. كانت هناك رافعة كفيها تدعو الخالق الذي لا ينام .. انتبهت له فختمت دعاءها .. ومسحت وجهها بكفيها مرددة الشهادة .. دنى منها مقبلا رأسها ومن ثم كفيها .. وجلس امامها بعد ان ازاح سجادة الصلاة المخضبة باللون الطحلبي .. لم تستغرب دخوله .. فهذه عادته بعد ان يصلي الفجر بالولوج الى غرفتها يطمأن عليها ويقبل رأسها ويلثم كفاها المجعدان .. ولكن استغربت جلسته تلك امامها .. اتسعت ابتسامته وهو يقول : ولدج بو محمد قرر يعرس .
لم تسعها الفرحة وهي تسمع تلك الجملة منه .. وتبادرت الاسئلة على لسانها تباعا .. هل هناك فتاة بعينها ؟ ام هي من ستختار له ؟ .. هل هناك مواصفات يريدها .. ام سيرضى باختيار امه ؟ .. تسأل ولا تدع له مجالا ليجيب .. حتى انفجر ضاحكا : شوي شوي يالغالية – امسك كفاها – انتي اختاريلي .. بس اريدها كبيرة مب بنت عشرين .. اذا فوق الثلاثين خير وبركة .. ما اريد اخذ بنت اصغر مني بوايد – يمسك خصلة من شعره – ترا ولدج الشيب ترس راسه .
ضربته على كفه .. ضربة ام حنون تتمنى السعادة لرجل الوحيد في حياتها من بعد والده : ان شاء الله بلقالك البنت اللي تستاهلك .. وانت مب شيبه والا تريد تسوي مني عيوز .
عاد ليقهقه بفرح واضح ويقبل راسها واقفا : انتي شيخة البنات .. سمحيلي بروح اشوف محمد وبعدها بتجهز لدوام .
رفعت كفيها تدعو بصوتها العالي ليوفق فلذة كبدها .. هز رأسه مبتسما .. وغادر المكان الى حيث ذاك الطفل الكبير .. في ذاك المهد الواسع .. نظر اليه .. واذا به يسحب مناديلا ورقية .. فلعابه يسير من جانب فمه .. مسحه برفق .. ثم اخذ يتأمله .. وتتساور في ذهنه اسئلة كثيرة .. هل يعي بانه اصبح راشدا ؟ .. بماذا يفكر .. وبماذا يحلم وهو نائم .. هل يحبني كما احبه .. أيشتاق لوالدته .. تلك المرأة الانانية التي باعته وهو لا يزال في السنة الاولى من عمره .. واذا مت من سيكون له ؟
سؤال اسكت جميع الاسئلة في ذهنه .. من له بعد وفاته .. ليس له اخوة .. وعماته الخمس لن يعتنين به .. وجدته بالكاد تقوى على نفسها .. مسح على شعره الناعم .. وقبل جبينه .. سينتظره ساعة اخرى حتى يستيقظ .. وسيحممه ويعطيه افطاره .. ويطمأن عليه في كرسيه المدولب .. وبعدها سيوصي امه ان تذكر اخته بموعد الدواء .. روتينه اليومي .. حتى تلك الخادمة حفظته .. فتعد الافطار مبكرا لمحمد قبل ان تعد الافطار للاخرين ..
,‘,
كروتين فيصل الذي اضحى واضحا لافراد عائلته .. يخرج في الصباح الباكر ولا يعود الا عند العاشرة ليلا .. اما اليوم فهو كسر ذاك الروتين .. عاد عند الثانية ظهرا .. وحث الخطى يطوي تلك الدرجات .. وانظار اخواته الثلاث تفترسه .. لتهمس رشا : شو صاير ؟
لتحرك رنيم شفتاها بسخرية و " البلاك بيري في يدها " : يمكن يايب اخبار تفرح لامي .. ترا هو هالايام ما وراه الا الاخبار الزينة .
لوحة جواهر برأسها .. واستغفرت ربها .. فتعليقات رنيم اصبحت لا تطاق .. وتذمرها من كل شيء كابوس يجتاح ذاك القصر .. لتغير الموضوع قالت : رشا بتروحين ويانا بييتنا اليديد ؟
- اي بيت يديد دخيلج .. بيت حالته حاله .. مهجور .. لو ايلسون يعدلون فيه سنين ما تعدل .
- انا ما سألتج رنيموه .. سألت رشا
زفرت غيضها .. وقامت وهي تنفث براكين الغضب .. ابتسمت رشا : بروح وييا سيف .. والا نسيتي اني معرسه وعندي ريال ( زوج ) .
هزها من كتفها يججبرها على الاستيقاظ : جود قومي ..
مسحت عيونها بعنف وهي تجلس بكسل : شو فيك ؟ تراني من امس مب راقدة
وقف ودون ان يرد على سؤالها : قومي تجهزي ونزلي تحت .. اريدج فموضوع .. اترياج فالمكتب .
رمشت بعيونها وهي ترى خياله الضبابي يغادر الغرفة ..عادت لتعرك عيناها تجبرهما على الاستيقاظ .. انزلت ساقيها .. باحثة بقدميها عن حذائها الريشي الخفيف .. دست القدم اليمنى بخمول .. تبعتها اليسرى .. مشت تسحبهما على الارض بصعوبه .. لن يعيد لها وعيها بالكامل الا الماء .. وبدون ان تخلع ملابسها حشرت نفسها تحت شلال الماء المندفع .. لتشهق من برودته .. ولتضحك بعدها .. وبعدها خلعت ملابسها الباكية بغزارة .. لتستبدلهن بتنورة واسعة قصيرة وبلوزة ناعمة .. خرجت من غرفتها لتستقبلها رنيم بالتعليقات : الحين دور فيصل .. قبل كان ابوي الله يرحمه .. والحين بديتي تلعبين ع اخوي .
نظرت الى تلك المتخصرة .. وابتسمت .. فلا شيء يكسر رنيم سوى تلك الابتسامة من جود .. مشت غير آبه بذاك التعليق وذاك الاتهام .. تلك الغيرة كانت ايضا واضحة على ملامح رشا وجواهر حين مرت متوجهة الى مكتب والدها الذي سبقها فيصل اليه .. لماذا هي ؟ .. كثيرا ما يمر هذا السؤال على عقولهن الانانية .. تنفست وهي تقف عند الباب .. فهي لا تمتلك ادنى فكرة عما يريده فيصل منها .. طرقت الباب ودخلت .. ليترآءى لها فيصل منهمكا في بعض الاوراق .. ناداها دون ان يرفع نظره .. تقدمت وبدت القشعريرة تغزو خلاياها .. رفع نظره ليصرخ : مينونه انتي – سحب جهاز التحكم بالتكييف واعدم تلك النسمات الباردة – ليش مب منشفه شعرج .
قام واقفا ليقف امامها .. ويحتظن وجهها الصغير بكفيه .. فعلا استغربته منه .. شعور بحنان افتقدته اسال دموعها لتتسلل بين اطرافه .. واذا بها تدفن وجهها بجسده .. وتشتم رائحة ملابسه .. وعطر " ون مليون " .. يمتزج بانفاسها .. العطر الذي لا يتخلى عنه فيصل : شو صارلج ؟
حرك يده على شعرها المبتل : خيستيني ماي ..
ضحكت لكلامه وابتعدت تمسح دموعها : sorry .
سحبها من جديد محتظنا لها : لا تتأسفين – ابعدها وهو يمسك يدها ويجرها معه – تعالي .
اخرج ورقة ووضعها امامها على الطاولة .. تأملتها .. وما لبثت حتى عقدت حاجبيها .. نظرت له وهزت رأسها : ما اقدر .
,‘,
ما اقدر .. جملة نطقها لتسمعها تلك الواقفة تنتظره .. صرخ بتلك الجملة بعد ترجي من ايمان ليخرج .. فخولة هناك تنتظره في تلك الصالة الصغيرة .. تتمنى ان تراه .. ان ترتمي في حظنه .. كما ارتمت في حظن ايمان منذ ساعتين .. وهاهو يعود ويسجن نفسه في غرفته .. لا يريد رأيتها ولا يريد رأيت ذاك الرجل القابع في سيارته ينتظر خروجها منذ اكثر من عشر دقائق ..طأطأت ايمان رأسها عند باب غرفته الذي تعبت وهي تطرقه .. طرقت من جديد : عيسى .. هذي خوله
ليصرخ مزمجرا : خولة ماتت ..
لتضع الاخرى كفها على فيها .. وتسدل الغطاء الاسود على وجهها وتجري خارجة .. فتحت الباب وركبت .. تهَكم قائلا : كان تاخرتي اكثر . .. اشتغل عندج انا .
وقاد سيارته .. اما هي كتمت انفاسها المتألمة تحت ذاك السواد .. لم تنبس ببنت شفة .. تمنت ان يقصر ذاك الطريق .. لاول مرة تشتاق لغرفتها او لغرفته الكئيبة .. الصمت سيطر على الاجواء .. تلك الاجواء الغاضبة من جهة جاسم والمتألمة من جهة خولة .. اوقف سيارته لتنزل مسرعة .. يناديها ولكن لا تجيب .. جرت مسرعة للاعلى .. وقفت هناك في منتصف الغرفة تتذكر سياط عيسى .. تتمنى ان تخر صريعة .. وتتحقق جملة عيسى بفناءها .. حرارة تجتاحها .. تمنت ان تجد عيسى الذي كان .. تمنت انه نسى .. كانت سعيدة عندما وافق جاسم ان يأخذها لزيارة اخويها .. او بالاحرى هي لم تطلب .. هو من قال لها ان تستعد لذهاب .. فلديه مشوار يقوم به .. وسيتركها هناك حتى ينتهي .. وياليتها لم توافق .. ياليت شوقها لم يجب بتلك الفرحة لطلب جاسم .. وقفت كصنم خاليا من الروح ..و لم تكترث لزوجها الذي احرقه عدم اكتراثها لندائه .. دخل وشياطين الغضب ارتسمت على سواد نظارته .. ليمسكها من ذراعها مديرا لها لتواجهه .. ليتسمر .. وتتلاشى الكلمات على شفتيه .. هالته دموعها .. وعيونها الحمراء .. اعتق ذراعها .. لترتخي بجانبها .. ودون شعور منها ارخت رأسها على صدره .. لتعود له ذكرى مرت .. انكسار قاسم .. لتنطق بنبرة مرتجفه : خولة ماتت ..
,‘,
اتمنى البارت يعجبكم ..