الفصل 11
الحادي عشر
,‘،
في دواخلنا اطفال.. يتوقون للفرح . يبتسمون للمحبة .. ينسون العالم في وسط حظن الحنان .. رغم سنين عمرنا التي تتناقص ونكبر مع تناقصها .. ويتحول السواد الى البياض .. رغم دموعنا .. ورغم احزان ترسبت منذ ان نادتنا الدنيا .. وهمست لنا .. انا هنا .. فهرولنا لها .. عانقناها .. ابكتنا يوما .. وافرحتنا يوما .. وضربتنا يوما آخر .. وعلمتنا اياماً .. حتى اتهمناها بجرما لم ترتكبه .. وحكمنا عليها انها ظالمة .. ونسينا ان نفوسنا هي المجرمة .. وهي من تستحق وقفة من وقتنا الضائع .. وكم هي ليالينا الباكية .. وكم تمنينا ان ننام نومة المهد على هزهزاته .. دون افكار .. دون احزان .. دون انتظار ..
ليلة حزينة .. تحاكي القمر المكتمل .. وتستمع لها النجوم المتلألأة .. ليلة تحاول الاختباء .. دون فائدة .. فتفضحها العيون الساهرة .. عيون أرقتها الهواجس .. حتى باتت لا تعي أين الحقيقة .. تقلب تحت لحافه الخفيف .. النوم أبى أن يأتي ويداعب الجفون .. قام ينظر إلى ساعته .. الواحدة صباحا .. تجر معها بعض الدقائق البطيئة .. وقف بطوله الذي لطالما استخدمه لاغاضتها .. حتى تبكي .. يشتاقها .. حث الخطُى إلى دروة المياه ( أكرمكم الله ) .. فتوضأ .. لعل الله ينير عقله بركعتين والناس نيام .. شعر به يحتظنه .. فتوجسته رجفة خشوع .. ودعى بقلب رجل مؤمن انهكه التفكير .. طوى سجادة الصلاة .. التي لا تزال تحتوي عطرها .. تخيلها في يوم زواجهما كيف كانت خجولة .. حتى وهي تصلي خلفه .. أحس بها بتوترها .. بخجلها .. حتى بدقات قلبها التي كانت تصرخ رعبا .. لم يقم .. وجلس والسجادة مطوية امامه .. يتأملها ويتذكر كلام سلمان له : ما فيك شيء يا طارق .. الفحوصات تأكد أن ما فيك شيء ..
ليصرخ في وجهه : بس اللي نقل لي العدوى متأكد ..
وكيف لا يكون متأكدا وهو ترك اخته حبا .. ترددت الكلمات مرارا في عقله : اوكي عشان تتأكد أكثر بدليك ع دكتور اعرفه وهو بيسويلك التحاليل من يديد .
وها هو ينتظر الغد .. ينتظر نتيجة ارهقته أياما وأيام .. قام نافضا عنه كسل الجسد المتعب .. وتناول هاتفه النقال .. تأمله وأصبعه على زر الواحد .. هي هناك .. اسمها . محبوبتي .. رقمها المميز .. تردد كثيرا .. ولكنه يحتاجها .. يريدها معه .. يريد عيناها .. وشفتاها .. ويداها .. يريد كل ذلك واكثر .. " جار الاتصال ....." مرت ثواني اذا بصوتها الناعس يتهادى الى أذنه : الوو
ابتسم : السلام عليكم
فزت مرتعبه : كم الساعة .. حبيبي فيك شيء .....
وتلاحقت الاسئلة .. حتى قهقه .. لم يضحك هكذا منذ تلك الليلة : بس بس .. خليني اجاوب .. شهد انا محتاينج .. تقدرين تجهزين الحين عشان بخطف عليج ..
تأكدت أن هنالك شيء ما .. ارتجفت الاحرف على شفتيها المرتويتين : اوكي .. اترياك ..
اغلقت الهاتف .. وقامت بسرعة تغسل عينيها .. وترتدي عباءتها .. وتغطي شعرها .. وتجري مسرعة للخارج .. ترقبه من نافذة المنزل المطلة على ساحته .. تعلم بأنها لن تراه .. ولكنها تنتظر .. والهاتف في يدها .. رن .. وتوقف .. فجرت للخارج .. والخوف يرافقها على انسان بات كل ما يعنيها ويهمها هو اسعاده .. ركبت .. واذا بها تمد كفيها لتحتظن وجهه .. ودموعها شلالات لا تهدأ : شو فيك ؟
انزل كفيها .. ولثمهما حتى ظنت ان شفتاه التصقتا بباطنهما : طارق والله ما اتحمل اكثر .. حبيبي شو صاير وياك .
رفع رأسه اخيرا : احبج .. والله يشهد علي ان لج فقلبي حب لو توزع ع اهل الارض فاض .
ابتسمت بخجل رغم خوفها .. استطرد : خلينا نمشي من قدام البيت ..
عم الصمت ارجاء المكان .. لا تريد ان تلح عليه بالسؤال .. فداست على نبضات قلبها المتوجسة .. حتى وصلا .. ترجل وطلبها ان تنزل هي الاخرى .. نزلت ومشت حتى تشبثت بذراعه .. التفت لها بحنان : شو فيج ؟
قالت وهي تلصق نفسها به : اخاف من البحر بالليل ..
طارق : لا تخافين .. انا وياج .
مشى وهي تمشي بمحاذاته .. وتتعثر بخطواتها بسبب التصاقها به .. ابتسم رأفة بزوجته الخائفة .. فتوقف عن السير .. وجلسا على بعد امتار من موجه .. الليلة قمراء تبعث شعورا غريب في النفس .. تنهد وبعدها قص عليها ما حدث معه .. وسبب ابتعاده عنها .. حتى وصل الى كلام اخيها .. وعدم تصديقه للنتائج .. كانت تستمع .. تبكي .. هل هي دموع فرح للحب العظيم الذي يكنه طارق لها .. ام هي دموع خوف الفقدان ؟ كانت دموعها تحمل الكثير من المشاعر .. تبكي بصوت .. حتى ما ان وصل بكلامه : سلمان يقول .. ان التحاليل ما بينت اني مصاب ..
تهللت اساريرها .. وابتسمت وهي تمسح ما سال من دموع على شفتيها : الحمد لله .. يعني انت بخير ..
تنهد من جديد .. ليعيد اليها خوفا تلاشى : انا شاك فهالنتايج يا شهد .. الريال اللي تضاربت وياه ذيج الليلة متأكد ان فيه المرض .. سلمان قال يمكن الدم ما اختلط ببعضه .. بس – شد قبضته ناظرا الى مكان الجرح – انا ضربته ودمه صار ع جرحي ..
ثنت ساقيها الواحده فوق الاخرى وتأبطت ذراعه واضعة رأسها على كتفه .. لم يغير من جلسته .. ولا تزال ذراعاه تحيطان بركبتيه بارتخاء : حبيبي .. ما يهمني شو صار .. ولا شو بيصير .. اللي يهمني الحين انك وياي – سكتت برهة – يوم خطبتني ما كنت اريدك .. ولا وافقت لاني اريدك انت .. وافقت لاني حسيت انك بتنقذني من جحيم بيتنا .. كنت كل يوم اتعذب اكثر واكثر .. يوم اشوف ابويه ع كرسيه .. لا يتكلم ولا شيء .. كنت اداريه .. بس كانت نفسيتي تعبانه .. كنت اضحك معه واسولف ويوم اكون فحجرتي ايلس اصيح .. ابويه ع هالحال وانا مب قادرة اسوي شيء .. واللي زاد الطين بله .. يوم تزوج اخوي – مسحت دمعة سقطت من عينها – بس ما تصورت اني بحبك بهالشكل .. حبيتك .. حبيت حنيتك .. كنت اشوف فيك ابوي واخوي .. وكل شيء انحرمت منه .. والحين ما اريد فهالدنيا الا اني اكون وياك .. وياك انت وبس ..
- شهد .. اول مرة تتكلمين عن مشاعرج وياي .. واول مرة احس انج كبيره .. بس انا تعبت من التفكير .. باكر بتطلع نتيجة التحاليل الثانية .. وانا متاكد اني مصاب .. يمكن ما بين الحين بس متأكد .
- منو هالشخص اللي تضاربت وياه .
- اخاف اقولج .
اعتدلت في جلستها ناظرة لجانب وجه الذي ما انفك يرقب البحر وامواجه : تخاف افشي سرك ؟
التفت لها ومسح بقايا دموعها : اخاف من لحظة ضعف .. تمر ع اي انسان .. وساعتها بدمر حياة ناس ما يستاهلون انهم يدمرون .
ابتسمت وهي تحتظن نفسها : بردانه ؟
هزت رأسها بنعم .. وبان خجل على محياها : اصلا ما لابسه الا ثوب نوم خفيف تحت العباه .
نكست رأسها اكثر وهي تسمع ضحكاته التي طالما اشتاقت لسماعها .. ومن بين تلك الضحكات : غربلات بليسج .. تعالي
قربها منه وهو يحظنها بذراعه .. ويرص عليها : اصلا من خوفي عليك ما عرفت شو اسوي .. لبست عباتي وشيلتي وركضت اترياك فالصالة .
جلس ينظر اليها وهو يمسك رأسه بكفيه .. لم يتحمل اغراءات ذاك الجسم الغض .. لم يتحمل شهوته الذكورية .. وهاهي نائمة بجانبه على السرير .. عارية ... خاطب نفسه : شو سويت يا طارق .. شو سويت .. يا رب الا شهد .. الا شهد يا رب ..
احست به فانقلبت على جانبها ساحبة الغطاء عليها .. ابتسمت : حبيبي كم الساعة .
فجأة اذا به ينتشلها من مكانها ليخبأها في صدره : سامحيني .. سامحيني .. الله يخليج سامحيني ..
,‘،
في نفس الليلة ونفس القمر الشاهد على ما كان .. كانت هي جالسه على كرسي بجانب النافذة .. تنظر لاولئك الشهود على اخر ليلة لها في هذا المنزل .. حاربها النوم .. كما حاربها عيسى حتى يومها هذا .. الساعة تقارب الواحدة والنصف .. المكان ساكن الا من صوت جهاز التكيف العجوز والمرتجف .. قامت بكسل .. هناك تقبع حقيبتها الصغيرة .. هل هذا "جهازج " يا خولة ؟ وتحول نظرها الى حقيبة اخرى .. كانت تجهز فيها ليوم زواجها من فارس .. يالا مفارقات القدر .. وهناك بجانب سريرها يقبع دفترها .. لازالت تتذكر يوم اشترته من تلك المكتبة .. كانت تتمنى أن تدرس وتكمل دراستها .. ولكنها لم تحصل الا على شهادة اعدادية .. اشترته وهي تشتري لايمان ما تحتاجه لدراستها .. لا يزال معها .. غلافه قد اهترأت جوانبه .. ولكن لا يزال يضم اوراق بيضاء لم يعانقها القلم .. ولا يزال حبر اخر الكلمات رطبا ..
ودي ابكي .. حتى تمل الدموع عيني
واكسر قيود نفسي .. رهينة الحال
ودي انظر حيث لا ينظر احد
واقرأ ما لا يقرأه احد
وأسمع كلاما لم يكتب من قبل .. بحروف لم تروى لأحد
إلا لي أنا ..
ودي اصرخ .. وانفض غبارً يحتويني..
ودي بفرح يعانقني حد السماء ..
وطيور ترقص هامسة في المساء ...
ولعب اطفال على اهازيج النساء ..
ودي بالكثير ..
اغلقته فاحتظنته .. تذكرت محاولاتها اليائسة مع اخيها : ليش يا عيسى ؟ هانت عليك اختك ...
مرت دقائق تلك الليلة وجفونها لم تعش لذة النوم .. قامت بعد أن صلت الفجر .. وقرأت آيات من الذكر الحكيم .. قامت الى المطبخ .. فتحت الثلاجة واخذت خمس بيضات لترميها في قدر الماء .. وانتشلت الابريق من بين الصحون التي بان عليها تعب الاستعمال ..ووقفت تنظر اليه وهو يحترق وصوت صراخ الماء يتعالى رويدا رويدا .. اعدت كل شيء .. الشاي بالحليب و قطع " التوست " والبيض المسلوق .. وصحن صغير به بعض من مربى البرتقال .. وشيء من الجبن .. مسحت دموعها برفق .. فعيناها تتألمان وجداً للنوم .. ابتسمت وهي تفتح الباب .. الغرفة باردة .. اشعلت النور .. وهالها منظر الاوراق المبعثرة على ارضية الغرفة .. تمتمت : الله يوفقج
جلست على حافة السرير توقظ ايمان .. التي فتحت عيونها الناعسة ومدت ذراعيها لتجذب النشاط لجسمها الممتليء بعض الشيء .. ردت على اختها : صباح النور يا اغلى اخت فالدنيا .
طأطأت رأسها : اليوم بتروحين .. ما اريد اروح المدرسة .. خليني اروح وياج للمحكمة .
نهرتها بشدة .. فكيف تذهب معها وهناك اختبار أخير ينتظرها : قومي تجهزي .. واذا علي ما بسمع لعيسى وبزوركم .. وبتصل فيج الين تملين مني ..
بكت وارتمت في حظنها : ايمان لا تصيحين .. انا ما بموت .. كل السالفة اني بعرس ..
تساءلت في نفسها عن أي " عرس " تتكلم .. فهي ستساق الى قدرها كالنعجة يوم عيد .. عيد بارد .. جامد .. حتى كلمة طيبة ستخلو منه .. لا تعلم لماذا تلك الدقائق مسرعة بهذا القدر .. لماذا كلما كان هناك لقاء معه تتسارع ****ب الساعات .. والشمس تهرول لجهة الغرب .. هل يستعجلون اعدامها .. ام يستعجلون فرحة قد تكون ..
تنهدت وهي جالسة في الصالة تنتظر عيسى .. او بالاحرى تنتظر قدرها المجهول .. الحقيبة تقبع بهدوء بجانبها .. وجفونها متعبة .. فيها حرقة تتآكلها .. فزت بخوف حين سمعت بوق سيارة عيسى .. ذكرت الله واستغفرته .. انحنت وهمت بحمل حقيبة ملابسها وحقيبة يدها .. عيناها تتأملان المكان .. التلفاز الصغير .. والنمارق القليلة .. وهناك كتاب من كتب ايمان قد فتح وقلب على بطنه .. جرت قدماها .. فعيسى لا يكل من اصدار ذاك الصوت وكأن به غاضب .. القت التحية وهي تفتح الباب لترمي بحقيبة ملابسها على الكرسي ... لم يجبها .. اغلقته وفتحت الباب الامامي .. ركبت : رد السلام واجب .
- وعليكم السلام ... يبتي كل اوراقج ؟
- هيه ( نعم )
الصمت سيد الموقف كالعادة .. لا حديث منه ولا حتى نظرة .. وهي تحاول ان تتماسك .. خائفة .. قلقة .. ولكن هذا ما ارادته .. حدثت نفسها : لا تخلين دموعج اطيح .. انتي بغيتي هالشيء .. لا .. انا ما بغيت هالشيء .. هو فرض نفسه علي غصب .. هو اللي قيدني .. هو اللي اجبرني .. بس ليش ؟ .. آآآه .. يا رب تعدي هالدقايق بسرعة .. وليش اليوم زحمة هالشكل .. مب قادرة اتحمل سكوتك يا عيسى .. معي ومب معي ..
تنهدت وسمعها عيسى .. ليردد في نفسه : سامحيني يا خولة .. بس مب راضي ع اللي سويتيه .. عيسى ما يبيع عمره لناس بسبب الظروف .. بس انتي بعتيه بدون شوره .. وقبضتيه ثمن البيعه .. لو كل شيء صار بدون تدخلج كان لي كلام ثاني وتصرف ثاني .. بس انتي اللي قدمتي العرض .. ياليتني ما وافقتج .. ولا خليتج تكلمينه بروحج .. كان مب هذي حالنا .
,‘،
Continue
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#32 أضافة تقييم إلى nahe24 تقرير بمشاركة سيئة
قديم 30-09-12, 03:37 PM
الصورة الرمزية nahe24
nahe24 nahe24 غير متواجد حالياً
نجم روايتي
,‘،
ترجل من سيارته " الرنج " بهيبته المعهودة .. وتلك النظارات لا تفارقه ابداً ..اليوم عادي بالنسبة له .. لا يختلف عن باقي الايام الا بدخول شخص جديد لحياته .. اكمل طريقه ليعبر ذاك الممر القصير .. ويلج الى المحكمة من بوابتها الكبيرة .. كانت هناك اعين ترقبه : شوف منو اللي ياي المحكمة
التفت الرجل لصاحبه وبعدها على جاسم : هذا جاسم ولد الاستاذ عبد العزيز .. ليكون ياي يشتكي ع ابوه
- عاادي . تصير .. ومب بعيده عنه .
- صدقت .. كل شيء متوقع منه .
تهامس كغيره من التهامسات التي لطالما تداولها الناس بينهم .. عُرف بالابن العاق .. والرجل القاسي .. ولكن لا يعرفون لماذا هو هكذا .. الظاهر يصور لناس اشياء واشياء .. والداخل شيء قد يكون اكبر بكثير مما يتم تداوله .. لا تهمه تلك الاقاويل .. فهو لا يرى حياته الا عمل خالية من العائلة
جسداهما يرتفعان ويهبطان .. وفرساهما تعدوان بمرح بين تلك السهول الخضراء والغابات المتفرقة ..
- ما قلتلك بنستانس .. شوف حلاة السهول هني .. ياليت عندنا مثل اللي عند البريطانين ههه
- اللي عندنا خير يا قاسم .. ما محتايين لبلاد الغرب تكون فبلاد حكمها شيخ ما في مثله ولا بيكون بعد .
سحب الجام لتقف فرسه وهي تحرك ساقاها الرشيقتان بخفة : عندي لك هدية .
ادخل يده في جيبه وهو يرفع جذعه للاعلاى .. حتى يستطيع الوصول لاخر جيبه .. اخرج ورقة قد طويت .. اعطاها لجاسم الذي ترجل عن ظهر فرسه : شو هذا ؟
قال وهو يترجل : افتحها .
اخذ لجام فرس جاسم وامسكه مع لجام فرسه .. ومشى بمعية اخيه .. الذي كان يفتح الورقة .. توقف وهو ينظر الى ما فيها .. لؤلؤة وجناحان .. رسما بدقة متناهية .. وهناك ايضا رسمة لهما كتب عليها q&j .. التفت لقاسم الذي علت محياه ابتسامة فخر : شو رايك بتصميمي .. ترا هذي هدية لك .. ما اريد لها شبيه اوكي .. اول ما تعرس سلمها لعروسك .. بس هااااا .. ما اريدها الا للانسانة اللي ملكت قلبك .. غيرها لا .
جاسم : وليش حرفك قبل حرفي .. مب انا العود .. لازم يكون حرفي قبل .
ربط الجامان في تلك الشجرة الباسقة .. وارتمى على العشب الاخضر .. شابك ذراعيه تحت رأسه : طرار( شحاذ) وبعد يتشرط . واللي يسمعك تقول العود بيقول تكبرني بسنين مب كأنهن 5 دقايق .
وقف ينظر لاخيه .. واخذ يهز الورقة اعلى رأسه : وليش تريدها وحيده .. نسوي ثنتين لك ولي .
رفع ساقيه في الهواءدافعا جذعه على الارض .. ليستطيع الجلوس : شوف جويسم .. اريدها لك انت وبس .. وفي هدية ثانية لك .. واللي هي موجودة فالرسمة
- الولوه .. من وين لك ؟
ضحك : من امي بخيته .. تراها عطتني اياها تحسبني انت .. مثلت عليها وصدقتني .. وقالت – يقلد كلامها – قويسم ما يتأمن ع شيء .. لو اعطيه اياها ما بعيد يفرها
ضحكا سوية .. وفجأة تغيرت ملامح قاسم وهو يعود ليطرح نفسه على العشب : واتريا هديتي منك .. بس الهدية بتكون طلب مني .. توعدني تلبيه يا جاسم .
نظر إليه .. وبعدها استلقى بجانبه : اوعدك .. لو تطلب عيوني بقدمهن لك .
وضع يده على نظارته من جهة اليمين .. وحرك اطراف اصابعه على جبينه مبتعدا بهم تجاه شعره ..وانتبه لعيسى الذي سحب الاوراق من يد خولة .. وادرك ان هناك شيء ما بينهما .. مر الوقت وهو لا يزال يرقبها .. انتبه لتوترها .. ولتصرفات عيسى معها .. اصبحت على ذمته .. ها هو يعود لتحمل امرأة في بيته ..ابتسم وهو يمشي بمعيتهما للخارج .. توجهوا حيث تقف سيارة عيسى .. فتح باب سيارته ليخرج حقيبتها .. فما كان من جاسم الا ان ينادي سائقه الخاص لحملها ..
جاسم : ما في حتى مبروك .. ؟
نظر عيسى له بنظرة كره : صارت لك وانتهينا .
اراد أن ينصرف فامسكته من ذراعه : عيسى اصبر – التفتت لجاسم – اقدر ابقى فبيتنا اليوم .. اريد ابقى مع ايمان .. وانت اصلا مشغول .. يعني اذ....
وقبل أن تكمل : مالج بيت يا خولة الا بيت جاسم .. عن اذنكم .
شدت على قبضتها .. وتسمرت في مكانها .. تلفت جاسم وكأن وقوفها بهذا الشكل ووقوفه بجانبها احرجه .. امسكها من ذراعها : خلينا نمشي .
لم تكن تشعر باي شيء .. وكأنها نومت مغناطيسيا .. مشت .. ثم ركبت وهي لا تزال في عالم آخر .. اما هو فلا يجد اي كلام قد يقوله .. فلقد ادرك ان عيسى تخلى عن اخته .. ابتسم وهو يخمن سبب هذا الكره .. لعلها تلك الطلبات .. فهو يعلم ان عيسى عزيز نفس .. كما هو بالضبط .. خاطب نفسه وهو ينظر من نافذة سيارته : للحين ما لقيت اللي تستاهل هديتك يا قاسم .
,‘،
انسلت من فراشها .. في تلك الليلة التي لم ينعم فيها طارق ولا خولة بالنوم .. هي نفس الليلة .. ونفس شهودها .. شهدوا على احلام اسهرت اصحابها .. وها هم يشهدون عليها .. انسلت وهي تنظر اليه .. شخيره لا يهدأ .. كثيرا ما قالت له ان يجري جراحة لاستأصال تلك اللحمية من انفه .. لكن ما كان يأتيها منه الا الاهانة .. والكلام الجارح .. انسحبت من الغرفة بهدوء تام .. جلست بكاملها على الكنبة وظهرها مسندا على ذراع الكنبة .. وذراعيها على ركبتيها .. لتدع رأسها ينكب عليهما ..
نزل امام احدى العمارات الشاهقة .. فتح الباب : نزلي .
نظرت له بخوف : رجعني البيت .. الله يخليك ..
امسكها من ذراعها .. وهو يحثها للنزول .. نزلت .. لم ترغب بان يتجمع الناس عليهما .. لا تريد للفضيحة ان تخترق حياتها .. نزلت وهو يجرها الى المصعد .. نزلت دموعها .. فهي لا تعلم اين يأخذها .. ومالذي يريده منها بالضبط .. هذا ليس عبدالله الذي تعرفه .. توقف المصعد وكاد قلبها ان يتوقف حين شدها ليخرجها منه .. تمشي معه دون ان تتكلم او حتى ان تقاوم .. وقف قبالة باب لشقة ما .. لا يزال ممسكا بذراعها .. فتح الباب .. ودعاها لدخول .. لكنها أبت .. فما كان منه الا ان جرها ودفعها لداخل .. حتى سقطت " شيلتها " من قوة سقوطها .. سحبتها بسرعه تستر شعرها .. وتبكي : عبدالله شو بتسوي في .. حرام عليك .. انا ما سويت لك شيء ..
زحفت حتى قدميه امسكتهما وهي تبكي وتترجاه : الله يخليك رجعني البيت .. الله يخليك .. ابوس ريولك .. لا تسوي في شيء ..
سحب قدماه .. وهو ينظر اليها .. ضعيفة باكية : مستحيل اسوي فيج شيء يا ريم .. مستحيل – رفعها من ذراعها – قومي ..
مشى بها وهو يتكلم بحزن يكتسيه شيء من الغضب .. كلما توقف في مكان : هني كنت احلم فيج وياي نطالع التلفزيون .. ونضحك – سحبها لاحدى الغرف – وهني كنت اتمنى اشوف عيالنا يكبرون ويلعبون ..
سحبها من جديد وسط دهشتها لما تسمعه .. توقف عند باب غرفة اخرى .. ظل واقفا لبرهة .. ثم فتحها .. غرفة نوم بسرير اقل ما يقال عنه ذوق : وهني كنت اتمنى اقضي اليالي وياج ..
تركها واخذ يجوب الغرفة كالمجنون : هني تخيلتج يالسه تسحيين( تمشطين ) شعرج .. وهني تخيلتج واقفه اطالعين السيارت الصغيرة .. وهني – جلس على السرير – كنت اتمنى احضانج .. وقتلوا كل امنياتي .. .. قلت لهم اريد اعرس .. رحت لابوي خبرته .. ابويه اريد ريم حرمة لي .. تدرين شو كان رده .. ريم لخوك سعيد .. العود احق فيها منك .... العود ... آآآآآآآآآآآآآآخ
شدت بيدها على فمها بقوة .. واخذت تبكي بحرقة .. انسحبت بجذعها على الجدار حتى جلست القرفصاء .. كلام جديد تسمعه الآن .. عبدالله يحبها .. يتعذب من أجلها .. وهي تتعذب بنار سعيد يوميا ..
نظر اليها بعيون دامعه : تمنيتج ترفضين ...تمنيت سعيد يقول لا .. بس محد قال لا الا فويهي انا .. قلت لازم انساج .. بس ما قدرت .. انتي الوحيدة اللي حبيتها يا ريم ..
صدمة الجمتها عن الحراك .. او حتى الكلام .. فقط دمووعها التي اخذت تنسكب دون توقف .. مر الوقت هو يحكي معاناته اليومية بسبب رؤيتها .. وهي تستمع وتود لو انها لا تسمع .. تمنت لو كانت صماء .. قامت واقفة .. لفت " شيلتها" باحكام على رأسها .. اخذت طرفها لتغطي وجهها الباكي : وين بتروحين .
لم تجبه .. خرجت من تلك الغرفة .. وهو يتبعها .. انحنت لتلتقط حقيبة يدها التي وقعت بوقوعها عند الباب .. يسألها ولكن لا تجيب .. ضغطت زر المصعد .. مرة واثنتان وثلاث .. لعله يأتي سريعا . امسكها من جديد .. لفها لناحيته : سامحيني ..
لم تجبه .. سحبت يدها من يده .. وآثرت ان تنزل الدرجات .. المصعد لا يأتي .. والانتظار بجانبه يقتلها ..نزلت مسرعة وهي تصرخ عليه : لا تتبعني .. خلك بعيد ..
لتستقل بعدها اول سيارة أجرة تصادفها .. عادت الى منزلها .. حمدت ربها مليون مرة ان سعيد لا يزال نائما .. فهو لا تهمة صلاة .. اسرعت الى دورة المياه (اكرمكم الله ) تفرغ ما بقي في جعبتها من دموع .. وخرجت بعدها لتصلي المغرب .. مع ان وقتها حان منذ اكثر من ساعة ..
رفعت رأسها .. تحاول ان تنسى ما قيل في تلك الشقة المشئومة .. كما رفعت ميثة رأسها عن ظهر السرير .. وعليا هناك نائمة .. حرارتها مرتفعة .. تهذي بكلمات لا تفهم .. تصرخ احيانا .. تترجى احيانا اخرى .. وتنادي والدها كثيرا .. تحسست جبين ابنتها .. وتذكرت ذاك اليوم .. لم تفتح الباب لها .. مع انها بكت وترجت .. لكن لم تفتحه .. فجأة سمعت انسياب الماء .. خافت حين طال الامر .. طرقت الباب اكثر واكثر دون جدوى .. جرت تنادي احدا يساعدها ليكسر الباب .. فما كان في وجهها الا بدر .. ضرب الباب مرة .. واثنتان .. بباطن قدمه اليمين .. انفتح .. لتتراء علياء في حوض الاستحمام جالسة .. والماء ينهال عليها .. يضربها بقسوة .. وهي ترتجف .. تريد ان تستيقظ من تلك الاحلام التي تراودها .. اغلق الماء .. ورفعها وهي تصرخ .. تحرك ساقاها بعنف .. وتحاول دفعه عنها .. وهو ممسكا بها .. حتى اغمي عليها ..
هاهي تنام دون ان تستيقظ .. الا دقائق قليلة لاخذ الدواء .. او لتسقيها ميثة العصير والماء او شيء من الشوربة .. قامت بكسل .. وقد عقدت العزم .. ان هذه هي آخر ليلة لها في هذا المنزل .. تركت غرفتها ذاهبة لغرفة بناتها ... جمعت ملابسهن في حقيبة واحدة .. لا يهم ان تأخذ جميع ما يملكن .. المهم ان تخرج من هذه الاجواء الموبوءة .. ايقظتهن بحنان أم خائفة .. لا يرغبن بالنهوض .. صرحت لهن بكذبة لعلهما يتركان الفراش لاجلها : ياللا حبيباتي قومن بنروح الالعاب ..
نقطة ضعف ابنتيها .. حديقة الالعاب .. قامتا بكسل .. غيرت لهن ملابسهن بسرعة .. نطقت خلود وهي تحرك يدها الصغيرة على عينها داعكة لها : ماما .. وين علايا .
الحين بتيي .. قالت هذه الجملة فقط .. وبعدها اخرجتهما الى غرفتها .. ايقظت علياء المتعبة .. لا تعي شيئا فحرارتها تناهز التاسعة والثلاثين .. عيونها ذابله لا ترى شيئا .. طلبت منهن الجلوس وخرجت .. لتجهز سيارتها .. وبيدها حقيبتان .. وحقيبة يدها .. عادت بعد دقائق : ياللا .. خلود مسكي ايد حصووه ..
فعلت ما طلبته منها والدتها .. وهي مستغربة ما يجري .. عمدت ميثة الى ابنتها علياء .. تساعدها على النهوض .. لكن جسمها لا يقوى حتى على الوقوف .. ما كان بها الا ان تحملها على كتفها .. وتناست انها ترتجف بردا .. اخذتها بلباس نومها فقط .. ادخلتها لسيارة وعدلت لها الكرسي .. فتحت الباب الخلفي وادخلت خلود وحصة .. وانطلقت .. تلفتت خلود : ماما بعده فليل . ما في العاب الحين .
ما كان من ميثة الا ان تصرخ على خلود لتسكت ..تقوست شفتاها الصغيرتان .. وبكت حصة لصراخ والدتها .. وساعدتها خلود بالبكاء ... تمالكت اعصابها : خلاص فديتكن .. خلود بنروح بيت خالو عبد الرحمن .. وبعدين بنروح الالعاب وييا هاجر .. انتي تحبين هاجر صح ..
هزت رأسها وهي تحاول ان لا تبكي .. استطرد ميثة وهي تنظر لها من المرآة الامامية : عفيه ع خلوود الشاطرة ..
اذن الفجر وهي في الطريق الى منزل اخيها .. هربت حتى لا تواجه راشد .. فهي ليست بتلك القوة لتواجه اخيها الاكبر .. تعلم بانه سيقسم عليها ان تبقى .. وسيمنعها .. وقد يغضب منها .. وهي لا تريد هذا التصادم .. كل ما تريده هو الابتعاد فقط .. ولو كان منزلها خاليا لما ذهبت لمنزل احد ..
,‘،
جاءه النبأ اخيرا .. لم يفكر دقيقة واحدة .. كل ما اراده هو ان يصل الى والده .. ركب طائرتهم الخاصة .. كان يرى الدقائق والثواني واقفة .. متى سيصل .. الافكار تعصف بذهنه كأعصار اقتلع كل اتزان فيه .. اخيرا وصل لارض الوطن .. حث الخطى ينجز كل شيء بسرعة .. استقبله سائق والده الخاص .. بدون اي تفكير : خذني عند ابوي ..
وصل ببنطلون جينز وقميص ابيض .. ازراره العلوية مفتوحة .. مشى مسرعا والهاتف على اذنه .. يسأل عن مكانهم .. تراء له سيف فابعد الهاتف وهو يقول : اشوفك .
هرول ناحيته : ليش ما خبرتوني .. شو تتريون .. تتريونه يموت وبعدين تقولون لي ..
- هدي اعصابك يا فيصل .. ابوك بخير ما فيه شيء ..
- الاخبار اللي وصلتني تقول غير هالكلام .. على شو ناويين وانا بعيد ..
استغفر ربه : منو اللي يوصل لك الاخبار ..
وين ابويه .. قالها وهو يترك المكان مسرعا .. الى حيث تتجمع اخواته .. الى تلك القاعة المخصصة للشخصيات الهامة .. وصل .. فتهافتت الانظار عليه .. تقدم بخطى متوجسة الى امه القابعة على ذاك الكرسي .. جثى عند قدميها : امي .. كيف ابويه
- له الله يا فيصل .. له الله ..
تقدمت جواهر من اخيها : ابويه بيخلينا .
وضع كفيه على كتفيها .. وابتسم مجاملة : لا ان شاء الله – التفت الى والدته الجالسة بين رنيم ورشا – ما شفتوه ؟
هزت رنيم رأسها بلا .. تلفت يمنة ويسرى .. يبحث عن آخر العنقود في عائلته .. لا أثر لها .. سأل عنها : وين جود ؟
كانت هني .. هذا كان جواب جواهر على ذاك السؤال .. اما هناك فالخارج حيث كان سيف يتحدث بانفعال في هاتفه .. كانت جود واقفة .. تستمع .. وقلبها يحترق على حبيبها .. تقدمت نحوه حين انهى مكالمته : منو اللي دمر ابوي ؟
كانت عيناها مليئتان بنظرة غريبة .. نظرة جامدة .. لم تبكي كالاخريات .. فقط تستمع لنحيب اختيها رشا وجواهر .. وتقرأ صمت أمها .. ودموعها التي لا تهدأ ..
قال باستنكار : شو تقولين ؟
- منو اللي دمر ابوي ؟
كانت تنظر لعينيه اللتان تتهربان من النظر لعينيها .. اعادت السؤال : منو دمر ابـ...
اذا بيد فيصل على كتفها تقطع سؤالها : حبيبتي يالس ادور عليج .. ما اشتقـ...
التفت حيث صوت رنيم تناديه : فيصل الحق .. الدكتور يطلبك .. بسرعه ..
جرى مسرعا وجرت خلفه جود ..هناك لا شيء سوى سرير ابيض وجسد متعب .. قد قيد بالكثير من الانابيب .. والكثير من الاسلاك .. وصوت جهاز يخترق هدوء الغرفة .. دخل .. يدنو من والده بخطى خائفة .. هاهو أمامه .. انحنى ليقبل رأسه : سلامتك يالغالي ..
نظر اليه دون ان يحرك رأسه .. فقط حركة من عينيه . وبصوت متعب : فيصل .. امك .. وخواتك .. امانه فرقبتك
هز رأسه يمنة ويسرى : لا تقول هالكلام .. انت بتبقى فوق روسنا ..
خفت صوته حتى لا يكاد يسمع .. قرب اذنه من فاه : رشا
قال : شو بلاها رشا .. ابويه تسمعني .. شو بلاها رشا ..
- دير بالك عليها .. سيف .. سيف ..
صرخ جهاز القلب معلنا النهاية .. دخلوا الاطباء مع بعض الممرضين .. حاولوا ان يبعدو فيصل عن والده .. الذي اخذ يهزه وهو يصرخ : شو فيه سيف .. ابويه رد علي .. شو بلاه سيف .. خلوني .. ابوي هذا .. ما دخلكم ..
ابعدوه بقوة .. وقف خارجا ينظر الى ما يفعلون من تلك الفتحة في ذاك الباب .. رأى انعاشهم له .. مرة .. اثنتان .. ثلاث .. لا فائدة .. كانت يده تلامس ذاك الباب وكأنها تلامس وجه والده .. ابتعد خطوتان حين رآهم يغطونه .. ايقن حينها ان كل شيء انتهى .. وان الغالي لم يعد على قيد الحياة ..
,‘،
في انتظاركم
,‘,
ليش ما منعتيني يا شهد .. ليش ؟.. كان يعيد في هذه الجملة مرارا وتكرارا .. وهي بجانبه على السرير واضع رأسه في راحتيه .. لفت بذراعها على كتفيه .. وانحنت قليلا برأسها تحاول أن تنظر لوجهه : حبيبي .. انت قلت سلمان قالك انك بخير .. ليش خايف .
وهو على حاله : سلمان ما سألني اسئلة مثل الدكتور عادل .. مادري ليش .. يمكن نسى .. ويمكن لانج اخته .. وخاف عليج وكان كل همه يتأكد .. مادري
قامت من على السرير لتجلس على ركبتيها امامه .. انزلت كفيه .. ومسحت بكفيها على وجهه .. وعيونها بدأت تغرق بمياهها المالحة : مب فاهمة عليك .. التحاليل ما فيهن شيء .. وهذا هو المهم ..
امسكها بقوة من كتفيها .. كانت حركته مفاجأة .. ارجفتها .. نظر بخوف لعينيها اللتان هلتا دمعهما : تضاربت مع الريال تقريبا من شهر .. والمرض ما بيبين بهالسرعة .. ع الاقل لازم اكون كملت 6 اسابيع ع العدوى .. وانا ما كملتهن .. قالي الدكتور عادل .. ان هالشيء صعب يبين .. فهمتيني ..
ارتجفت شفتاها : يعني شو ؟
مسح دموعها التي انسكبت .. وطبع قبلة على خدها ووجهها بين كفيه : يعني مالنا الا الصبر .. والدعاء ..
والنتيجة؟ ...سؤال طرحته على طارق .. ليعم الصمت ارجاء الغرفة الباردة لدقائق .. قام واقفا .. تنهد وكأنه يخرج ركام اياما مضت اتعبته : مب اكيده ..
الله اكبر .. الله اكبر .. صدحت مكبرات الصوت بأذان الفجر .. قامت واقفة .. تنفست الصعداء .. واذا بها تقف امامه وتمسك كفيه .. وقد رسمت على وجهها الطفولي ابتسامة انسته بعض مما هو فيه : قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا .
ابتسم لها : كبرتي فعيني يا شهد ..
اقتربت اكثر واضعة رأسها على صدره : خلنا نقوم نصلي الفير ... وربك فوق ما ينسى عباده .
لفها بذراعيه .. فسقطت دمعة من عينها .. كانت تقوي نفسها لتقويه .. وفيها خوف قد بنى خيمته وشد اوتادها .. خوف من القادم .. ومع هذا فيكفيها طارق .. الشخص الذي احبها واحبته مع الوقت .
كانت نفسه تحدثه ان كل شيء سيكون على ما يرام .. مر على غرفة اخيه عمار .. طرق الباب ودخل ..كان يغط في نومه .. لا يشعر بشيء .. متدثر بلحافه .. واذا به يقوم مرتعبا جراء صرخة طارق في أذنه : قووووووووووم
قام مفزوعا .. وطارق يضحك عليه : اعوذ بالله .. شو بلاك ؟ شو مستوي .
قهقه .. ومن بين ضحكاته : قوم نصلي الفير فالمسيد .
سحب الوسادة واذا به ينهال ضربا بها على طارق الذي قام يحمي نفسه بذراعه وهو لا ينفك من الضحك : غربلات بليسك .. بتجلطني ..
سكن وبعدها انفجر ضاحكا : اللي يشوفك يقول انك اصغر مني .. استغفر الله العظيم .. هذا وانت معرس هذي تصرفاتك ..
قام واقفا سحب الوسادة من يد عمار ورماها عليه : قوم .. بترياك تحت .. اكييد ابوك سابقنا فالمسيد ..
مسح وجهه بكفيه : ان شاء الله الحين بلحقك
ما ان خرج طارق حتى ابتسم عمار وتمتم : الحمد لله اخيرا رجع .. بس امووت واعرف شو اللي كان مغيرنه ..
اوقفت سيارتها .. بعد عناء طريق طويل .. البنات غلبهن النوم .. وعلياء ترتجف وتأن .. لا تعلم الى اين سياخذها هذا القرار .. ترجلت من السيارة .. لا تعرف ماذا تفعل مع بناتها .. قررت اخيرا ان تتركهن نائمات .. مشت الى الباب الرئيسي .. وقبل ان ترن الجرس اذا به ينفتح على مصراعيه .. وطارق ينظر لداخل : بسرعه يا عمار بتفوتنا الصلاة .
التفت واذا بها امامه .. توجسس : عمتي .. خير .. شو اللي يايبج فهالساعة .. البنات فيهن شيء ؟
نزل الدرجات بخفة .. حتى وصل اليهما : عمتي !
ميثة : ما في شيء .. بس ياليت تساعدوني .. البنات فالسيارة .. وانا ما في حيل ادخلهن .
امسكها من يدها : حياج عمتي - التفت لطارق - طارق شوف البنات .
كان منظرها يوحي بان هناك امرا عظيما .. فيكفي زيارتها التي تثير الريبة في هذا الوقت الباكر .. وصل للسيارة .. فتح الباب فاذا بعيناه وكأنهما ستخرجان من مخدعهما مما رأى .. جسم ناحل .. ووجه شاحب .. وارتجاف واضح .. سم باسم الله وحملها بين ذراعيه .. اسرع بها الى الداخل .. ومن ثم الى غرفة ريم .. نادى شهد لتبقى مع عمته ريثما يعودان من المسجد .. الجو غريب في ذاك المنزل .. الامور بدأت تتغير.. دقائق من خروج عمار وطارق من المنزل .. حتى اكتظت غرفة ريم بالنساء .. جالسة على السرير بجانب ابنتها .. وخلود وحصة قد فُرش لهن على الارض .. كانت الاصوات كفيلة بان تحرك حصة .. وتجعلها تتقلب في فراشها .. فمريم لا تنفك تسأل ميثة عن الاسباب .. ولا يوجد على لسان ميثة الا جملة : ما في شيء .
وضعت هاجر يدها على كتف أمها : امايه .. خلينا نطلع .. عشان عمتي ميثة ترتاح .
بالفعل قامت مريم .. وابتسمت شهد الواقفة بجانب الباب لعمتها التي اخذت تتحوقل وهي خارجة .. اما هاجر فوقفت قليلا تنظر لعلياء التي في عالم آخر ولا تعلم من امرهم شيء .. ابتسمت على مضض لعمتها ميثة : نورتي بيتنا عموتي .
ارغمت شفتاها على الابتسام : تسلميلي فديتج .
خرجت واغلقت الباب من خلفها .. الى الآن ووالدها لا يعلم من أمر عمتها شيء .. تنهدت وهي واقفة في الممر وناظرة لغرفة طارق .. وبصوت اقرب للهمس : الله يعينا .. بتبدا مشاكل يديده ..
كانت ستحث الخطى لغرفة طارق .. فوجود شهد بينهم بين ليلة وضحاها شيء مستغرب .. ولكنها فضلت ان تدخل غرفتها .. ارتمت على سريرها ناظرة لسقف .. الساعة لا تزال السادسة .. بدأ صوت العصافير يعلو عند نافذتها .. التي لا تنفك من الاتساخ ببقايا فضلاتها .. حمدت الله انها قدمت آخر امتحان بالامس .. فهي موقنة بان هناك مشاكل في الطريق .. غيرت من نومتها .. لتنام على جانبها الايسر .. حاظنة وسادتها تحت رأسها .. تفكر في مستقبلها .. هل سيقتنعون بقرارها بالسفر ؟ .. هذا السؤال اصبح لا يفارقها .. هي تدرك ان امامها سنة أخرى بين عائلتها .. ولكن لا بد من التمهيد حتى موعد التنفيذ ..
مر الوقت وهي تحاول ان تنام قليلا .. ولكن النوم لا يرغب بزيارة جفونها .. المكان هاديء .. فجأة اذا بها تسمع خطوات خارج غرفتها .. بعدها طرقتان خفيفتان على بابها .. اذنت لطارق بالدخول وهي تعتدل منزلة ساقيها عن السرير وجالسة .. ابتسمت وهي ترى عمار يطل برأسه : شو صار ؟
دعته لدخول .. اغلق الباب ووقف مستندا عليه .. واعاد السؤال من جديد .. لتجيبه : ما صار شيء .. عمتي شكلها تعبانه .. وما تريد تتكلم الحين .... ابوي وين ؟
- مادري .. طلع قبلنا من المسيد .. يمكن راح العزبة .
مشى وسحب كرسي مكتبها الخشبي وجلس عليه بشكل عكسي .. ومربعا ذراعيه على حافة ظهره : بعدج مصرة على اللي فراسج ؟
توترت قليلا .. لقد ظنت انه يسألها عن السفر .. وانه لا يزال يذكر تلك الكلمة التي قالتها على الغداء .. ولكنه بدد توترها حين استطرد قائلا : يعني ما بتسحبين شيء من المواد ؟
تنفست الراحة .. واجابت : لا .. اريد اخلص السنه الياية .. لا تخاف علي .
رأسها صلد لا يلين .. لا يعلم من اين اتت بكل هذا العناد فجأة .. خرج وهو يتمنى ان تتراجع .. خائف عليها .. ومن تغيرها من النقيض للنقيض .. فهي ليست هاجر المرحة الضاحكة .. شقيقته الوحيدة .. احيانا يود لو انه كان قاسيا .. ليجبرها على التراجع عما في رأسها . ولكنها مجرد امنية .. فقلبه رقيق برقة قلب والدته مريم ..
بعد ان خرج .. قامت من على سريرها .. فتحت جهازها .. ومباشرة قادتها اصابعها الى صفحة المسافر .. لا تعلم لماذا تهتم لأمره .. ولماذا الخوف بدأ يسيطر عليها تجاهه ... فهو لم يعد يكتب .. اشتاقت لردوده على تغريداتها .. عمدت لتكتب تغريدة جديدة : الحياة مفارقات .. ونحن نمشيها دون ان ندرك ما تخبئه لنا .
ارسلتها .. ثم انزلت الصفحة لتفتح أخرى .. موقع الجامعة .. تأملته قليلا .. لكن سرعان ما ابدلتها بصفحة " قوقل " .. تأملتها لفترة .. تكتب وتعود لتمسح .. لا تعرف ماذا تفعل .. كانت تتسلى بالبحث من اجل دراستها .. ولكن الآن لا يوجد سوى " تويتر " .. اغلقتها .. وعادت لصفحتها الاولى .. جددتها ..لحظات واذا بها تفتح عيناها بصدمة .
,‘,
ليست بأقل من صدمة فيصل بوفاة والده .. ترك المكان .. يجر الخطى المثقلة باحزان الفقد .. ولج لتلك القاعة حيث امه واخواته .. مشى خطوتان .. ثم توقف .. محجر عينيه مليء بالدموع .. تجول بنظره .. تلك رشا جالسة دون حراك كما هي منذ ان رآها عند وصوله .. وتلك امه .. التي اصبحت ارملة .. تساءل كيف ستكون ردت فعلها .. اوقف نظره على جواهر .. كانت ملتصقة بوالدتها ومقربة لها من صدرها وذراعها يحتوي كتفيها .. ودموعها تنسكب .. وهناك تقف رنيم .. مستندة على الجدار .. مكتفة ذراعيها على صدرها .. ونظرها للارض .. وشعرها تدلى على جبينها .. اكمل تجوال عينيه .. ليست هنا .. لا يراها امامه .. تنفس وكأنه ارتاح لعدم وجودها .. رفعت رنيم رأسها . ونطقت بأسمه . لترتفع الرؤوس .. وتحدق النظرات على وجهه المشرأب بالحزن .نطقت ميره من بين دموعها : سالم
سكتت وكأنها لا تريد أن تكمل .. او لعلها ارادت خبرا مغايرا لما في رأسها .. هز رأسه مطوحا له .. كان ذاك الاهتزاز كفيلا ليدع دموعه تنساب بحرقة على وجنتيه وتتسلل عبر شعيرات وجهه الخفيفة .الصدمة قوية .. لا كلام .. سوى نحيب من جواهر التي ارتمت في حظن والدتها المفجوعة بموت شريك حياتها .. كانت ساكنة .. الصدمة الجمتها .. لا تتحرك .. وغير آبهة بالجسد المرمي في حظنها .. فجأة اذا به ينحني للامام بخفة ... هناك من دفعه من الخلف .. طوقت ذراعيها على خصره .. ودفنت رأسها في ظهره .. وكأنها بذاك الفعل تتذكر والدها قبل خروجه من المنزل .
من بين الصمت صرخت : لاااااااا .. مستحيل ..
مشت اليه .. هزته من كتفيه وهو لا يتحرك : ابويه ما مات .. فيصل .. لازم اقوله اني احبه .. انا عمري ما قلتله اني احبه .. فيصل قول لهم اريد اشوفه .. لازم يسمعني .. لازم يعرف اني احبه – هدأت وشهقاتها اضحت متعبة – اريده يحظني .. اريده هني ..
فجأة من خلف سكونها البسيط .. احتقنت بالغيظ .. واذا بها تنهال ضربا على جود المتمسكة بفيصل : كله منج .. انتي السبب .. انتي اللي قتلتيه .
حاول ابعادها .. لكنه لم يقوى .. والاخرى متشبثة به .. قامت جواهر تحاول ابعادها وهي تبكي وتصرخ : خلاص يا رشا ..
تسحبها من وسطها .. واذا بها فجأة تخر على الارض.. مسقطة معها جواهر .. التي افترشت الارض .. دخل سيف .. الذي اسرع لها .. وهي في حجر جواهر .. يحاول ان يوقضها .. ولكن لا فائدة .. لحظات واذا بالمكان يمتلأ بالممرضين .. وسرير طبي .. نقلوها من المكان وسيف ممسكنا بيدها لا يريد ان يفارقها ..
جلست على الارض بتعب وهي تنظر لجواهر الجالسة على الارض دون اي حراك .. ولفيصل الواقف كالصنم .. ولوالدتها التي لم تنطق الا بأسم سالم .. بكت وتمتمت : حتى انا اريد اقوله اني احبه .. حتى انا – رفعت رأسها لفيصل – والله احبه .. اريده يسمعها مني ..
وضع راحتيه على عينيه ماسحا لدموعه : انا لله .. وانا اليه راجعون ..
حاول ان يستجمع قوته .. فهن كسيرات بحاجته .. حاول ان يفك ذراعي جود من على وسطه .. كان يشعر بدموعها تبلل قميصه .. حاول جاهدا .. وهي تشد اكثر مع كل محاولة .. لم تشعر بضربات رشا لها .. لم تشعر الا بكلمات الاتهام .. كانت تتردد : انتي السبب .. انتي السبب .. انتي السبب .
استسلم .. فمحاولاته لا طائل منها : جود .. خليني .. امي وخواتي بحايتي ( بحاجتي )
كان يترجاها .. فجأة ارتخت ذراعاها .. وابتعدت بضع خطوات للخلف .. لم تنظر الا للارضية البيضاء .. كانت تسمع فيصل يكلم والدتها .. يصبرها .. وكانت الاصوات تخفت رويدا رويدا .. لم يهتموا لها .. تركوا المكان وهي لا تزال واقفة مكانها .. تشعر ببرودة اطرافها .. تشعر بصقيع يفتت عظامها .. مرت الدقائق تسحب خلفها الكثير من الدقائق المتسارعة .. وعندها وكأن الزمن توقف .. صوت ممرضة واقفة بجانبها يتهادى متذبذبا الى مسامعها .. فجأة ارتجفت حين وضعت يدها على كتفها .. نظرت الى تلك الممرضة بنظرة حاقدة بعض الشيء .. ابتعدت عنها وكأنها افاقت من كابوس ما .. جرت مسرعة من تلك القاعة .. تحت نظرات تلك الممرضة التي يكتنفها الاستغراب .
اما هناك بجانب احدى الغرف كان ينتظر خروج اي احد يطمأنه عليها .. كان يطوي تلك المسافة القصيرة امام الباب ذهابا وايابا .. كان خائفا عليها .. وهاتفه لا يهدأ من الرنين .. اغلقه بقوة .. وكأن به يبعثر غضبه على زر الاغلاق .. رماه في جيب ثوبه .. التفت حين فتح الباب .. اسرع الى تلك الطبيبة المتوشحة بحجاب ابيض .. ويبدو على وجهها انها تناهز الاربعينات من العمر .. تقدم وبخوف : طمنيني عليها .
اجابته بلهجتها المصرية الحانية : الحمد لله .. المدام بخير .. وربنا يعوضك فالجنين .
تسمر وكأن دلو ماء بارد اريق على جسده .. جنين .. كان هناك جنين في احشاء رشا .. اجتاحته لوعة غريبة .. احس بشيء ما يطعن قلبه .. كان سيصبح ابا .. ولكن كل شيء اصبح ماضيا ..
,‘,
Continue
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#34 أضافة تقييم إلى nahe24 تقرير بمشاركة سيئة
قديم 30-09-12, 03:38 PM
الصورة الرمزية nahe24
nahe24 nahe24 غير متواجد حالياً
نجم روايتي
,‘,
بعكس الحزن الذي سيطر على حياة عائلة فيصل كان هناك فرحا في منزل عائلة احمد .. كانت اسبابه منبعثة من قلب سارة التي ما ان دخلت المنزل حتى اخذت تصرخ بفرح لا متناهي .. اخيرا انتهت من هم الدراسة كما كانت تقول .. فهي تظن ان المدرسة والدراسة متعبة جدا .. جلست في الصالة بعد تلك الكلمات التي سمعتها من والدتها وهي تنهرها بسبب صوتها العالي في المنزل .. كانت ممسكة بقلم وورقة .. تكتب وهي مبتسمة .. جاءت لها العنود وبيدها تلك الاوراق المضرجة بالاحمر والاسود : تلعبين ورق ؟
رفعت راسها .. وبحماس شديد : وليش لا .. هاتي
مدت لها بالاوراق .. واخذت تحركهن بين يديها بحرفية متناهية .. وبسرعة وزعتهن بينها وبين العنود .
شو كنتي تكتبين ؟ .. سؤال طرحته العنود عليها .. لتجيب بفرح وهي ترمي باحدى الاوراق من يدها : خطة الاجازة .. بقول لنصور عنها .. لانه هو اللي بينفذها لنا .
دخل ناصر بلباسه الرسمي .. وذاك القميص ذو اللون الرمادي قد فكت ازراره العلوية .. رمى بقبعته الحمراء على سارة : شو بلاه نويصر بعد .
تركت ما بيدها متوجهة لاخيها .. الذي جلس على الارض بتعب ساندا ظهره على احدى الوسائد .. اقتربت منه .. واخذت تدلك ساقيه وهي تقول : فديت اخوي .. اكييد تعبان .. خلني اهمزك ( ادلكك )
انفجرت العنود ضاحكة : الله ع الحايه .. اللي تسوي فيج جذي يا سويره هههههههه
ناصر : وانا اقول ما في شيء لله ..
تلعثمت : لا لا منو قالك اصلا .. بس تدري اجازة .. يعني يبالنا طلعة مني مناك .. والا شو رايك ؟
سحب ساقيه .. وقام واقفا وهي تنظر اليه رافعة رأسها حيث لا تزال جالسة : يصير خير .. بروح اتسبح ..
مشى مبتعدا وفجأة توقف .. حين اقبلت والدته .. تقدم منها مقبلا رأسها : امي جهزي عمرج الاسبوع الياي لعزيمة عودة .
دون شعورا منها قالت : احمد بيرد من السفر ؟
انزل رأسه .. وكأن بتلك الجملة تلاش الفرح من قلبه : لا .. بس بترقى .. وبعلق النجمتين .
تداركت الامر .. وقامت تبارك له وتقبله : عقبال ما افرح فيك معرس يا ناصر .
بعد تلك الفرحة التي ملأت قلب ام احمد .. قالت بشيء من الجدية : ناصر .. شوف اختك .. ترا ابوك كل شوي يسألني شو رايها بولد عمها .. وكل ما اسألها تقول بتفكر .. ترا والله طولنا عليهم .
- ان شاء الله بشوفها .. بس سمعيني يا امي .. ترا روضة مب مجبورة .. واتمنى انكم ما تغصبوها ع شيء .. وافقت كان بها .. ما وافقت الله بيكتبها النصيب مع غيره .
" شوفي يا بنت الناس .. لا تبنين حياتج على زيف الحروف .. اللي عرفته من رسالتج انج بعدج تدرسين فالجامعة .. وان اغلب وقت بريكاتج تقرين فيهن مقالاتي .. يعني لو عندي بنت بتكون بعمرج .. يا بنتي خلي وقت بريكاتج لشيء ينفعج فدراستج .. ولا تتعلقين في كم كلمة كتبتها .. ما كنت برد على رسالتج .. مثل باقي الرسايل اللي وصلتني منج .. بس لو ما رديت كنتي بتبقين عايشه فوهم اسمه حب ..الحب ما يكون من كم حرف منمق .. الحب عشرة .. سامحيني يا بنتي .. بس اذا كانت مقالاتي بتسبب معاناتج فاقولج من الحين تركيها."
هذه المرة العشرون التي تقرأ فيها تلك الرسالة .. كانت تقرأها وهي تهز كيس الـ " m&ms " الاصفر .. لتدحرج الزرقاء والحمراء في كفها .. ومن ثم تنزلق على لسانها .. لتهشمهن اسنانها دون رحمة ..
اغلقت جهازها على عجل حين فتح الباب بعد طرقة خفيفة عليه .. ازاحته من على حجرها .. ابتسمت لاخيها الذي اقترب منها : ليش يالسه بروحج هني .. ؟
سحبت ساقيها حتى يجلس ناصر على السرير : ولا شيء .. بس كنت افكر .
فذياب ؟ .. سؤال من شأنه ان يجعلها تعتدل في جلستها .. وتضع الكيس من يدها على الكوميدينة : ما اتصور اني بكون حرمته .. صح انه ريال والنعم فيه .. بس
باهتمام منه : بس شو يا روضة ؟ .. اذا انتي مب موافقة محد بيجبرج .
هزت رأسها بعشوائية سريعة :لا .. مب قصدي .. انا صليت استخارة اكثر من مرة .. وكل مرة احس قلبي يرتاح اكثر .. بس
- رجعنا للبسبسه .
ضحكت ليضحك معها : هيه جذي ضحكي .. وبقولج شيء .. ذياب اعرفه زين .. ربيت وياه .. والصراحة بقولها لج .. ذياب بيحطج فعيونه الثنتين .. ما اريد كلامي يأثر عليج .. بس اللي اشوفه انج موافقه بس متردده .. وترا من حقج تشوفينه وتتكلمين وياه بعد .. لا تستحين منه .. لان من حقج هالشيء – قام واقفا – الحين بخليج .. تراني هلكان .. بروح اكلي لقمة وبرقد .
تركها .. لترجع وتسبح في بحر افكارها من جديد .. الكلام المادح له الذي يصلها من الجميع جعلها ترتاح كثيرا .. وايضا كلام المغترب لها .. ايقنت به انها لم تكن تحبه هو .. في كل مرة تقرأ فيها رسالته تلك .. يزداد يقينها بانها لم تحب الا حروفه المنسابة على تلك الجريدة .
,‘,
تناولوا الغداء .. واجتمعوا في تلك الصالة الصغيرة .. الجميع هناك .. ما عدا شهد .. وعمار الذي ذهب ليقدم اخر امتحان له لهذا الفصل .. الساعة تقارب الثالثة عصرا .. وميثة تشعر باحساس غريب وهي بين عائلة اخيها عبد الرحمن .. احست براحة تجمعّهم .. تلك الراحة التي لم تكن تحسها وهي في بيت راشد .. كانت هاجر جالسة بجانب طارق وملتصقة به تنظر معه لشاشة هاتفه التي تعرض فيديو لشيء مضحك .. اما مريم فكانت جالسة قبالة عبد الرحمن تسكب له فنجان قهوة .. الذي بادرميثة بسؤالها : شخبار عليا الحين ؟ اذا محتاية مستشفى لا تترددين .. انا هني وطارق .
نظر طارق لهم عندما سمع اسمه : اكييد ما يبالها – ترك هاتفه لهاجر واعتدل في جلسته – وين خلود وحصة ؟
ابتسمت : شهد يزاها الله خير .. خذتهن عندها .. قالت بتلعب وياهن شوي .
كل شخص فيهم كان يتمنى ان يعرف الاسباب خلف خروج ميثة من منزل راشد .. ولكنها لا ترغب في الحديث عن الامر .. حتى عندما سألها عبد الرحمن .. وبسبب الحاحه عليها .. ما كان منها الا ان تقول : اذا ما تبوني بطلع .
كانت تلك الجملة كفيلة ان تلجمهم عن السؤال ثانية .. فجأة اذا بشخص يقتحم المكان .. ليقف الجميع مشدوهين النظر اليه .. كان يصرخ مزمجرا : ياللي ما تستحين .. جذي اطلعين بدون كلام ولا علام .
تكلم عبد الرحمن محاولا تهدئة راشد : السلام لله يا اخوي .. شو بلاك هاجم علينا .. وتراها ما راحت لبيت غريب .. هذا بيت اخوها بعد .
اخذ يشير اليها بيده : اختك هذي قليلة ادب وما تربت .
صرخت في وجهه : والله اللي رباني رباكم ..
عبد الرحمن : يا ميثة اقصري الشر – امسك اخيه من ذراعه – تعال وياي يا بو سعيد .
سحب يده : هدني يا عبد الرحمن .. البنت السنعة واللي متربية ما تطلع بانصاف اليالي .. وكانها شاردة من سجن .. خبريني بشو قصرت وياج .. دستلج ع طرف فيوم عشان اطلعين من البيت بهالشكل .
رن هاتف طارق .. وتحملق الجميع له . انسحب من المكان .. اما هاجر فوقفت بجانب والدتها ..
ميثة : ما عليك الا بياض الويه يا بوسعيد .. بس غيرك ما صان حرمة البيت .. يا بوسعيد ولدك ما خاف ربه فبناتي .. ولدك ما سوى اعتبار لعمته .. ولا سوى اعتبار لابوه .
تقدم منها حتى باتت انفاسه الغاضبة تلفح وجهها : ما اسمحلج تيبين طاري واحد من عيالي بالشينه .
عاد عبد الرحمن ليمسك راشد من ذراعه .. والتفت لمريم : خذي ميثة فوق يا مريم .. تعال يا راشد وياي .
صرخ من جديد : هدني يا عبد الرحمن .. خلني اعلمها واربيها من يديد .
نطقت هاجر : التربية ما اتيي ع كبر يا عمي .
صرخ عبد الرحمن على ابنته : يوم يتكلمون الكبار الصغار يسكتون ..
اغتاضت وانسحبت من المكان .. اما مريم فاخذت تحاول في ميثة لتترك المكان لكن بدون اي طائل .. اخذ الصراخ يعلو من جديد بينهما .. يقول كلمة وترد عليها بعشرة من مثلها .. كانت كالبوة التي تدافع عن جراءها : ما برجع للبيت اللي دمر بنتي يا بوسعيد .. وبدال ما ياي تصب غضبك ع راسي .. روح اسأل ولدك شو سوى .. اسأله كيف وصلت عليا لهالمواصيل .. وبعدين تعال كلمني .. والله ونذرا علي يابو سعيد بيتك ما عاد ادخله .
انسحبت من المكان .. وسط هيجان راشد .. كانت كلماتها مبهمة جدا .. من تقصد ؟ .. كان سؤالا يتردد في ذهنه .. ترك منزل عبد الرحمن والغضب لا يزال يجتاحه .. اما ميثة فجلست على السرير واخذت علياء في حظنها .. فتحت عينيها المتعبتين : امي .. لا تخليني بروحي .
شدتها اكثر الى حظنها : ما بخليج .. ما بخليج .
فتح الباب على مصراعية : شو اللي سمعته من شوي ؟
ارتجفت خوفا بين يدي والدتها .. التي بدورها شدتها اكثر واحتضنتها بقوة . اردفت : شو اللي صار لعليا عموتي ؟ .. اذا مثل ما فهمت .. لازم ما تسكتين .. عليا باين ان اللي فيها مب حمى وبس ..
- هاجر طلعي برع .. ما اريد اتكلم فاي شيء .. الله يخليج طلعي .
اقتربت منها وهي تؤشر لعلياء : عايبنج حالها .. اذا عايبنج حالها .. فهو ما عايبني .. ولازم تشتكين ع اللي وصلها لهالمواصيل .. واللي افتعل فيها( اغتصبها ) .
- اص .. سكتي يا هاجر – بدأ صوتها يتهدج – يا رب ما يكون فيها شيء .. يا رب ما يكون فيها شيء .. ما بسامح عمري اذا افتعل فيها النذل .. وربي ما بسامح عمري ولا بسامحه .
اما راشد فهاهو يدخل منزله في قمة غضبه .. ينادي باعلى صوته على ابناءه الذكور : سعيد .. عبدالله .. بدر .. مايد .. وينكم ؟
كان واقفا باسفل السلم .. ونظره للاعلى .. خرج سعيد من الصالة ووقف بخوف : شو صاير ؟
- وين اخوانك ؟ - رجع لينادي – عبدالله .. بدر .. مايد .
خرج الجميع .. نزل بدر الدرجات حتى وصل عند والده .. اما مايد فوقف في منتصف السلم .. فاطمة وريم تقفان هناك بخوف في الاعلى .. اما ام سعيد فوقفت بجانب سعيد .. كان الرعب مسيطر عليهم
زمجر من جديد : وين عبدالله ..
لا اجابة تصله .. فاستطرد : منو منكم اللي تعدى حدودة وييا ميثة وبناتها ؟
حين لم يصله اي جواب .. صرخ : تكلموا ؟
ارتجف مايد في مكانه .. ونظر له بدر .. ثم وجه نظره لسعيد : ابويه شو مستوي ؟
- انا اللي اسألكم .. منو فيكم اللي غلط على ميثة وخلاها تطلع من بيتي بهالشكل .. بتتكلمون والا شو ؟
ام سعيد : الله يهداك يا بو سعيد .. تشك فولادك اللي انت ربيتهم .. وليش ما تقول ان ميثة يالسه تتبلى على عيالي عشان تحطي اسباب لطلعتها بالهشكل مثل الحرامية .
تقدم سعيد من والده : امي صادقة يا ابوي ..
- لا مب صادقة .. ميثة ما تسوي هالسواه الا اذا شيء كايد مستوي ... بتخبروني بالطيب .. والا تبون تصرف ثاني وياكم .
سعيد : يمكن عبدالله .. تراه من امس مختفي .. محد يدري عنه شيء .. شكله خايف من سواته .
هزت ريم رأسها واخذت تردد : حرام عليكم .. حرام عليكم .. عبدالله ما يسويها .. حرام
امسكتها فاطمة من ذراعها .. وادارتها نحوها : انتي شو فيج .. واايد متغيرة .. وشو تقصدين باللي تقولينه .
رفعت عيونها المليئة بالدموع : حرام اللي تسونه .. الله يتكفل فيكم ..
سحبت ذراعها وجرت مسرعة لغرفتها .. ارتمت على سريرها .. تبكي بقوة .. وكأنها بدأت تفيق من غيبوبة الزوجة الطيبة السعيدة .. بكت وهي تردد : كلكم مثل بعض ما همكم الا نفسكم .. حرام عليكم ..
من سوء حظه انه عاد في تلك الساعة .. والاحتقان بالغضب قد سيطر على ارجاء المكان .. دخل وتحولت الانظار له .. القى التحية .. واذا به ينصدم من رد والده : الله لا يسلم فيك عظم ..
تقدم منه .. ليستقبلة بضربة على الوجه جمدته في مكانه : لا بارك الله فيك من ولد .. هذي سواه تسويها ..
مشت بعكازتها نحو زوجها .. ارادت ان تبعده عن ولدها الذي انهال عليه ضربا بيديه وهو ساكن في مكانه لا يتحرك .. وما كان به الا ان دفعها .. ليمسكها بدر .. وبعدها حاول ابعاد والده عن عبدالله .. يشده للخلف من وسطه : خلاص يا ابويه ..
- تفو عليك من ولد .
رفع عبدالله نظره محاولا ان يستوعب ما يحدث .. ازدرد ريقه : شو اللي مستوي ؟
هم ليضربه من جديد ولكن بدر حال بينهما : وتسأل يالخسيس – اخذ يأشر عليه فبنية بدر القوية تمنعه من الوصل لعبدالله – اطلع من بيتي يا مسود الويه .. اطلع ..
صرخت ام سعيد .. وامسكت بساقي زوجها .. تنظر اليه : لا يا بو سعيد .. لا .. الله يخليك هذا ولدك ..
لم يعرها اي اهتمام واخذ يردد تلك الجملة " اطلع من بيتي " .. وقف ينظر للجميع .. وتوقفت النظرات على سعيد .. فابتسم.. وكأنه يقول له .. انتصرت يا سعيد : انا طالع يا ابويه .. بس بيي يوم تعرف فيه انك ظلمتني ..
كل ذلك يحدث تحت انظار المجرم الحقيقي .. المجرم الذي توشح ثوب البراءة .. المجرم الذي عرف اخيرا حجم اجرامه .. لم ينبس ببنت شفة .. رأى عبدالله يغادر .. لطالما كان الاخ مهضوم الحق بينهم .. وهو كان الكل في الكل .. فهو اخر ابناء راشد .. المدلل .. اذا اراد شيء وصله دون معارضة .. انسحب وهو يرى والده قد انهكه الغضب .. يقوداه بدر وسعيد ليجلساه على احدى الارائك .. ولج الى غرفته .. اغلق الباب .. وجلس على الارض محتضنا رأسه بكفيه : شو اللي سويته يا مايد ..
,‘,
Continue
Like
رد مع اقتباس إقتباس متعدد لهذه المشاركة الرد السريع على هذه المشاركة
#35 أضافة تقييم إلى nahe24 تقرير بمشاركة سيئة
قديم 30-09-12, 03:39 PM
الصورة الرمزية nahe24
nahe24 nahe24 غير متواجد حالياً
نجم روايتي
,‘,
" ستار بوكس " في احد المجمعات التجارية في دبي .. المكان لا يهدأ من الواردين اليه .. وهنالك رجلان يجلسان على احدى تلك الطاولات الدائرية .. وبخار القهوة يتصاعد منعشا المكان .. مسيطرا على الاجواء بعكس كأس " الموكا" الهاديء الا من بضع قطرات تكثفت على سطحه . رجل بدين يضع نظارات طبية على وجهه المكتنز بعض الشيء .. قال وهو يرشف من كأسه : الين متى .. وانت ترفض هالدورات .. تعرف كم دورة تدريب رفضت .. هذي الثالثة
انتشل كوب القهوة من مقعده .. وقبل ان يرتشف منه ويتلذذ بمذاقه : ما اقدر اخليه ..
- الين متى انزين .. العمر يمضي .. شوف اللي يوا عقبك ترقوا وسبقوك .. وانت بعدك مكانك سر .. تعرف كم عمر مديرك .. تعرف والا اقولك ؟
- 26 سنة .. ما في داعي تقولي ..
- يعني اصغر منك بـ 15 سنة .. ترضى يكون مديرك اصغر منك .
انزل الكوب وتنهد بتعب واضح : ما يهدالي بال وانا بعيد عنه .. ما يهمني الشغل كثر ما يهمني محمد .
طوح برأسه : اذا امه ما قدرت تتحمله .. تريد اهلك يتحملونه .. قلت لك خذه للمستشفى .. والا ييبله ممرضة تباريه وتهتم فيه .
- وتظن اني برتاح وهو هني وانا فديرة غير الديرة ..
- استغفر الله العظيم .. انزين وبعدين – باهتمام اكبر اردف – ليش ما تعرس ؟
- اسمعني .. حرمة ابو لمحمد مستحيل .. فاهم .. ولا اريد اسولف فهالموضوع .
- انزين ليش قفلت حساب تويتر .. ع الاقل كنت تتسلى فيه .. حرام كل عباراتك تروح بهالشكل .
- تويتر وغيره .. موقوفون حاليا .
- والله مادري شو اللي براسك يا سعود ..
- فراسي اشياء لو تنكشف لك بيشيب منها شعر راسك .
,‘,
منذ ان اوصلها الى منزله .. والقى بتعليماته على " روز " تلك الخادمة الفلبينية .. وهي لم تراه .. اوصلتها الى غرفته ذات الالوان الكئيبة .. بكت بحرقة .. فهي تشعر بانها غريبة في هذا المكان .. مر الصباح وهي مستلقية بعباءتها .. واتى الظهر .. وايضا لا تزال عباءتها لا تفارق جسدها .. فهي تشعر بالخوف ..حتى ذلك الاتصال .. وتلك الكلمات الكثيرة بينها وبين ايمان قبل صلاة العصر لم تأتي بالراحة لها .. تخاف ان تخرج من تلك الغرفة .. فهي لا تعلم من يوجد في هذا المنزل .. قد يكون هناك اخوته .. وقد يكون بينهم شباب .. من العيب ان تخرج .. فآثرت البقاء حبيسة تلك الغرفة .. قامت بكسل تتجول في انحاء تلك الغرفة الواسعة .. لم تحلم يوما بأنها ستكون في مكان كهذا .. الالوان موحشة .. ومساحات الغرفة الخالية تثير في نفسها خوفا من نوع آخر .. تابعت الخطى الى الغرفة الاخرى الملاصقة لغرفة النوم .. هالها حجم الدولاب الكبير .. وهي واقفة بين الغرفتين .. نظرت الى حقيبتها التي لا تزال قابعة بجوار ذاك الباب الخشبي البارد .. ثم عادت بالنظر الى ذاك الدولاب العملاق .. تلفتت وكأن بها تستطلع المكان .. فقلبها يقرع طبول خوف لا تهدأ .. وقفت أمامه .. مدت يداها المرتجفتان لتفتحه .. بانت لها الكثير من الملابس الرسمية .. قمصان وبنطولانات وبدل كثيرة .. اغلقته لتفتح جانب آخر فيه .. الكثير من الاثواب بشتى الالوان .. الداكن منها والفاتح .. اغلقته .. وتوقفت عن البحث خلف تلك الابواب .. وضعت كفاها على بطنها الذي بدأ يصدر اصواتا طالبا للطعام .. تتضور جوعا .. فهي لم تأكل شيء منذ الصباح .. لم يدخل جوفها سوى بيضة مسلوقة ورشفتين من الشاي بالحليب .. عادت الى السرير .. رمت نفسها جالسة عليه : شو سويتي بحالج يا خولة .. الحين من وين بتيبين اكل .. حتى الثلاجة ما فيها الا الماي .
كان نظرها على تلك الثلاجة الصغيرة في زاوية الغرفة .. اذن المغرب .. ها هي تسمع المؤذن ينادي للصلاة .. قامت لتنظر من النافذة .. فهي تشعر بأنها اخطأت باتجاه القبلة في الصلوات السابقة .. حمدت ربها وهي تتأكد من جهة الغرب ..
وهي على سجادتها اذا بطرقات خفيفة على الباب .. ارتعبت .. وطوت سجادتها بخوف .. تنفست بقوة وهي ترى روز وبيدها صينية تقديم .. تقدمت ووضعت الصينية على الطاولة الصغيرة الموجودة .. وبلغة عربية متكسرة : بابا يسوي اتسال .. يقول مدام كولا يطلع من الغرفة
ابتسمت على نطقها لاسمها وتمتمت : صرتي كولا يا خولة
سكتت روز عن الكلام .. ثم قالت : شو في ماما .
هزت رأسها وهي تقترب من الطاولة : ما في شيء .. وبعد شو قال
روز : يسأل اذا انت في ياكل شيء .. بعدين سار يصرخ .. مدام .. بليز لا يقول هزا كلام لبابا جاسم .
ابتسمت : لا تخافين .. تقدرين ترجعين بعدين عشان تاخذين الصينيه .
خرجت روز من الغرفة بعد ان اخبرتها ان جاسم لن يعود الى المنزل هذه الليلة .. اما خولة فشعرت ببعض الراحة .. يبدو ان جاسم مهتم لامرها .. مدت يدها تتناول شيء ما يسد جوعها .. ولكن الخوف من قدومه جعلها تكف يدها .. فهو قد يغير رأيه ويأتي .. لم تشبع ولكنها في نفس الوقت لا ترغب بالاكل .. مرت الدقائق عليها .. والخوف والتوتر لا يفارقانها .. كيف ستكون اول ليلة معه .. كلما جاء هذا السؤال عابثا في رأسها ارتجفت اوصالها .. الساعة تقارب العاشرة ليلا ..فتحت حقيبتها واخرجت لها ملابس نوم .. فيبدو ان جاسم لن يأتي .. ولا بأس من رمي تلك العباءة التي اتعبتها .. توجهت الى دورة المياه ( اكرمكم الله ) .. خرجت وهي تحاول ان تثبت شعرها للمرة المليون هذا اليوم .. فمشبكها قد كسر وهي نائمة .. سحبت حقيبتها الى ذاك الدولاب العملاق .. لا بد ان تجد لملابسها القليلة مكانا فيه .. وهي تقوم بذلك كانت هناك اعين ترقبها دون ان تشعر .. وقع المشبك من شعرها عندما كانت تحاول وضع بعض ملابسها على احد الرفوف .. لينساب شعرها الحريري الكثيف ضاربا اسفل اردافها .. صرخت : اووه .. والله ذلني هالشعر .. بيني يوم واحشه ( اقصه).
ابتسم وهو ينظر الى تلك المرأة التي تذكره بقصص امه بخيتة
كانا يركضان نحوها .. يهجمان عليها في كل ليلة .. عشر سنوات مضت وهما يتعلقان بها يوما بعد يوم .. جلس قاسم على يمينها .. وجاسم عن يسارها .. لفتهما بذراعيها : اذا ما بتعقلون .. ما بقولكم حزايه ( حكاية )
تحرك قاسم وهو يشير لجاسم : هو اللي دوم يتكلم .. ما يخصني .
- كذاب .. هو اللي ما يسكت ..
ضاقت ذرعا بهما : سمعوا .. ترا ما بقولكم حزاية بنت ملك الجان .. اللي شعرها يوصل للارض .
باندهاش طفولي قال قاسم : الله ..
ابتسم وهو يذكر ذهول قاسم من كلام امهما بخيتة ..وحدث نفسه : شوف يا قاسم وحده من بنات الجان وشعرها يوصل للارض .
اقترب بهدوء منها . وهي لا تشعر به .. كانت تغني بصوتها العذب :
يا شوق قلبي فؤادي يعشقك والله
لا تغيب عني وتنسا حلو ماضينا
ماعاد فيني حبيبي للهجر قله
اشواق قلبي تنادي لا يجافينا
كان يتقدم وعيناه تفترسان جسدها التي بانت تفاصيله بسبب ثوب النوم الناعم الذي ترتديه .. والذي اوضح ردفيها الممتلئان ..رفعت جذعها وهي تقف على اطراف اصابعها لتصل لاعلى رف وبيدها بعض الملابس المطوية .. اذا بها فجأة تتسمر في مكانها .. وتسكت شفتاها عن الغناء .. احتظنها من الخلف .. يداه تلامس وسطها .. انزلت قدميها على الارض بهدوء .. ومعهما انزلت ذراعيها اللتان اسقطتا الملابس دون ارادة منها ... امعاءها بدت تتلوى .. وانفاسها تجري مسابقة دقات قلبها .. حدثت نفسها : هذا ريلج يا خولة .. انتي حلاله .
كانت تريد ان تطمأن نفسها .. فملامسته لها افقدتها الاتزان .. وانفاسه التي تلفح رقبتها تكاد تحيلها الى رماد .. همس في اذنها : مثيرة .
لترتجف بين ذراعيه .. ولتحيلها تلك القبلة على رقبتها الى امرأة تطلب العفو دون صوت .
استيقظ عند الساعة الخامسة فجرا .. نظر اليها وهي نائمة كالطفل البريء .. حرك يده على شعرها الذي تتوسد جزء كبير منه .. لا ينكر ان ذاك الشعر اذهله بقوة .. ابعد الحاف .. وقام متدثرا برداءه .. لم يحكم ربطه على وسطه .. سحب له منشفة وتوجه لدورة المياه ( اكرمكم الله ) .. اطلق العنان لذاك الماء البارد لينساب عليه دون رحمة .. اخذ يحدث نفسه : شو صارلك يا جاسم .. استمتعت البارحه . لا تنكر هالشيء .. اول مرة تحس بالمتعة بهالشكل فسريرك .. حبيتها يا جاسم ..
هز رأسه حتى تبعثرت قطرات الماء يمنة ويسرى : لا ما حبيتها .. مستحيل حرمة تدخل قلبي .
عاد ضميره يحدثه : قالها لك قاسم قبل .. الحب ماله وقت .. ما نقدر نتحكم به .. فاي وقت يمكن يسيطر علينا .
مسح شعره للوراء حتى استقر كفاه على رقبته .. وقد شبك اصابعهما : لا .. مستحيل اضعف لاي حرمة .. مستحيل .
خرج بخطى مبتله .. لا شيء سيسكت ناره التي تتأجج في جوفه الا تلك الكرة الصغيرة .. ارتدى ملابس رياضية وخرج لارض المعركة .. ليحارب تلك الكرة حتى يتعب .. وحتى تصرخ عضلاته طالبة الراحة والاكسجين .. خرج بعد تلك الحرب التي استطاعت ان تخمد شيء من براكين روحه الثائرة .. رن هاتفه وهو في طريقه للاستحمام من جديد : الو .. لا حول ولا قوة الا بالله .. اكييد .. واجب علينا نعزيه .
,‘,
قصر ابو فيصل لا يهدأ .. الناس لا تنفك تأتي .. وميرة لا تعي شيء .. منذ صباح الامس وهي نائمة .. واذا استيقظت نادت باسم سالم .. وكأنها تراه مقبلا نحوها .. تفيق دقائق .. وتغيب عن الوعي بالساعات .. وجواهر لا تبرح غرفة والدتها .. يسوؤها منظرها .. ولا تستطيع ان تفعل اي شيء لها .. النساء يدخلن يقبلنها وهي لا تشعر بهن .. ويخرجن وهن يتحوقلن ..اما رنيم فجالسة بجانب رشا .. التي اتعبتها المهدئات .. تقوم صارخة : وين ابويه .. اريد ابويه .. خلوني اقوله اني احبه ..
رنيم وبرغم تماسكها .. الا ان كلام رشا يثيرها من الداخل .. فهي الاخرى لا تصدق ما حدث .. وسيف كل ساعتان يزورها .. يطمأن عليها .. هي حتى الان لا تعلم شيء عن جنينها الذي فقدته .. وجود اختفت يوما كاملا عن المنزل .. وعادت ليلا عند التاسعة الى المنزل .. كان مكتضا بالنساء .. نظرت اليهن وكأنها تبحث بين الوجوه عن والدتها او عن اخواتها .. تقدمت منها ميعاد ابنة خالتها .. وهي تشد على اسنانها .. وتمسك ذراع جود : وين كنتي لهالساعة .
- وين امي ؟
كانت نظراتها لميعاد جامدة .. حتى انها جلبت التوتر لها : فغرفتها .
تركت المكان راكضة على الدرجات .. فتحت باب الغرفة بهدوء .. هناك خالتها ام ميعاد .. وجواهر .. وصديقات والدتها المقربات .. ارادت ان تدخل ولكنها توقفت .. تذكرت تلك الجملة " انتي السبب " .. فعادت ادراجها للخارج .. لتنزوي في غرفتها .. دون ان تبكي .. فقط تنظر للفراغ بعيون جامدة ..
اليوم احد ايام الجُمع .. ومجلس الرجال لا يخلو .. كان يتلقى التعازي بقلب مكسور .. وبجانبه سيف واخيه طلال .. كان مسدلا " غترته " على رأسه .. فاذا بيد تصافحه .. وتقدم له كلمات العزاء ..وبعدها تحرك ليجلس في ذاك الركن البعيد .. وتلك النظارة ترقب الوجوه الحاضرة .. فذاك تاجر معروف .. وذاك قنصلا سابقا .. وآخر سفيرا .. الكثير من الشخصيات الهامة في البلاد .. وفجأة دخل الد اعدائه .. عبد العزيز ..الذي ما ان قدم العزاء حتى انتبه لابنه جاسم جالسا هناك .. مشى وجلس بعيدا عنه .. تناول فنجان قهوة من يد ذلك الشاب .. وتمتم : لو ادري ان جويسم هني كان ما ييت اليوم .
قام جاسم .. فلا يستطيع البقاء اكثر .. تقدم من فيصل .. وصافحه .. واذا به يقرب فاهه من اذن فيصل .. ليهمس له ببضع كلمات .. كانن كفيلات ليغيرن نظرة عيني فيصل .. رفع نظره لوجه جاسم .. وشد على قبضته اكثر .. وبنفس نبرة الصوت الهامسة : شو اللي قلته .
ابتسم : مثل ما سمعت ..
,‘,
ان شاء الله يعجبكم البارت