الفصل 14
الرابع عشر
,‘،
تهافتت الانظار الى مصدر الصوت .. والنداء المتكرر .. مشهد غير متوقع في ذاك المكان .. وامرأة بعباءتها تحمل طفلة وتجر الاخرى تجري مسرعة .. لا بد للعيون ان تنظر .. وللشفاه ان تتهامس .. وللعقول ان تفكر .. مالذي يجري؟ .. حتى تلك العيون كانت تتساءل بنظرات استجواب لعيون سعود .. الذي للآن غير مستوعب ان هناك فتاة تحتظنه .. نظر لحمد بنظرات وكانها تجيب عن الاسئلة والشك الذي انتاب صاحبه .. ليست ابنته .. ولكن كم هي جميلة تلك الكلمة .. وكم هو دافيء ذاك الحظن .. لطالما تمنى الاحتظان من ابنه محمد .. ولطالما تمنى تلك الكلمة .. احساس غريب انتابه .. ها هي متمسكة به .. تكرر : ابويه لا تروح عني وتخليني ..
وهل هناك اب يستطيع التخلي عن ابنه ؟ .. كان سؤال يتردد في عقله مع كلامها .. وبكاءها .. وصلت هاجر .. تعتذر له وهي تنزل حصة .. لكن هو لا يستمع لها .. هناك عالم آخر يعيش فيه في هذه اللحظة .. اقتربت بحياء .. تمسك علياء من ذراعها الايسر وتسحبها بهدوء : علايا .. هديه ( اتركيه ) .. هذا مب ابوج ..
لكن علياء لا تعي الا كلام عقلها .. وحاجتها .. وتوقها لحظن والدها .. كان الحياء قد بلغ مبلغه من هاجر .. فهذا رجل غريب امامها .. وهي قريبة منه .. وتقترب اكثر لتهمس في اذن علياء ان تدعه .. موقف لا تحسد عليه .. وعلياء لا تأبه سوى بذاك الرجل شبيه والدها .. تنهدت وهي تحاول ان تسيطر على نفسها : علايا حبيبتي ..
تهاديها لعلها تتركه .. وفجأة تكلم وهو يضع يده على رأس علياء بحنان زائد : خليها
نظرت اليه .. وسرعان ما غضت البصر .. ابتعدت خطوة .. او لعلها خطوتان .. ماذا يقصد ؟.. همس حمد وهو يقترب من سعود قليلا : بنتك ؟ .. فهو لم يعي ما قالته هاجر آنفا .. فالمفاجأة اكبر من أن يستوعب ما يحدث مع صاحبه.
ابتسم ولم يجب .. احتظن وجهها المندس في حظنه بكفيه .. اراد ان يرفع وجهها لناحية وجهه .. لعينيه .. لعلها تستوعب ان الجسد الذي بين يديها ليس بجسد والدها .. ولكن لا فائدة .. عاد ليضع يده على رأسها ويحرك شعرها بخفة : ما تبين تشوفين ويه ابوج .
بحلق حمد .. كما فعلت ذلك هاجر .. تلفتت فهي تشعر بان الجميع ينظر اليهم .. جميع الاعين مسلطة على تلك البقعة التي هم فيها .. امسكت خلود يد هاجر .. تطلب منها العودة للمنزل .. ولكن كيف تعود .. وماذا عن تلك المستميتة في حظن جسد رجل غريب ..
ارتخت ذراعيها .. انزلتهما على مضض .. ليجلس الاخر القرفصاء امامها .. رافعا النظر لتلك العيون الباكية .. شعر بابوته .. ويشعر انه مسؤول عنها في هذه اللحظة .. لا يهم ان كانت غريبة .. المهم انها رأت فيه والدها .. تفحصته .. تلك ليست بعيون والدها .. وحتى الانف .. انف والدها ارنبته مدببة بعض الشيء .. وهذا لا .. عيون والدها مسحوبة للخلف قليلا . وهذا لا .. ابتعدت خطوة للوراء : مب ابويه .
ابتسم لها .. اما هي لم تجد بُدا من الاختباء في حظن هاجر .. تختبأ خجلا .. او لعلها خيبة امل .. عادت لتكرر كلمات الاعتذار على مسامعه .. وما لبثت حتى ابتعدت تحتظن واحدة وممسكة بيد الاخرى .. وخلود تمشي بمعيتهن ..
رمت بحقيبتها غاضبة تحت انظار ميثة ووالدتها .. اما علياء فجرت مسرعة للاعلى : شو صاير ؟ شو فيها عليا؟
-تسألين شو فيها – تنزع عباءتها بعد ان رمت شيلتها – بنتج حطتني فموقف محد يحسدني عليه ..
- شو صاير يا بنتي .. وشبلاج معصبة .
قامت ميثة : بروح اشوف علايا ..
جلست بحنق : روحي شوفيها .. اللي تعلقتلي فريال غريب .. وخلتني فرجة للرايح والراد .
فتحت شعرها .. واخذت تنفشه : استغفر الله العظيم .
- الحين بدال هالعصبية كلها .. قومي تعذري من عمتج .
- امايه ... مالي خلق الحين .. زين اني تمالكت نفسي فالسيارة ولا عصبت على عليا ..
- انزين شو صار وياكن ؟
تنهدت .. وكأنها تريد اخراج ذاك الموقف من عقلها .. واذا بها تحكي لوالدتها ما حدث .. اما هناك فكانت علياء مستلقية على بطنها ووجهها يغوص في الوسادة .. جلست ميثة بجانبها .. مسحت على ظهرها : علايا حبيبتي شو صار ؟
بصوت مكتوم اجابت : حسبته ابويه .. شراته .. ما انتبهت .. والله .
ابتسمت وهي تبعد بعض الخصلات من جانب اذن ابنتها : ما عليه حبيبتي .. ما صار شيء .. وفي واايد ناس تتشابه .. انتي ما غلطتي – اقتربت منها – علايا .. ابوج الله يرحمه .. راح للي خلقه .. اعرف انج تشتاقيله .. بس هذي حكمة ربج ..
هل تعي هذا الامر في هذا السن .. هل تدرك انها لن ترى والدها ثانية .. بالطبع تدرك .. ولكن شوقها له .. وحبها الكبير لشخص كان قريب منها اكثر من قرب والدتها .. جعلها لا تصدق انه رحل .. تتمنى وجوده .. تشتاق لكلماته .. وليديه الحانيتين .. فهل سيدركون مدى معاناتها يوما ؟ .. وهل سيدرك حمد معاناة صاحبه .. الذي اخذ يضحك دون توقف حين قال له حمد : سامحني .. ظنيت فيك .
ضحك حتى فر الدمع من عينيه : الله يغربل بليسك يا حمد – يمسح عينيه – الحين تظن اني معرس وعندي بنت هههه
- خلاص عااد .. بسك ضحك .. اخاف اطيح من كثر ما تضحك .
استند بظهره على جانب سيارة حمد واخذ يرقب اللا مكان : تصدق يا حمد .. حسيت باحساس غير وهي تلوي علي ( تحظني ) .. ما اعرف كيف اشرحلك .. بس حبيت اللي صار .. ولا اكذب عليك اني تمنيتها تبقى اكثر .
ربت على كتف صاحبه : عرس يا سعود .. وانت بتحس بهالاحساس .
,‘،
احساس غريب اضحى يتملكها .. فهو مختلف .. ليس كما كان .. هاديء وغريب الاطوار .. واضحى كثير الكلام في هاتفه .. من يهاتف ؟ .. ولماذا يتغير كلامه كلما جاءت او انتبهت له ؟ كانت تلك الاسئلة تدور في ذهن ريم .. التي تجلس امام المرآة .. والمشط الدائري الرأس تعرق في قبضة يدها .. ها هو يدخل ويرمي " غترته " كالعادة على السرير دون اي مباللاة .. وبعدها يأخذ حماما قد يمتد لربع ساعة او اكثر .. ويخرج وهو ينشف شعره .. سيأخذ هاتفه وسيخرج .. افعال حفظتها في الاونة الاخيرة .. وهذا ما حدث .. وهي لا تزال ساكنة في مكانها .. تشعر بالخوف من تغيره .. من البرود الذي اجتاحه .. حتى انه لم يزجرها ذاك اليوم حين قالت : عبد الله ماله ذنب باللي صار .
يومها لم يهتم .. كانت تتوقع ان يضربها .. يهينها .. لكن لم يحدث منه شيء سوى ابتسامة .. عجزت عن تفسيرها .. تحسست بطنها بكفها وذهنها يحدثها : تركت الحبوب من اكثر من شهر .. بس ليش للحين ما حملت .. لو يدري شو بيصير ..
قامت بعد ان اعتقت ذاك المشط المسكين .. اخذت هاتفها واذا بها تطلب صديقتها سناء .. يرن كثيرا .. لكن لا من مجيب .. رمته بملل على السرير .. وخرجت للصالة .. اذا بها تسمعه : لا والله .. كله كذب .. انا ما اسوي هالشيء .. هي تحب اطلع عمرها مسكينة ومظلومه .. هيه صح انا فقدت اعصابي ذاك اليوم .. بس الصراحة ما انلام .. لو غيري كان ذبحها مب الا صرخ عليها ..
نفضت رأسها .. وخرجت من الجناح باكمله .. فلا يحق لها ان تتجسس عليه .. هو زوجها .. ولا يحق لها ان تظن فيه ظن السوء .. توجهت نحو المطبخ .. تريد ان تبل ريقها الذي احاله التفكير الى جفاف مميت .. انتبهت لبدر الذي ينزل السلالم بهواده .. ولكنها تابعت طريقها للمطبخ .. كان يقدم رجلا ويؤخر الاخرى .. هذه المرة الالف التي يبلع فيها ريقه ..حدث نفسه : بيزعل علينا .. يوم .. يومين .. بس بالاخر بيسامحنا ..
تنهد بعنف وكأن بجبل يكتم على انفاسه .. هاهو يقف يواجه باب المجلس .. والده بالداخل يتابع الاخبار .. مؤكد انه منفعل الآن بسبب تلك الاخبار التي تبث .. ولعله يكون هاديء .. زفر انفاسه المنهكة .. وقبل ان تعانق يده مقبض الباب .. اذا بيد اخرى تعانق ذراعه : الله يخليك لا تقوله .. ما بتحمل وانا اشوف نظرة ابوي لي .. ما بتحمل يا بدر .. الله يخليك .. انا تبت .. والله العظيم تبت .. ومن قبل ما تروح عمتي عنا ..
,‘،
تتتابع التوسلات على مسامع بدر .. كما تتتابع التوسلات على مسامع روضة : الله يخليج .. لا تخبرينهم .. مالي عين اقولهم .. ولا لي عين اواجههم .. الله يخليج رواضي ..
قامت واقفة : وانتي ليش يايبة هالنسبة اللي تفشل .. وامي اكيد بتدري ..
عندما انتبهت لسارة ولبكاءها .. استغفرت ربها ..جلست بجانبها على السرير : روحي لامي وخبريها .. بتزعل شوي وبعدين بترضا .. ولا تيلسين فهالخوف اللي انتي فيه .
مسحت دموعها .. وسحبت كمية من الهواء لعلها تعينها على ما ستقدم عليه .. ربتت روضة على ظهرها : ياللا وبروح وياج .
قطعتان من القماش الحريري .. طويتا ووضعتا على السرير .. وهناك بجوارهما .. علبتان من البخور الفاخر .. وعلبتان من العطر .. جميعها متشابهة .. ما عدا لون القماش اختلف .. وشيخة تعبث في دولابها باحثة عن شيء ما .. اذا بالطرقات الخفيفة على الباب .. ومن ثم دخول سارة المتوترة تصحبها روضة .. انتبهتا لما وجد على السرير .. ازدرت رقيها وهي تسمع والدتها التي تعبت من البحث : خير شو يايبنكن لحجرتي .
روضة : شو كنتي ادورين ؟
وهي تجلس بتعب على جانب السرير : ادور كيس زين .. وواسع احط فيه هالاغراض .
سارة : امايه .. طلعت النتيجة .
بفرح ولهفة قالت : بشري .. عسى النسبة زينة .
نظرت لروضة .. التي بدورها نظرة للارض .. ليبان الكتاب من عنوانه .. قالت بحدة : كم ؟
تلعثمت ... حتى انفاسها تضاربت : 69 %
صدمة اقعدتها على الارض: تسعه وستين يالظالمة .. وانا كل ما اسالج عن امتحاناتج تقوليلي زينه .. – اخذت تضرب فخذيها بكفيها – بحصلها منه والا منج .. يا ويل قلبي ع عيالي اللي خيبوا ظني فيهم .. يا ويل قلبي
اقتربت منها روضة : خلاص يا اميه .. لا تسوين بعمرج جذي ..
دموعها تسقط كشلالات لا تريد التوقف : اميه الله يخليج لا تسوين بعمرج جذي .. بعيدها .. بعيدها وبييب النسبة اللي تتمنينها .. بس دخيلج لا تسوين بعمرج جذي ..
بكاء ونحيب .. وكأن ذاك الرقم فجر احزان طويت بين ثنايا صدرها المجروح .. واصوات بُحت .. ونبرات خنقتها احداث ولم تستطع الصراخ .. كل ذلك جعله يحث الخطى مع اخته العنود . ليجلس بجانب والدته بخوف : شو صاير ؟
- آآآآه يا ناصر .. امك ما قادرة تتحمل
احتظنها من جانبها : سلامتج من الآه يا الغالية ..
اومأ لروضة بان تخرج مع اختيها .. وما ان خرجن : شو فيج يا اميه ؟
- مب قادرة اتحمل غيابه يا ولدي .. مب قادرة .. ولا قادرة ع الجفا اللي بيني وبين خالتك .. شوف – تشير على السرير – ايدي تعودت تاخذ من كل شيء اثنين يا ناصر .. خالتك امي واختي ودنيتي .. واخوك راح ولا همه اللي سواه .. ولا حتى قال عندي ام بطمن عليها .. راح ونسانا – تضرب بيدها على صدرها – نسى امه اللي رضعته .. وربته .
امسك يدها ولثمها بقوة : لا تقولين هالكلام يا اميه .. واحمد انتي مربيتنه .. شاكه فتربيتج يالغالية ..
ابتسمت ساخرة : تربيتي قطعت صلتي باختي .. تربيتي يتني تزفلي خبر نتيجتها اللي تفشل ..
- وانا مب تربيتج ياميه ؟
مسحت جانب وجهه بيدها : بس البكر غير يا وليدي .. متولهه عليه .. اريد اشوفه قبل ما اموت .
- بعيد الشر عنج .. بيرجع يالغاليه .. بيرجع .. حتى ولو طال غيابه بيرجع .
,‘،
Continue
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#40 أضافة تقييم إلى nahe24 تقرير بمشاركة سيئة
قديم 30-09-12, 03:43 PM
الصورة الرمزية nahe24
nahe24 nahe24 غير متواجد حالياً
نجم روايتي
,‘،
احيانا اتمنى ان اكون في مكان آخر .. وحياة اخرى ..
واتمنى ان يكون اسمي مختلفا .. وشكلي مختلفا ..
احيانا .. اتمنى ان احِب .. وان اُحب ..
واعيش قصة حب عجيبة .. مختلفة .. عذرية ..
نظرت لما كتبته .. وبعدها اغلقت دفترها .. حملته حيث مخبأه تحت ملابسها .. فلا تريد لاحد ان يتطفل على مشاعرها .. ابتسمت وهي تخفي اثاره بين القطن والحرير ... وقفت امام المرآة تنظر الى وجهها .. سحبت اصبع احمر الشفاه . ولكنها فضلت ان لا تضع منه على شفتيها .. اعادته وهي تزم شفتيها وتضغطهما حتى يتدفق بهما الدم ليغير لونهما .. رسمت عيناها بقلم الكحل الاسود .. وخللته بالازرق .. تمتمت : اذا هو بيتقرب مني فالليل .. انا بتقرب منه فالنهار .
ابتسمت وهي تخطو لتنفيذ ما كانت تفكر به منذ ايام خلت .. لا بد من التحرك .. فالانكسار لن يبني لها حياة كريمة ..غطت شعرها خوفا من احد الخدم .. مع انها لم ترهم الا في المطبخ .. ولكن لا بد من الحذر .. نادت على روز لتسألها عن جاسم .. وبعدها طلبت منها ان تحضر كوب عصير طازج .. جلست في الصالة .. ونظرها على صورة قاسم .. هل عيناه تشبهان عيني اخيه ؟ .. ابتسمت على سؤالها هذا .. سرعان ما اقبلت روز وبين يديها صينية صغيرة مذهبة الاطراف .. وفوقها يقبع كأس العصير الانيق .. وبجانبه منديل طرزت اطرافه بدقة متناهية .. قامت واخذت الصينية منها .. واذا بها تجري خلفها لتسبقها وتقف امامها : مدام .. لا يروح الغرفة .. استاذ جاسم ..
قاطعتها : جاسم زوجي ..
بلعت ريقها .. فخولة تغيرت .. حتى كلامها تغير .. مشت في ذاك الممر الضيق بعض الشيء .. والذي ينتهي بطاولة صغيرة بجانب تلك الغرفة المنشودة .. وضعت الصينية .. وارخت غطاء رأسها على اكتافها .. تنفست بعمق .. فهي ستخوض حرب جديدة .. حرب لا تعلم بما ستنتهي .. قد توصلها لاعتاب منزل اخيها مطلقة .. وقد تضعها في مكانة مختلفة عند جاسم .. طرقت الباب بخفة .. فتحت الباب وبعدها حملت الصينية لتدخل ..
كان هناك .. بقميصه الابيض الخفيف .. و " البرمودا " الرصاصية .. ما ان سمع طرق الباب حتى سحب نظارته .. ارتداها وقد اجتاحه غضب واستعد ليفجره في وجه القادم ..مسك الفرشاة بعنف .. والتفت لناحية الباب بغيض .. تلاشى غضبه .. فجأة دون سابق انذار تلاشى .. وهو يراها تدخل مبتسمة ..وضعت الصينية على الطاولة الدائرية في منتصف الغرفة .. او قريبا من المنتصف .. حملت كأس العصير .. ولا يزال يرقب حركاتها حتى اصبحت امامه .. ويدها تمد له الكأس : تفضل .
وضع الفرشاة من يده .. وسحب ذاك المنديل الكبير ليمسح بقايا الطلاء عن اصابعه .. وهو يحرك المنديل بين يديه ابتسم : ما خبروج اني ما احب حد يقاطعني .
اخذ الكأس من يدها ومشى حتى رمى بنفسه على ذاك الكرسي الوثير البني اللون .. تلفتت في المكان وكأنها لا تريد ان تنظر اليه : قالولي .. بس حبيت اكون هني .. واذكرك ..
وقبل ان تكمل : مبرووك .. اختج نجحت ويابت نسبة حلوة .. 94 % اي جامعة بتقبلها .. وانا ما نسيت عشان تذكريني .. قلتلج .. تختار الجامعة اللي تريدها وانا بتكفل فالباقي .. وخبرتج بعد – رشف من العصير – ان جاسم عند وعده وكلامه .
شبكت اصابع يديها خلفها : انزين لازم اروح اييب اوراقها ..
قام واقفا وتقدم نحو لوحته الناقصة .. وهي تتبعه بنظراتها : لا .. مب لازم .. والا انتي ما عندج كرامة .. تبين ترجعين لبيت انطردتي منه – التفت لها – كرامة زوجتي من كرامتي .. واذا ع الاوراق .. اتصلي باختج تجهزهن .. وانا بطرش حد ياخذهن منها .
لم تنطق .. تشعر ان الحديث مع جاسم عقيم .. لا طائل منه .. دائما ينهي الحديث .. دائما يصدمها بقوة .. يصغر نفسها امام عينيها .. يلقي بكلمات قوية على مسامعها لم تسمعهن يوما .. يتكلم عن الكرامة .. وماذا عن شوقها لاخويها .. الا يجب ان تترك الكرامة لاجلهما .. لقد تركتها قبلا لاجلهما .. ما باله الان يلقي عليها بهذه الكلمة .. تنفست وهي تشعر بان انفاسها اصبحت تقتلها .. استدارت لتخرج .. فاذا به يستوقفها .. وقفت دون ان تلتفت .. ودون ان تنطق .. وقفت وهي تشعر به يقترب منها .. اجتاحتها رجفة هزت عظامها .. ها هو يقف بجانبها .. وانفاسه تسمعها .. دقات قلبها تتعالى .. هي لا تحب نبرته تلك .. همس في اذنها : تحبيني ؟
سؤال غريب .. وابتسامة اغرب بانت معها نواجذه .. الصمت كان شيء متوقعا .. حدث نفسه بمكر ودهاء : قوليها .. وانا بنفيج من البيت .. وبدوس كرامتج اللي كنتي تبين تدوسينها .. قوليها ..
لا .. كلمة غيرت كل توقعاته .. وقلبت موازين تفكيره في تلك الانسانة الضعيفة .. التي تخاف منه .. ترتعب من انفاسه .. ترتجف بين احضانه .. اراد المزيد منها .. اراد منها ان تتكلم اكثر . شعر بقوة فيها .. حتى وان كانت ضئيلة جدا .. فخوفها طاغي على تلك القوة .. استطردت بصوت مرتجف : ما بكذب عليك .. وبقولك اني احبك .. وبعد ما بكذب عليك وبقولك اكرهك ..
انتظرت لبرهة .. لعله يكافأة بضربة ما .. او بأهانة ما .. توقعت كل شيء لصراحتها .. ولكنها لم تتوقع ان يقول : مشكورة .
التفتت له وهو يعود للوحته .. غير مبالي بكلامها .. يحمل الفرشاة .. ولوح الالوان .. يُجرم في تلك الانابيب مسيلا ما بها بعنف على ذاك اللوح .. ليخلط تلك البقع .. ويمزجها بهداوة غريبة .. وابتسامة تعلو محياه .. ابتسامة جعلت خولة ترسم ابتسامة ايضا .. لا تعلم لما ارتسمت تلك الابتسامة لابتسامته .. ولكنها تدرك ان جاسم ليس كما توقعت .. تركت الغرفة .. ولاول مرة هي من تنهي الحديث .. لاول مرة تشعر بانها تستطيع ان تخلق المستحيل معه .. ولاول مرة .. تشعر باحساس جديد نحوه .
,‘،
احساس اخر سيولد في مكان اخر .. بعيدا عنهم .. في منطقة أخرى .. وامارة اخرى .. في دبي .. بعيدا عن العاصمة ابوظبي .. هناك في ذلك القصر الكبير .. ستولد احاسيس ومشاعر جديدة .. دخل بعد عناء يوما طويل . الساعة تقارب العاشرة ليلا .. ووجهه المقفهر دليلا على اخبار ليست بسارة .. دخل واذا به يتفاجأ بجلوسها هناك بجانب اختيه.. تقدم ملقيا السلام .. وبعدها سأل عن احوال ابنة خالته .. وعن احوال اهلها .. قامت رنيم مقتربة منه لتهمس : تريد تيلس عندنا .
قطب جبينه : ميعاد .. ما في داعي تيلسين عندنا .. امي بخير .. وخواتي مب مقصرات وياها .. والحمد لله رضينا باللي انكتب علينا ..
وقفت وهي تعدل بلوزتها القطنية على اردافها : بس امي تقول لازم اهتم بخالتي ..
لم يهتم وقال : باكر بيوصلج السواق لبيتكم .. وبعدين انا اريد اخذ راحتي فالبيت .. ولا اريد حد معنا
بلعت غصتها .. وادركت انها مهما فعلت لن يلتفت لها .. رأت نظرات الانتصار في عيون رنيم .. ونظرات الاشفاق في عيون جواهر .. قال وهو يصعد السلالم : رنيم .. قولي لرشا تترياني فغرفة امي .. وسبقني انتن هناك .. في كلام اريد اقوله لكن ..
بعفوية قالت : وانا ..
توقف ونظر لها : اجتماع عائلي ..
وغادر المكان .. بقيت وحدها هناك .. ما كان منها الا ان تتصل بوالدتها لتبعث لها السائق .. فلا تستطيع ان تبقى اكثر وسط بحيرة الاستحقار التي وضعت نفسها فيها .. وهناك في عقلها تتوعد بانها في يوم ما ستكون هنا .. رغما عن فيصل وعن اخته رنيم .. وحتى رغما عن الكل ...
نائمة او انها تدعي النوم .. سمعت الطرقات على الباب .. فتوجهت بجسمها ووجهها للجهة المقابلة .. تقدم وجلس على السرير .. ابتسم ومن ثم مسح على رأسها .. يشعر بغضبها .. يشعر بالندم لما فعله .. ولكنه لم يكن بحالة جيدة .. حتى اليوم هو ليس بحالة جيدة .. ولكنه بدأ يفكر بطريقة صحيحة .. ولا ينكر بان كل ذاك كانت هي وراءه .. بالامس .. هجم على غرفتها وهو في قمة غضبه .. لم يكفيه ما حدث في ذلك اليوم .. فهو يعتقد بانها هي مخبأ اسرار والده .. هجم عليها نازعا تلك السماعات عن اذنيها بعنف .. لتقف مرعوبة مسقطة ذاك الكرسي خلفها : ماذا بك ؟
امسكها بقوة من ذراعها الضعيف .. يهزها كورقة ارجفها الهواء .. فحجمها لا ياتي شيء امام حجم فيصل : شو اللي تعرفينه .. وشو يعني انج مفتاح لخزنة ابوي ..
رغم عنفه .. ونبرة صوته الحادة .. لم تكن خائفة .. عيناها كانت صامدة : هل تريد ان تعرف ؟
رص على اسنانه وشد قبضته اكثر : تكلمي بالعربي ..
كانت تريد ان تفقده اعصابه : انت تفهم علي ..
كانت باردة .. وكان هو حارا كبركان يريد ان يدمر ما امامه : قولي شو اللي تعرفينه ..
ترك ذراعها اخيرا .. لتضع كفها اليمين على مكان قبضته : اولا .. عليك ان تدرك .. ان الغضب لا طائل منه .. ثانيا .. يجب ان تعلم ان سر النجاح هو معرفة من يقف امامك .. لا من خلال كلامه فقط .. بل من خلال حركاته .. ثالثا .. اذا كنت تريد ان تكون ناجحا .. فلا تنظر للوراء ..
ابتسمت له .. وهي تكتب على ورقة صفراء ارقاما كثيرة .. مالبثت حتى نزعتها .. مدتها له : جود سالم .. مفتاح الخزنة .
امسك الورقة التي كتبت فيها الارقام " 6754388 " .. نظر اليها وكأنه يسألها كيف ؟ .. رفعت الكرسي عن الارض وجلست عليه : هذه الارقام هي مكان احرف جود سالم على الموبايل .. لو انك تفكر بعقلك اكثر لكنت فهمت .. والآن اخرج من غرفتي ..
وضعت السماعات من جديد على اذنيها .. وبلعت ريقها بعيدا عن انظاره .. وسالت دموعها لألم روحها قبل ألم ذراعها .. ها هي الآن نائمة امامه .. يعلم بانها اعطته ثلاث دروس ثمينة جدا .. لا تغضب .. لا تحكم من الكلام .. ولا ترجع للوراء .. دروس ثمينة .. من اخت اثبتت بانها مختلفة حقا .. مسح على رأسها من جديد : جود .. ادري انج مب راقدة .. سامحيني – قبل رأسها – قومي عندي كلام لازم تسمعينه .. قلت لخواتج يروحن لغرفة امي ..
دون ان تتحرك : افلسنا .. وتم الحجز ع عدد من املاكنا .. من بينهن القصر ..
باستنكار : شو عرفج ؟
لا تريد النظر اليه .. لا تريد ان يرى دموعها .. فلم تغير من وضعيتها : اتصلت اليوم بجلال .. قالي ان عندكم اجتماع .. وان في خساير كبيرة .. والبنوك اطالب بفلوسها .. فخمنت الباقي ..
ربت على كتفها : بروح اقول لامي وخواتي ..
خرج تاركا نفساً ضعيفة محتاجة لحظن شخصاً لم يعد موجود .. تمنت لو انه اقتلعها من فراشها .. وغرسها في صدره .. تمنت لو ان تلك القبلة كانت قبلات .. وان تلك المسة كانت ذراعين تطوقانها .. تمنت الكثير افتقدته منذ رحيله ..
دخل غرفة والدته .. ها هي تجلس على تلك الاريكة وبجانبها رشا .. ورنيم تجلس على السرير .. وجواهر واقفة .. تقدم وقبل رأس والدته المكسورة .. وقال لرشا ان تبتعد قليلا ليجلس بجوار ميرة .. امسك كفها ولثمها .. ثم ربت عليها وهو يقول : خسرنا .. ولازم نخلي القصر .
صرخت رنيم قافزة من على السرير : شو .. شو يعني نخلي القصر .. ان شاء الله تبانا نعيش فبيت ..
نظر اليها ثم عاد ليكلم والدته : الديون كبيرة .. والبنوك تطالبنا ..
احتظنت كفه بظهر كفها وباطن الكف الاخر : خلني اكمل عدتي هني .. وعقبها نروح بيتنا .
عادت تصرخ من جديد : اي بيت .. عن اي بيت تتكلمون .. انا مستحيل اعيش فبيت عاادي .
ولا انا .. كان هذا كلام جواهر .. الذي اجبر ميرة على الوقوف : بيت اهلي موجود – التفتت لفيصل – بعطيك المفتاح ورتبه الين اخلص عدتي ..
- انتوا ما تفهمون – تساقطت دموعها – كيف تبونا نخلي القصر ونروح لبيت عادي – امسكت يد فيصل – فيصل الله يخليك سو شيء .. هذا بيتنا .. هني عشنا .. صعب نعيش فبيت اصغر ..
- هذا المكتوب يا رنيم ..
,‘،
المكتوب تلك الكلمة التي دائما نختبأ خلفها .. نخطيء .. ويخطئون .. ونقول بانه مكتوب .. نمشي خطوات لم نحسب عواقبها وايضا ندعي بانه مكتوب .. في كل شيء حتى في ابسط الاشياء .. فها هو الاخر يمشي في ممرات المستشفى .. كل شيء ابيض .. تتهادى الى ذهنه كلمة مكتوب .. ولكن عن اي مكتوب يتكلم .. يمشي ولا يشعر بذاك المار بجانبه .. ولا بتلك التي تصرخ متألمة .. يمشي وعيونه مفتوحة وهي في حقيقة الامر لا ترى الا طريقه .. طريقا جديدا .. رسم له غصبا عنه .. اهتز جانبه .. احدهم صدمه بعنف وهو يمر .. لكن لم يهتم .. وتابع المشي .. هاهي بوابة المستشفى تلوح امام ناظريه .. وقف هناك بين الخارج والداخل .. بين النظافة المقننة .. وبين الوساخة الظاهرة .. وقف وبيده ورقة تصرخ حروفها من شدة قبضته .. فذاك اسمه قد كتب .. وهناك عمره .. وهناك جنسه .. وهناك نقشت كلمات اماتته .. نقشت بدم بارد .. نقشت لتحدد مصيرا يجب ان يمشيه .. وطريقا مشاه رغما عنه .
,‘،
سمحولي البارت قصير .. بس ما حبيت ازحمه باحداث ثانية ^^